عربي ودولي

“هآرتس”: 900 حاجز تشلّ حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية.. مسلسل العذاب اليومي!

“المدارنت”..
الساعة 8:30 صباحاً، صف طويل من السيارات على مدخل قرية ترمسعيا قرب رام الله. السائقون غير الصبورين ينتظرون دورهم على الحاجز الذي يربط القرية مع الشارع الرئيسي إلى أن يتم فحص بطاقات الهويات. في السابق لم يكن هنا حاجز دائم.
اعتاد الجنود على توقيف السيارات التي تثير الشك فقط، لكن التعليمات الآن تغيرت؛ فهذا زمن ازدهار الحواجز، وكل شخص مشتبه فيه حتى يثبت العكس. نضال (33 سنة) أحد المنتظرين، وهو معلم لغة عربية في مدرسة في رام الله. “الطلاب ينتظرون منذ ساعة”، قال بخيبة أمل. “هذا يحدث تقريبا مرة – مرتين في الأسبوع بسبب الحاجز”.

مثل حواجز كثيرة أخرى، فإن الحواجز التي تم وضعها في الضفة عند اندلاع الحرب، غيرت حياة نضال بشكل كبير. في آب، غادر قريته دير جرير بعد أن أغلق الجيش مدخلها بشكل كامل.
استأجر هو وزوجته الحامل شقة في قرية ترمسعيا لقربها من مكان عمله، لكن هذا أيضاً لم يساعد. حواجز كثيرة في الضفة غير ثابتة، والطريق التي كانت مغلقة أمس ستكون مفتوحة في الغد، والعكس صحيح. لذلك، يصعب على السكان التخطيط لجدول الأعمال اليومي مسبقاً وتوقع متى يمكنهم العبور بسهولة ومتى سيتأخرون. “أول أمس، انتظرت أربع ساعات”، قال. “قبل أسبوعين سافرت إلى تركيا، وعندما عدت من الرحلة من جسر اللنبي في أريحا استغرقت 11 ساعة، يستغرق السفر في الأوقات العادية ساعة”.

في أعقاب الإحباط، فكر نضال وزوجته في الانتقال إلى مكان أبعد من هذا المكان. “زوجتي تحمل الجنسية الأمريكية، ونريد الهجرة من هنا”، وأضاف: “الوضع صعب جداً. لم أفكر في الهجرة من قبل”.
الحواجز الطيارة مثل الحاجز في ترمسعيا، هي نتيجة واحدة لتوجه يشوش على حياة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإلى جانبها بوابات يتم غلقها أو فتحها حسب قرار من الجيش، وحواجز ترابية أو مكعبات إسمنتية تغلق مداخل القرى أو الطرق الزراعية كلياً، أيضاً الحواجز “الكلاسيكية” التي تربط الضفة بإسرائيل. قبل اندلاع الحرب عبر فيها حوالي 160 ألف عامل ممن لديهم تصاريح عمل، لكن منذ 7 أكتوبر يحظر العبور فيها.

الحاجز هو الرسالة
جاء التغيير الكبير في الشهر الماضي بعد أن أمر المستوى السياسي الجيش بإضافة عشرات الحواجز التي يوجد فيها جنود على الشوارع المؤدية إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، إضافة إلى الحواجز التي وضعت عند اندلاع الحرب. أعطي هذا الأمر عقب طلب من الكابنيت بذريعة أن الأمر يتعلق بوسيلة لمنع الاشتعال، بسبب إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين في إطار صفقة تحرير المخطوفين.
في إطار هذه العملية، أغلق الجيش مداخل قرى كثيرة بالبوابات الحديدية، وهكذا منع الخروج المباشر منها إلى الشوارع الرئيسية. وبدلاً من ذلك، تم تحويل الحركة إلى مداخل فيها حواجز للفحص (في الشهر الماضي، حسب لجنة مقاومة الاستيطان التابعة للسلطة، كان حوالي 900 حاجز من كل الأنواع تنتشر في أرجاء الضفة). كان الأمر هكذا أيضاً في الحاجز الذي انتظر فيه نضال، إضافة إلى أشخاص كثيرين لا يعيشون في ترمسعيا، بل في قرى أخرى في منطقة رام الله. بالنسبة لهم، الانتظار في الحاجز نهاية حملة متعبة في الطرق الالتفافية في الطريق إلى الشارع الرئيسي.
هذه الحواجز لم تحول حياة الفلسطينيين إلى كابوس فقط، بل تؤكد وجود منظومتيّ شوارع في الضفة:
الأولى للمستوطنين، الأخرى، المتدنية، للفلسطينيين. في الأوقات العادية، المنظومة الأولى هي الأفضل التي تتكون من الشوارع الرئيسية التي استثمرت فيها إسرائيل أموالاً كثيرة في السنوات الأخيرة وتخدم المستوطنين والفلسطينيين. ولكن الوضع غير عادي الآن، أو على الأقل ليس هو المعتاد. الآن، قوانين الحركة مختلفة، ويضطر الفلسطينيون إلى استخدام المنظومة الثانية المخصصة فقط لهم، التي تربط القرى بالمدن بواسطة طرق متعرجة.

أحد الجنود في حاجز ترمسعيا، قال إنه قبل مجيئه للخدمة في الضفة، خدم في الاحتياط في لبنان وغزة. وحسب قوله، فإن الحاجز الطيار تم وضعه بعد رشق الحجارة من القرية على السيارات الإسرائيلية على الشارع الرئيسي. وقال إنه يأمل بفضل هذا الحاجز، أن ينقل الأشخاص البالغون في القرية رسالة إلى الشباب، وهي أن رشق الحجارة أمر غير مجد. هو لا يعرف أن بعض السائقين ليسوا من سكان القرية.
كان ينتظر بجانب لؤي وبيسان حميد، أب له خمسة أولاد من كفر مالك. وصلوا إلى حاجز ترمسعيا بعد أن أغلق الجيش مدخل القرية على الشارع الرئيسي. “قبل الحرب، كانت الطريق إلى العمل تستغرق ربع ساعة، أما الآن فتستغرق ساعة ونصف على الأقل”، قال لؤي. “والشيء نفسه عند العودة”.
قالت بيسان إنه الجنود على الحاجز صوروا وجهها ورقم السيارة بعد فحص بطاقات الهوية، وهو أمر اعتاد الجيش على استخدامه في نظام “الذئب الأزرق”-قاعدة البيانات التي تمكن من تغذيتها بصور وأرقام سيارات الفلسطينيين لتشخيصهم مستقبلاً. يتم طرح قضية بين حين وآخر في المحادثات مع سكان المنطقة، وهي التأثير الاقتصادي المؤلم بسبب الحواجز. وثائق المنظمات الدولية تؤكد ذلك، بما في ذلك تقرير البنك الدولي الصادر في كانون الأول الماضي.
بيّن التقرير أن انخفاضاً بنسبة 23 في المئة في النشاطات الاقتصادية في الضفة الغربية في النصف الأول من سنة 2024 يعود إلى القيود التي فرضت على الحركة في الضفة الغربية، وحظر دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل، إضافة إلى خصم أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية بناء على طلب من وزير المالية سموتريتش.

“لم يعد لنا عمل”، قال أنس (19 سنة) من قرية دوما، الذي يعمل في الرخام. ويقول بأنه يقف في الحاجز منذ ساعتين. “يتكرر هذا الأمر كل يوم. أحياناً أنتظر طويلاً على الحاجز في طريقي إلى العمل، لكني أعود إلى البيت بعد ذلك دون التوجه للعمل”. حسام وعلاء أيضاً، تجار من سكان مخيم العروب للاجئين، تحدثا عن المس بجيوبهم. في السابق كان لهما تصاريح لدخول إسرائيل، أما الآن فلا يملكانه. “في هذا الوضع، لم يبق أمل في شيء. إحباط”، قال علاء. “تخرج من البيت فتفاجأ بحاجز، مرة بسبب البوابة الحديدية التي وضعها الجيش على مدخل المخيم، ومرة أخرى مفتوحة. للمرة الأولى أشعر بأنني تحت الاحتلال، لا حدود لشيء”.
وقال حسام إنه يسافر في “الطرق الترابية أو بطرق جبلية حتى يصل إلى هدفه، ويغسل السيارة مرتين في اليوم. السفر الذي كان يستغرق ساعة في السابق أصبح يستغرق الآن ساعتين”.

في هذه الأثناء، هناك من يحاولون استغلال الوضع الجديد والكسب بقدر الإمكان: بائعو القهوة يظهرون على جانبي الشارع في وقت الذروة، ويحاول آخرون بيع العطور للسائقين أثناء انتظار فحص بطاقات الهوية، أو أن الجنود يغادرون ببساطة.
هناك خدمة جديدة لمن يختارون المخاطرة، التي وجدت أيضاً في الأوقات الصعبة، وهي النقل إلى البيت بالدفع للعاملين. لا توجد انتقائية هنا، يتم تقديم الخدمة أيضاً لمن يقطعون ويعودون طوعاً ومن يحاولون الاجتياز ويعيدهم الجيش. كل هؤلاء ينتظرهم عدد من السائقين في الصباح الباكر على الحاجز المؤدي إلى قرية رنتيس في منطقة رام الله. أحدهم، سامي أبو سليم، قال إنه كان يعمل في “العاد”، حتى قبل إقامتها حتى اندلاع الحرب.
والآن يحاول كسب الرزق من النقل. “أمس، كنت هنا من الساعة السابعة صباحاً وحتى الحادية عشرة ليلاً. في النهاية، نقلت شخصاً إلى حوارة”، قال. “عبأت بنزين بمئة شيكل، ودفع لي هذا الشخص 120 شيكلاً”. صديقه علاء قال إنه كان يملك مطعماً في الميدان وراء الحاجز قبل الحرب. وكان المستوطنون يأتون إليه أيضاً”، قال. “منذ 7 أكتوبر أغلقت المطعم وتراكمت الديون علي. هذا أعادنا عشرين سنة إلى الوراء”.

المصدر: هاجر شيزاف/ “هآرتس” العبرية
المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى