عربي ودولي

نقش على جدار الثورة السودانية.. (5/1)

د. علي ابراهيم*/ السودان
خاص “المدارنت”..

أتاحت لي فترة زيارتي للسودان – والتي إمتدت لأكثر من أربعة أشهر – الوقت الكافي لألتقي بعدد كبير من النشطاء السياسيين من مختلف الأحزاب والتكتلات السياسية وأن أتواصل مع عامة الناس وأن أتجول في الأسواق والطرقات وفي القرى والأرياف، و تكونت لدى حصيلة معرفية، ساعدتنى فى سبر أغوار المخفى وفي تلمس الظاهر والمعلن، متسلحا بما كنت أعلمه مسبقا بفضل مشاركتي ومتابعتي اللصيقة لمجريات أحداث الثورة السودانية، ومن قبلها فى الأعداد لها طوال سنوات حكم الإنقاذ العجاف.

وأستطيع بقناعة العارف، أن أقول الثورة أضحت فى مهب الريح ووصلت مرحلة الخطورة والتى بعدها الإنهيار التام.
 ومن المحزن والمؤلم والمؤسف معا، بأن الأفق محجوب أمام أى بادرة أو بارقة أمل فى إعادة الثورة إلى مسارها الصحيح، لتنجز أهدافها المعلنة في الحرية والسلام والعدالة وإقامة الدولة المدنية الديموقراطية.
أن هذه الحالة الهلامية للثورة السودانية نتاج طبيعى لجملة من الأخطاء التي صاحبت ذروة الحراك الشعبي الثوري  والتى تجسدت فى الإعتصام أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة و كان وقتها نظام البشير يترنح نحو الهاوية و السقوط الأكيد.
وفي تلك اللحظة التاريخية الفاصلة بين نظام ميت سريريا وبين ميلاد نظام شعبي  ديموقراطي يبشر بالمستقبل المرجو، قامت اللجنة الأمنية المنوط بها حماية والدفاع عن نظام البشير بإنقلاب القصر و الذى كان متوقعا  من معظم المراقبين للمشهد السوداني، لمحاصرة التطور الثوري وتعطيل مسيرته وتفريغه من أهدافه ومن محتواه النضالي وأدعت زورا وبهتانا ،الإنحياز  إلى الثورة و الإنتماء إلى أهدافها.
وبلعت قوى الحرية والتغيير هذا الطعم المسموم برغم كل التحذيرات الداخلية و الخارجية المطالبة بإستمرار الثورة حتى تسلم البلاد إلى سلطة مدنية ديمقراطية كاملة الدسم.
وأعلن كل من الإتحاد الأفريقي والأوروبي عن عدم إعترافهما بأى سلطة عسكرية.
و طالبنا حينها بإعلان مجلس السيادة ومجلس الوزراء وأن يؤدوا القسم أمام منصة الإعتصام وأن يضعوا العسكر أمام خيارين، إما تسليم السلطة للمدنيين فورا أو إقتلاعهم عنوة وإقتدارا.
وجبنت قوى الحرية و التغيير أمام هذا الموقف وآثرت الإستسلام بل أصبحت هى المحذرة من مآل مجهول رافعة فزاعة  ليبيا و فنزويلا!
وأثبتت الأيام وبالوقائع الدامغة أنها لم تكن جاهزة لإستلام مهام مسؤولية سلطة مدنية. ثم جاءت الطامة الكبرى بالتوقيع على وثيقة دستورية معيبة تكتنفها الثقوب والثغرات وتفسر على أكثر من رواية وجعلت  للمجلس السيادي  دورا يتجاوز حدود التشريف إلى سلطة تنفيذية ينازع بها مجلس الوزراء في سلطاته المتعارف عليها في نظم الرئاسة البرلمانية.
و بموجب هذه الوثيقة تعطل تعيين النائب العام و رئيس القضاء ردحا من الزمن كانت كافية لإتاحة الفرصة – وبتغطية قانونية – في هروب معظم الفاسدين من رؤوس النظام السابق للخارج.
وكان  من أهداف الثورة تحقيق العدالة الإنتقالية.
 وبعد مرور هذه الفترة المهمة من عمر الثورة لم يحاكم مجرم واحد من الفاسدين في النظام السابق وكلهم طلقاء و يتحركون بحرية داخل وخارج السودان.
هناك عدد محدود جدا فى معتقل كوبر لذر الرماد في العيون.
ومن الأخطاء الجسيمة تقديم د .حمدوك رئيسا لمجلس الوزراء و هو رجل لم يكن جزءا من الثورة ولم يعرف له نشاطا سياسيا ظاهرا ضد نظام البشير و عرف لعامة الناس بعد أن رفض منصب وزير المالية فى حكومة البشير السابقة.
 وكذلك معظم الوزراء من التكنوقراط الذين ليست لهم علاقة بالسياسة وجميعهم لا يملكون رؤية أو برنامجا واضحا للتغيير وليسوا ملمين بطبيعة المرحلة والتعامل معها بفعل ثوري  منتج لواقع جديد مغاير لإرث النظام السابق.
وحتى هذه اللحظة لم يقدم السيد حمدوك بيانه الوزاري للشعب لكى يدرك المواطن ماذا هو فاعل به في مستقبل ما تبقي من الفترة الإنتقالية. وبنفس القدر  فعل  الوزراء مثله.
 إن التغييب وعدم الشفافية والتناقض والتضارب في التصريحات بين الموافقة والنفي فى المواقف على لساني الناطقين بمجلس الوزراء والسيادة تؤشران إلى حالة غير طبيعية في إدارة شؤون البلاد.
وفى غمرة توالى الأحداث المثيرة والمتوالية، يقابل السيد حمدوك، السيد غازي صلاح الدين رئيس الجبهة الديمقراطية للتغيير والتي تضم فلول الأحزاب السياسية التي كانت متحالفة مع نظام البشير ومشاركة في السلطة حتى لحظة سقوطه.
والسيد غازى هو أحد القادة الذين نفذوا نظام الإنقاذ ومسؤول مباشر عن سياسته وعليهم دعوة قضائية لم تنظر بعد!.
وبات السيد حمدوك كأنه هو الثورة ولا يحفل بقوى الحرية والتغيير مدركا لضعفها و عدم مقدرتها فى التصدي له، وأعطى قدرا من الفعل التنفيذي لمجلس السيادة كالتغول فى السياسة الخارجية وإجراء حلقات التفاوض مع الحركات المسلحة الجارية فى جوبا. وهذا للمثال لا الحصر .
وفى غياب المجلس التشريعي – والذى نصت على تكوينه الوثيقة الدستورية فى خلال ثلاثة أشهر –  ينشط  السيد حمدوك و كذلك السيد البرهان في  إتخاذ  القرارات المصيرية و الخطيرة على حاضر و مستقبل السودان بلا رقيب أو حسيب، وفي خرق واضح لتلك الوثيقة و التي هي  بمثابة  الدستور.
لا يستطيع أحد أن يقتنع بمبررات تأجيل تكوين المجلس التشريعي، وكذلك إحلال ولاة الولايات العسكريين بولاة مدنيين.
والناظر للمشهد السوداني يجد سلطة تنفيذية كسيحة و عاجزة عن أخذ القرار الحاسم والشجاع فى الوقت و الوضع المناسبين  وهي في حالة تردد و هروب من القضايا الهامة والعاجلة وتسير بلا بوصلة هادية.
سلطة قضائية لا تزال تتحكم فيها عناصر النظام السابق ولذلك إختارت السكون والسبات لعلها تستيقظ على صباح يعيد لها مجدها المفقود، وهذا يفسر لنا أسباب تراجع إنفاذ العدالة الإنتقالية.
والسلطة التشريعية لم تتكون بعد، كما ذكرت آنفا. و السلطة الرابعة المتمثلة في  الصحافة والإعلام لا تزال في أيدي منسوبي النظام السابق! .
المواطن العادي لا يرى تغييرا في حياته اليومية المعيشية الصعبة بل يجد مشقة في الحصول على الخبز و الوقود و المواصلات .
إن الغلاء يتصاعد بلاء مراقب او رادع فى ظل تدهور مريع للعملة الوطنية وتضخم غير مسبوق.
النظام (السابق) موجود في كل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والإقتصادية والإعلامية ومحاولة تفكيكه تسير بخطى خجولة لا يشعر بها المواطن بل أحيانا تأخذ طابع الفرقعة الإعلامية لا أكثر.
نحن ندرك في أن نظام البشير ترك أرضا محروقة و دمارا طال كل المرافق الحيوية و المؤثرة وإقتصادا منهارا وأوصل البلاد إلى حالة الإفلاس. الأمر الذي يحتاج إلى معالجة سريعة وعلمية راشدة قائمة على موارد البلاد المتاحة والمستحدثة و إستخدام الدعم الخارجي  في النهوض بالمشاريع الإستثمارية وبالطبع  هذا لا يحدث بين يوم وليلة ويحتاج إلى صبر والمطلوب هو التعامل مع الواقع الإقتصادي بموضوعية و شفافية و تنوير الشعب و مكاشفته بصدق.
وهذا ينطبق على مجمل القضايا الوطنية السياسية والعسكرية والأمنية ومحاولة الإختفاء خلف الأصبع لن تستر عورة.
 ولإنقاذ الثورة و إعادتها لجادة الطريق السوي و المؤدي إلى تحقيق أهدافها فى قيام نظام ديمقراطي يلتزم بقواعد الحرية والعدالة والشفافية، ينبغي إجراء جراحات عميقة حتى العظم و بكل جرأة و تبيان.
وفي المقام الأول لا بد من معالجة الخلل في الوثيقة الدستورية و تحديد مهام المجلس السيادي و مهام مجلس الوزراء بصورة جلية لا تقبل التأويل أو اللبس.
 وأن تكون مهام مجلس السيادة تشريفية فقط و أن تكون لمجلس الوزراء السلطة التنفيذية كاملة، كما هو متبع في كل الجمهوريات البرلمانية.
وأن يكون وزراء الداخلية و الدفاع مدنيين و تحت مسؤولية رئيس الوزراء.
ولا أرى مبررا في أن يكونا  من العسكريين، فوزراء الدفاع في إيطاليا وفرنسا وألمانيا كانوا من النساء في فترات مختلفة.
 على رئيس الوزراء السيد حمدوك إعادة تشكيل مجلس الوزراء وإختيار وزراء سياسيين محترفين و مؤهلين بالخبرة والعلم والمعرفة بطبيعة المرحلة ويدركون متطلبات التغيير والتعامل معها بفعل ثوري  يوصل إلى أهداف الثورة والإصلاح السياسي الجذرى لمخلفات النظام البائد وعلى أن يكون هؤلاء الوزراء من الذين كان لهم دورا طليعيا و رائدا فى مقارعة النظام السابق. وأن يكون لكل وزارة وزير دولة من شباب وشابات الثورة تختارهم لجان المقاومة الشعبية في أنحاء البلاد المختلفة.
وأن يكون الإختيار قائمآ على الجهد  المعرفة  النضال المشهود ليس على المحاصصة السياسية.
وإعادة الجيش إلى ثكناته و أن يكون دوره محصورا في حماية حدود الوطن وسلامة أراضيه وأن يحرم عليه التعامل بالسياسة أو التدخل في خصوصية العمل السياسي.
دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة بعد تأهيلها علميا وفنيا وأن تخضع إلى دراسات معنوية حتى تتشبع بالعقيدة الوطنية القومية للقوات المسلحة.
وقف التفاوض مع الحركات المسلحة الجارية فى جوبا و عقد مؤتمر مائدة مستديرة فى الخرطوم تشارك فيه تلك الحركات بالإضافة للحكومة السودانية  الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وعلى أسس أجندة وطنية تحفظ وحدة البلاد و تقوى  النسيج الاجتماعي.
 إعادة النظر في قانون الأحزاب وعلى أن يتضمن نص يمنع قيام أى حزب على أساس ديني أو جهوي أو قبلي أو عنصري.
 إصدار قانون بمنع كل من شارك في مؤسسة رئاسة النظام السابق أو مجالس وزرائه أو مجالسه التشريعية فى المركز أو الولايات منذ عام 1989 وحتي أبريل 2019، من ممارسة أى عمل سياسي في المستقبل.
 الإسراع في تكوين المجلس التشريعي وإختيار الولاة المدنيين في ولايات السودان المختلفة.
و فوق هذا و ذاك المطلوب من السيد حمدوك تقديم بيانه الوزاري للشعب وأن يكون واضحا في رؤيته و ملتزم بها و أن يكون شفافا ومبررا لكل قراراته وتصرفاته و مواقفه حتى يحاسب عليها سلبا أو ايجابا.
و إذا ظلت السلطة الحاكمة تسير على نهجها الخاطئ و المغاير لمسار الثورة ستقود البلاد إلى مصير مجهول و ستكون تحت رحمة التاريخ و تحت قدر يقيسه الشعب بوعي  و إدراك لا يخيبان   و عندها لن ينفع الندم.
ألا قد بلغت اللهم فأشهد.
* ناشط سياسي 
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى