مقالات

هجرة الأساتذة من إيران.. نزيف العقول يهدد مستقبل الدولة العلمي!

كتب علي رضا/ إيران

خاص “المدارنت”..
تشهد إيران في السنوات الأخيرة واحدة من أخطر الأزمات البنيوية في تاريخها الحديث، تمثّلت في موجة غير مسبوقة من هجرة الأساتذة الجامعيين والباحثين، حتى بات النزيف الأكاديمي أزمة وطنية حقيقية تتجاوز حدود الاقتصاد لتطال جوهر الدولة ومستقبلها العلمي والثقافي.
لم تعد هذه الظاهرة مجرّد حركة طبيعية للكفاءات الباحثة عن فرص أفضل، بل تحوّلت إلى انهيار هيكلي في منظومة التعليم العالي، تعجز حتى وسائل الإعلام الرسمية المقرّبة من السلطة عن التعتيم عليه. فقد نقل موقع «عصر إيران» في 14 نوفمبر عن غلام رضا ظريفيان، نائب وزير العلوم الأسبق، اعترافه بأن «نظام التعليم العالي وأساليب إدارته لم تعد قابلة للاستمرار بالمنهجيات السابقة»، في تصريح يعكس حجم المأزق أكثر مما يفسّره.

أرقام صادمة وواقع متسارع
وفقاً للبيانات الرسمية، غادر أكثر من 12 ألف أستاذ جامعي إيران خلال العقد الأخير، بينما وقعت 60 في المئة من هذه الهجرة خلال السنوات الأربع الماضية فقط، ما يؤشر إلى تسارع خطير في وتيرة الانهيار.

الأسباب بوضوح
انهيار اقتصادي، تراجع قيمة العملة، تضخم يفوق القدرة المعيشية، وتفاوت صارخ في الأجور. ففي حين يتقاضى أستاذ جامعي في تركيا أو الإمارات ما بين 4000 و7000 دولار شهرياً، لا يتجاوز راتب نظيره الإيراني 500 دولار، وهو فارق لا يعكس فقط أزمة مالية، بل سياسة ممنهجة لتجويع النخبة العلمية وترويضها.
هذا الواقع أجبر آلاف الأكاديميين على العمل في وظائف جانبية، ما حدّ من قدرتهم على البحث والإبداع، وحوّل الجامعات إلى مؤسسات شكلية، تُنتج شهادات أكثر مما تصنع معرفة.

جامعة تحت المراقبة!
لم يكن القمع السياسي أقلّ وطأة من الضائقة المالية. فالجامعات الإيرانية تحوّلت إلى فضاءات مراقبة أمنية، حيث تُواجه الاحتجاجات الطلابية بالعنف، ويُستدعى الأساتذة للتحقيق بسبب آرائهم، بل تُفرض عليهم عقوبات إدارية أو الفصل القسري بذريعة «المخالفة الأيديولوجية».
النتيجة كانت نزوحاً متزايداً للكفاءات، خاصة في مجالات الهندسة والتقنيات الحيوية التي تُعدّ العمود الفقري لأي نهضة صناعية أو اقتصادية. وبين عامي 2016 و2020 وحدهما، غادر أكثر من 1500 متخصص تقني إيران، ما أدى إلى إفراغ المؤسسات العلمية من خبراتها الأساسية.

عزل علمي وخسائر فادحة
إلى جانب القمع، أسهمت الرقابة الصارمة ومنع التعاون البحثي الدولي في عزل إيران عن المشهد العلمي العالمي. وبحلول عام 2019، بلغت قيمة الخسائر الاقتصادية الناتجة عن هجرة الكفاءات نحو 50 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق بكثير ما تخصصه الدولة للبحث العلمي.
ومع مغادرة الأساتذة، يتجه الطلاب بدورهم إلى الخارج. إذ تشير تقديرات جامعية غربية إلى أن أكثر من 100 ألف طالب إيراني يفضلون مواصلة دراستهم خارج البلاد، فيما يُتوقّع أن يصل العدد إلى 120 ألفاً خلال السنوات المقبلة.

أزمة تتجاوز الداخل
هذه الأزمة لم تعد شأناً إيرانياً محضاً، بل باتت محور نقاش في الأوساط الأكاديمية والحقوقية الدولية. وفي مؤتمر عقده إيرانيون في واشنطن يوم 15 نوفمبر الجاري، أثيرت قضية تراجع التعليم وهجرة النخب العلمية بوصفها واحدة من أخطر نتائج السياسات القمعية التي عطّلت تطور المجتمع وأضعفت قدرته على التجدد.

دولة تخشى العقل الحر
ما يجري في إيران، ليس إخفاقاً إدارياً عابراً، بل انعكاس لمنظومة ترى في العقل الحر تهديداً، وفي الاستقلال الأكاديمي خطراً. فكل أستاذ يغادر هو شهادة حيّة على نظام يعاقب الفكر ويكافئ الطاعة، ويحوّل الجامعات من منارات للعلم إلى قلاع أيديولوجية مغلقة.
ومع غياب إصلاح حقيقي وضمانات للحريات الأكاديمية، تبدو عودة الكفاءات أمراً بالغ الصعوبة. فالعلم لا يزدهر تحت الخوف، ولا يمكن للعقول أن تعود إلى بيئة تُجرِّم التفكير وتضيّق على الإبداع.
إن هجرة العقول في إيران ليست رقماً إحصائياً فحسب، بل خسارة استراتيجية، وتحذير صارخ من مستقبل تُفرغ فيه الدولة من نخبتها، وتفقد قدرتها على النهوض، بينما يظلّ العقل الحر يبحث عن فضاء بديل يمنحه الكرامة والحرية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى