نقش على جدار الثورة السودانية.. (5/4)

خاص “المدارنت”..
في فجر الثالث من يونيو 2019 إقتحمت قوات المجلس العسكري الإنتقالي في السودان مقر إعتصام الثوار أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، وارتكبت أبشع مجزرة في تاريخ السودان المعاصر، بغرض فض الإعتصام.
قتلت أكثر من 100 شهيد وشهيدة، وألقت ببعض جثثهم في نهر النيل، ومارست الإغتصاب والحرق والضرب والتنكيل بالأحياء والأموات، وبحقد وقسوة دخيلة على المجتمع السوداني المسالم والمتسامح في طبعه وسلوكه.
وبينما كان الناس في حالة صدمة وذهول، خرج الفريق شمس الدين كباشي الناطق الرسمي للمجلس العسكري الإنتقالي في مؤتمر صحافي مشهود، وأعلن (أنه فى الليلة السابقة لفض الإعتصام عقد المجلس العسكري بكامل عضويته إجتماعا موسعا بالإضافة إلى قادة القوات المسلحة ورئيس هيئة الأركان ورئيس المخابرات العسكرية ومدير جهاز الأمن ونائبه ومدير عام الشرطة ونائبه وقائد الدعم السريع وإنضم إليهم رئيس القضاء والنائب العام لأخذ المشورة القانونية في كيفية التعامل مع مثل هذا الموقف. ومن ثم وجهنا القيادات العسكرية بالتخطيط لفض الإعتصام، ووضعت خطتها ونفذت).
إعتراف وبينة قاطعين، لا يمكن أن يمحيا من ذاكرة التاريخ، ولا يمكن لأي باحث عن الحقيقة تجاوزهما إلى ما عداهما. والإعتراف سيد الأدلة.
ولكم أن تتخيلوا كيف تجتمع أجهزة الدولة بكاملها ، قيادة وجيش وشرطة وأمن ودعم سريع وأجهزة (عدلية) على أعلى مستوياتها، لا لتدخل معركة تحرير القدس، أو لإعادة الأندلس المفقودة، ولكن لتدير (غزوة) خزي وعار، مع شباب عزل وسلميين ومسالمين، ولا تحمل صدورهم العارية سوى إيمانهم بقضية وطنهم المتعطش الى الحرية والعدالة والسلام وقيم الديموقراطية .
كانوا في جبن النعامة الربداء، تجفل وتجري من صفير الصافر، وتدفن رأسها فى الرمال. هكذا فعلوا عندما تجردوا من الصدق والمسؤولية والثبات على الموقف، وأنكروا وادعو لاحقا أن المقصود كان مكانا آخرا غير مقرّ الإعتصام !
ونسوا أو تناسوا، بأن أجهزة التصوير والإعلام كانت حاضرة ومراقبة، وقامت بدورها في الرصد الدقيق بالصوت والصورة، ووثقت في آلاف المشاهد الدامغة والمؤكدة، التى لا يأتيها الباطل من يمينها أو من شمالها، وهي محفوظة في أيادي أمينة داخل وخارج السودان، ولا يمكن طمسها أو إزالتها بعد أن أصبحت في الصون والحفظ الأكيدين، وبعضها قدم لمحكمة الجنايات الدولية، والبعض الآخر للجهات العدلية الأوروبية والإفريقية.
وبجهد كبير ومساهمة مقدرة تقوم لجان من الناشطين والثوار في الداخل والخارج، بمتابعة ومحاصرة الذين ارتكبوا تلك المجزرة، وتقديمهم إلى محاكمة عادلة، ومثل هذه القضايا لا تسقط بالتقادم .
والذين يعيشون في وهم وغطاء ظن كاذبين، من أجل الهروب من العدالة والجزاء اللاحق، فليتأكدوا حقا أبلجا في أن حبل القضاء سيصلهم حتما، كما وصل الى الرئيس التشادي حسين حبري، والغيني موسى داديس كامرا، والكينى أوهورو كنياتا، والعاجي لوران غبابغو والصربى ميلان ميلوتينوفيتش، فلا نامت أعين الجبناء.
وفى محاولة يائسة وبائسة للتملص من المسؤولية القانونية والأدبية، رفض المجلس العسكري القبول بلجنة تحقيق دولية محايدة، للبحث والتقصي في مجزرة فضل الإعتصام، وما تبعها من عمل إجرامي يندى له الجبين، وأصر على لجنة محلية، وكان من المعيب أن ترضخ قوى الحرية والتغيير لهذا الطلب، والذي لا تخفي مقاصده لكل ذي بصر وبصيرة.
بعد تلكوء ملحوظ، شكلت لجنة محلية برئاسة محامي، والذي أعلن مبكرا بأن لجنته لا تعمل وفق قانون 1954 لتقصي الحقائق، ولكن بموجب قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991، ودورها محصور في تحقيق جنائي بحت على مستوى الأفراد الذين قاموا مباشرة بالفعل، ولا يطال الجهات الاعتبارية التى قامت بالتخطيط والتنفيذ وإصدار الأوامر! ولجنته غير معنية بتحقيق العدالة الإنتقالية! لجنة من أجل ذرّ الرماد في العيون، وإذا أنجزت فعلا سيكون حرثا في بحر.
ولإزالة الغشاوة والتعتيم، اللذان يحاول البعض بهما تغطية المكشوف أصلا.
تواصلت خلال زيارتي الى الخرطوم، مع كثير من الثوار، الذين كانوا فاعلين ومؤثرين في الحراك الشعبي، وفي بؤر الثورة العظيمة في البراري، وشمبات وشرق النيل وأم درمان، ومنهم الجرحى والمصابين، وعلى رأسهم المجاهد الأستاذ محمد عبد الوهاب الخضر، الذي قدم لي إفادة صادقة وقيمة، وهو يعتبر مرجعا مهما لتلك الأحداث، إستنادا الى دوره الرائد المقدام، والذي أدّاه في صمت وتضحية مشهودتين.
ومن الأمور التي طفحت وتحتاج إلى تبيانها وسبر أغواراها، هو معرفة ما دار في اللقاء الذي إنعقد في اليوم السابق لفض الإعتصام، والذي ضم السيد الصادق المهدي رئيس “نداء السودان” والسيد صلاح قوش رئيس جهاز الأمن، والسيد أحمد هارون الرئيس المكلف للمؤتمر الوطني، الذي كان قد أعلن بأنه رهن الإعتقال للتمويه، وكان عراب هذا اللقاء، أحد قادة “حزب البعث”.
وقد ذكرت بعض المصادر، أن السيد هارون قد أعلن فى هذا اللقاء، بأن الإعتصام سيفض بالقوة. وكذلك لا بد من استجلاء غياب كل منسوبي “حزب الأمة” من ساحة الإعتصام فى تلك الليلة! وهل تبرير حضورهم لصلاة التراويح في أم درمان مقنع لأحد؟ وهل هناك أحزاب أخرى كانت على علم أيضا وسحبت عضويتها؟ وهل بعض أعضاء الحرية والتغيير، كانوا أيضا على علم بالأمر؟
وأستطيع بقناعة القول بأن المسؤول الأول عن المجزرة هو المجلس العسكري الإنتقالي، وبكامل عضويته، بالإضافة إلى الاشخاص الذين شاركوا في ذاك الإجتماع المشؤوم في الليلة السابقة للمجزرة، ومن ثم القوات المسلحة، والتي خذلت الثوار، وكانت مسؤولة عن حمايتهم والدفاع عنهم وهم في حضنها وتركتهم لنيران القوات (الغازية) تحصدهم، ولم تحرك ساكنا !
وبعد ذلك، تأتي مسؤولية قوات الأمن والدعم السريع ومليشيات النظام السابق من كتائب الظل والأمن الشعبي والطلابي وغيره.
أما فبركة إيجاد ضحايا من أفراد القوات النظامية أو غير النظامية، أمروا بتنفيذ قرارات صدرت إليهم حسب القوانين العسكرية، بالضرب أو القتل أو الإغتصاب، هو بمثابة من يرى الفيل ويطعن ظله !
إن دماء الشهداء و تضحياتهم لن تضيع هدرا، وسيتم القصاص لأرواحهم الطاهرة البريئة، والتي وإن ذهبت إلى جنة عرضها السموات والأرض، لكنها أيضاً باقية تهب الحياة وتجدد قيمها، وتسمو بمعانيها وتنير دروب العزة والكرامة للأجيال الحاضرة والقادمة.
لهم المجد والخلود.
* ناشط سياسي



