مقالات

نـشـــأة الــلـغـــــة

فــاروق حـمّــود  

خاص “المدارنت”… الإنسان بفطرته يخشى ما يجهل، فلو أنك دخلت إلى معمل للمرة الأولى، وطـُلب إليك أن تشغّل آلاته، لما تجرأتَ أن تضغط أيّ مفتاح، خوفًا ممّا قد يحصل، ولكن بعد التمرّس والمداومة على زيارة المعمل ومعرفة تقنيات تشغيل الآلات بالتدرج، ستتغير نظرتُك الى هذه الآلات، فتتعامل معها بثقة عالية، وتدرك أن خوفك الأول كان وهماً لا أكثر.

كذلك هو معمل اللغة العربية، إن لم تتعرف إلى آلاتها وأدواتها، ستخشى أصواتها وألفاظها ونحوها وصرفها واشتقاقها، فلا تجرؤ بالتالي، على الكلام بفصيحها، أو التعبير بجملها أو نظم شعرها .                              

من هنا، كان لابد لنا من التعرّف إلى بعض علوم اللغة العربية بالحد الأدنى، وليس التخصّص فيها، لنكون على قدر مقبول من مسؤولية حملها كهُوية. علومٌ إذا تعرفنا إليها مبسّطة أزالت عنّا الخوف الفطريّ منها، وأدركنا مدى سهولتها ومرونتها .

لهذا، واستجابة للفطرة الإنسانية، التي تبحث في كل جديد عن منشأه وأسبابه وتطوره، وجب علينا التعرّف على نشأة اللغة العربية وتطورها، كمبحث أول قبل الغوص في اشتقاقها، أوزانها، لفظها المشترك، الأضداد فيها، والمترادف من الألفاظ، وغيرها من علوم فقه اللغة، التي ستمكننا بدورها من فهم النحو والصرف، وغيرهما من فنون اللغة .

لقد ولد الإنسان الأول إجتماعيا بطبعه وجبلته، يتأثر بما حوله، يتفاعل معه، ويجد حاجة في نفسه للتعبير والتواصل مع أبناء جنسه، فكانت اللغة التي عرَّفها أهل الإختصاص “بأنها أصواتٌ يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم” (ابن سيده – المخصّص ).

وبما أن اللغة مولودة تاريخيا مع ولادة الإنسان، فإن إشكالية تحديد تاريخها مرتبط بإشكالية تاريخ وجود البشرية. لذلك نجد أن كل الكلام الذي يدور حول الزمن الفعلي لنشوء اللغة، ما يزال في خانة النظريات التي لا تحمل أي دليل حقيقي عن هذا الزمن، فالمدة الزمنية الفاصلة بين ولادة الإنسان والتأريخ والتدوين كبيرة جداً، ولا بد لنا هنا أن نلفت الإنتباه إلى أن العصور التي نعرفها من الكتب التاريخية، كالعصر الجاهلي، فصدر الإسلام ثم الأموي الخ.. لا تعبر عن النشأة الحقيقية للغة العربية، فقد سبق هذه العصور عصورٌ لم تصل إلينا أخبارها، ولا نعلم أيّ شيء عنها.

لهذا إن أصل اللغة الإنسانية بالمطلق، موضوع اختلفت فيه آراء العلماء، ولا يمكن القطع فيه برأي، فهو مرتبط بالمراحل الأولى للإنسان التي لم يسجلها لنا التاريخ. وقد تمثل الاختلاف في أصل اللغة بين نظريتين مختلفتين، تدوران في فلك هذا السؤال: “هل أوْضَعَ الناسُ اللغة بالإصطلاح أمْ علّمهم الله اياها؟” .

ذهب بعض العلماء إلى أن اللغة توقيف من الله تعالى، أي أن الله عزّ وجلّ عندما خلق البشر، علمهم اللغة التي يتواصلون بها، مستندين إلى قوله تعالى: “وَعلّم آدمَ الأسماءَ كلّها”. (البقرة – 31). وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على التفسير والتأويل لهذه الآية الكريمة – مع إختلاف الأقوال فيها بين المفسرين، لجهة أن الله تعالى علّم آدم أسماء الملائكة فقط، أو أسماء ذريته، أو أسماء كل شيء، فقالوا إن الله تعالى قد علم آدم اللغة (على أنواعها) دفعة واحدة، ومن ثمّ تفرّق أبناؤه وتنوّعت اللغات، وأكثر من دافع عن هذه النظرية هم الأشاعرة، وعلى رأسهم محمد بن الحسين بن فورك وابن فارس اللغوي المعروف.

أما الرأي الآخر، فيقول: إن اللغة من وضع الإنسان، وإصطلح عليها البشر، وقد بدأت بمحاكاة الإنسان لمحيطه بالأصوات – أداة اللغة – كحفيف الأوراق وقصف الرعد وخرير الماء وأصوات الحيوانات على أنواعها، من زقزقة وعواء وغيرها، فأنشأ منها أصواتا ثنائية عمل على تطويرها، بزيادة حرف ثالث، ليميزها، وتايع التعديلات عليها، حتى تكوّنت المفردات والكلمات والعبارات، وبالتالي اللغة، وكل قوم اصطلحوا على مفرداتهم ولغتهم، وأصحاب هذا الرأي هم المعتزلة، وعلى رأسهم أبو هاشم الجبائي .

في خضم هذا الإختلاف، ظهر رأي ثالث من علماء لم يتعصبوا لمذاهبهم، فجمعوا بين المذهبين، ورأوا أنه من الجائز أن يكون بعض اللغة توقيفاً وبعضه الآخر اصطلاحا. وخلاصة  قولهم: إن الله تعالى أعطى الإنسان الأول القدرة والأدوات الأولى لصناعة اللغة، ثم قام هذا الإنسان بتطويرها وفقا لحاجاته المجتمعية، ومن ذلك نجد الفروق العددية والتعبيرية بين لغة وأخرى.

هذا هو القول المختصر في مسألة نشوء اللغة وتطورها، واختلاف الآراء فيها لا الخلاف، لأن في الإختلاف سعة ومرونة، أم الخلاف ففيه نفور وعدائية. ومن أراد التوسّع والتعمّق في هذا الموضوع، فليطلع إلى كتاب الخصائص لابن جني أو الصاحبي لابن فارس أو نصوص في فقه اللغة للدكتور السيد يعقوب بكر، أو فقه اللغة للدكتور الشيخ صبحي الصالح.

بعد أن أحطنا ببعض جوانب هذا الموضوع، بعيدا عن التوسّع في سرد الأدلة والبراهين، لا بد لنا من معرفة كيفية توالد المفردات واشتقاقها، وما هي الآلية التي اعتمدها علماؤنا في هذا الباب الممتع.

                                                           

 

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى