مقالات

نقش على جدار الثورة السودانية.. (5/3)

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

فى خمسينات القرن الماضي، قام الطبيب النفسي الكندي أيوين كامرون – وبتمويل من وكالة المخابرات الأمريكية، بإجراء تجارب على بعض المرضى النفسيين بغرض تحويل أدمغتهم إلى صفحة بيضاء، لإعادة كتابة المعلومات الملائمة عليها، وذلك بإستخدام الصدمة الكهربائية  لفك تواصلهم بالماضي، وبواسطة العزل التام  لإلغاء البيانات الحسية مما يفقدهم الإرتباط بالحاضر.

وسرعان ما إلتقطت مدرسة شيكاغو الإقتصادية ومنظرها ميلتون فريدمان التجربة ليطبقها على الشعوب والدول، لجعلها تقبل بقرارات ومواقف مرفوضة شعبيا، ولا يمكن أن تقبل بها في أجواء الظروف العادية والطبيعية، وذلك بخلق كوارث وحروب و إنقلابات وإحداث فوضى أمنية وذرائع قسرية، بهدف وضع الناس فى حالة صدمة ورهائن عاجزين على الحركة والتفاعل والمبادرة.

وفى لحظة فقدان التوازن هذه الناتجة من هول الصدمة، والإحساس بالدمار القادم، وبعدم وجود تصور منهجي واضح للإنقاذ، وقبل أن تفيق الشعوب من حالها، تقدم الخطة الجاهزة مسبقا، لتمرير  (إصلاحات) السوق الحرة، وتحرير التجارة وتخفيض الإنفاق الإجتماعي وإطلاق أخطبوط الخصخصة، وفتح الأبواب على مصراعيها للشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات، لنهب المال العام والسيطرة على مقاليد الإقتصاد وحركة التجارة.

وإجبار الطبقة الحاكمة في إتخاذ قرارات ومواقف قاسية مرفوضة، تتعارض مع قيم ومبادئ ومسلمات تلك الشعوب، وأمام إنسداد الأفق السياسي والإقتصادي ترضخ وستسلم  مجبرة وطائعة لا مختارة.

وقد طبقت سياسة المعالجة بالصدمة سياسيا و إقتصاديا و إجتماعيا في إندونيسيا وشرق آسيا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل وروسيا والعراق واليونان، وكانت نتائجها كارثية، إذ عم الكساد وتفاقم الفقر وتعاظمت البطالة وتساقطت الأعمدة الإقتصادية، ونهبت موارد تلك البلاد بلا واعز أو ضمير، وبيعت المؤسسات الإستراتيجية بثمن بخس لرأس المال الأجنبي. و لم تجن تلك الشعوب غير السراب والهوان.

لم يكن خافيا حجم المخاطر والمهددات التى صاحبت ثورة ديسمبر المجيدة فى السودان،  والتى تواصلت بوتيرة مرتبة وسريعة بعد سقوط نظام البشير، فالثورة أيقظت الشعور الوطني والقومي بعد طول سبات، وفعلت أدوات القوة الكامنة للجماهير والتى تقدمت بصدور عارية في مواجهة آلة القتل والبطش والإرهاب فى مسيرة سلمية لعدة أشهر،  عمت كل أرجاء البلاد، وكان وقودها الشباب والشابات (الكنداكات) حتى سقط رأس النظام ولا أقول النظام كله.

و ما يحدث من إرتباك وإرباك وخلط للأوراق فى المشهد السياسي السوداني، يندرج تحت طائلة محاولات جر البلاد إلي مستنقع واحل، وتفريغ الثورة من محتواها النضالي، وإبعادها كليا عن أهدافها المعلنة في الحرية والسلام والعدالة، وحتى لا يقوم نظام ديموقراطي كامل الدسم.

بدأت مقدمات المعالجة بالصدمة تبدو جلية، منذ تكوين حكومة الفترة الإنتقالية. فى الوقت الذى كان متوقعا من معظم المراقبين والشعب السوداني على وجه الخصوص، رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع الحظر الإقتصادي الجائر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ظلت الأخيرة على مواقفها ترفع الجزرة حينا والعصا حينا آخر، و لم تشفع محاولات التقارب معها بالقول والفعل، ولا الضغوطات الأوروبية عليها من دول ذات وزن وإعتبار، مثل ألمانيا وفرنسا فى تليين موقفها.

وتبعا لهذا التعنت إزدادت الحالة الإقتصادية سوءا، وهوى الجنيه السوداني إلى الحضيض وقفز التضخم إلى مرحلة غير مسبوقة.

وفى ظل هذا الواقع القاتم، أعلن رئيس الوزراء عن دفع تعويضات مالية لأهل ضحايا الباخرة كول، وهى قضية لا تزال تنظر أمام السلطات العدلية الأمريكية، ولم يفصل فيها بعد والمتهم فيها النظام السابق، وهذا الموقف الإستباقي وغير المبرر ، هو إعتراف ضمنى بالجرم ويحمل البلاد والشعب وزره وتبعاته.

وليته إكتفى بهذا الحد، ولكن تعداه إلى قرار أكثر خطورة حيث طلب من الأمم المتحدة وضع السودان تحت لائحة البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، الذى يجعل كل أراضي السودان تحت رحمة وهيمنة القوات المدنية والعسكرية والأمنية الأممية، وفى نوع جديد من أشكال الإستعمار الحديث، مبررا هذا الموقف الشاذ بأسباب واهية لا تقنع أحدا.

وقد تتوضّح لنا الصورة، إذا أضفنا إليها المحاولة المزعومة لإغتيال رئيس الوزراء، والتى جلبت بسرعة البرق خبراء وكالة المخابرات الأمريكية للتحقيق والتحري، من دون إستشارة أو إعلام قوى الحرية و التغيير.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن المكون العسكري، كان قد رفض فى وقت سابق إحضار لجنة دولية للتحقيق في جرائم العنف والقتل والإغتصاب، التى صاحبت فضّ إعتصام الثوار أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، والتى لا يمكن أن تقارن بفرقعة قنبلة بدائية زرعت بطريقة عشوائية.

ولا يمكن أن تفسر سوى إنها مسرحية سيئة الإخراج، حبكت لتكون مدخلا مقننا رسميا لوضع البلاد تحت أعين ورقابة المخابرات الأمريكية، ولتشكل مرحلة متقدمة في إظهار الإضطراب والخلل الأمني، الذي كان قد سبقه تمرد قوات العمليات الخاصة التابعة لجهاز الأمن، التى قُبرت فى لحدها، و لا أحد يتحدث عنها، على الرغم مِمّا أحدثته من هزة وشرخ في جسم النظام العسكري.

وثالثة الأثافي فى سلسلة الصدمات المتتالية، كان لقاء الفريق البرهان مع رئيس الوزراء (العدو) الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فى يوغندا، ضاربا بعرض الحائط الإلتزام المبدئي والثابت  المتضامن مع القضية  الفلسطينية، و طاعنا الشعور القومي فى مقتل.

وكان يرغب فى أن يكون فى طي  الكتمان، إلا أن نتنياهو الساعي إلى فوز انتخابي ينقذه من الملاحقة القضائية في تهم الفساد، لم يستطع صبرا، وأعلن عنها حال رجوعه إلى فلسطين المحتلة. وحينها لم يجد البرهان مفرا من الإعتراف فى رسالة مقتضبة، مدعيا بإن مصالح البلاد العليا كانت سببا في اللقاء! ولست أدري ماذا يقصد بتلك المصالح؟! ألم ينظر إلى حال البلاد العربية التى طبعت مع الكيان الصهيوني؟ هل تغير حالها؟ وهل دخلت في نعيم السياسة والإقتصاد والإستقرار الأمنى؟ أم لا تزال واقعة تحت سطوة الضغوط والإبتزاز فى طلب المزيد من التنازلات.

إن الوعود الكاذبة لا تنطلي إلا على المتسلقين والوصوليين وأصحاب الأجندات الخاصة، والذين لا يرون أبعد من مصالحهم الذاتية.

والسيد البرهان، أعطى نفسه حقا لا يملكه، فالوثيقة الدستورية التى تحكم مسار الفترة الإنتقالية، تجعل أمر السياسة الخارجية حصرا في يد مجلس الوزراء، ممثلا في وزارة الخارجية، التى علمت بخبر اللقاء من أجهزة الإعلام!

كما أن اتخاذ مثل هذه القرارات الخطيرة والحساسة، التي تمسّ وتؤثر على مستقبل البلاد وعلاقتها الإقليمية والدولية الاستراتيجية، هو شأن يخص المجلس التشريعي، والمؤتمر الدستوري المحدد إنعقاده قبل نهاية الفترة الإنتقالية.

ثم جاء القرار الصادم الآخر بطرد الملازم محمد صديق، الذى إنحاز إلى الثورة فى ذروتها و فى لحظة فاصلة، وتقدم بقواته حاميا للثوار من بطش قوات الأمن والشرطة والمليشيات المسلحة الإرهابية، وكان لهذا الموقف ما بعده، حيث كان دافعا وحافزا في إنضمام بعض الضباط إلى ركب الثورة وعجل بسقوط النظام.

أي واحدة من تلك الصدمات كانت كفيلة بأن تحرك الشارع فى الظروف الطبيعية، وتصحيح مسار الثورة، وإعادته إلى جادة الطريق، والوقوف بحزم وإصرار فى مواجهة محاولات التخريب والتلاعب بمصير البلاد، والتنازل عن قيم ومبادئ سامية، وعلى رأسها إستقلال القرار الوطني.  ولكنها قادت إلى حالة من الإحباط واليأس والذهول، أمام واقع يزداد سوءا يوما بعد يوم.

ووقع جزء كبير من الشعب، تحت مظلة هذا الشعور السلبي، وخدرت قواه السياسية على وجه الخصوص، ولم تحرك ساكنا، وإستثارت الخمول وعدم المبالاة والمراقبة فقط، كأن الأحداث تجري في كوكب آخر!

ومن حين الى آخر، يظهر وزير المالية ملوحا بالخطة المعدة سلفا لتحرير السوق، ورفع الدعم الإجتماعي، وفتح المجال للشركات متعددة الجنسيات بدعوى الخصخصة، وجذب الإستثمار الأجنبي  (مدرسة شيكاغو).

 وهذه الروشتة كانت وبالا ودمارا، طال كل الدول التى طبقتها، ولم تنجح دولة واحدة في العبور بها إلى إصلاح أو رفاهية. والدول التى صمدت وقاومتها ورفضتها وصلت إلى مراقي عليا في الإقتصاد والتضامن الإجتماعي مثل كوبا وماليزيا وتركيا.

المطلوب مواجهة هذا المخطط الماثل والمتحرك فى السودان قبل فوات الأوان، بتوعية الشعب، وتنويره بمخاطره على حاضر و مستقبل البلاد، ومحصارته وإفشاله، وهذا يستدعي توافق كل القوى الفاعلة، والأحزاب على خطة نهوض إقتصادي، على قاعدة إستقرار سياسي وسلام شامل وأمن مستتب.

وهو تحدي جسيم، لا مفر منه، وملزم لحماية الوطن وسلامة أراضيه، وموارده الظاهرة، الكامنة، لضمان مستقبل زاهر ومطمئن للأجيال القادمة.

* ناشط سياسي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى