هرتزوغ يكتب عنوان العلاقات الصهيونية/ التركية

كتبت آسيا العتروس/ تونس
“المدارنت”..
أول الرسائل التي سيتعين تأكيدها بعد زيارة الرئيس الاسرائيلي (كيان العدو الصهيوني المحتل) إسحاق هرتزوغ الى تركيا، وهوانه، لا وجود لصديق دائم او عدو دائم، وأن لعبة المصالح حتى وان كان ذلك مع الشيطان، هي التي تقود العلاقات بين اللاعبين الكبارو المؤثرين في المشهد الاقليمي والدولي، وهذا اول قدم دروس الديبلوماسية
في العالم والتي للاسف وحدهم العرب لم يفهموا أبعادها, واما الرسالة الثانية، فهي بالتاكيد ضرورة استفاقة الفلسطينيين والخروج من دائرة الجمود الرسمي، وانتظار الاشقاء المسلمين قبل العرب للدفاع عن القضية الفلسطينية التي لن تستعيد موقعها ومكانتها، الا بعودة ابنائها بمختلف الفصائل الفلسطينية الى الوعي المفقود، والتعجيل باعادة ترميم ما بقي من البيت فقد بات واضحا ان خطاب الالتزام بشرعية وثوابت القضية الفلطينية، والحق الفلسطيني لم يخرج عن اطار الخطاب الخشبي العاطفي الذي لا يغير من الواقع شيئا، وهو خطاب متداول في الغرب والشرق، يمكن اختزاله في ان للفلسطينيين البيانات والشعارات ولاسرائيل كل الدعم والامدادات… والرسالة الثالثة، هي حتما مرتبطة بالتقاط كل من تل ابيب وانقرة، للحظة لاعادة التموقع في المنطقة، واستباق ما ستؤول اليه نتائج الحرب في اوكرانيا، بالنظر الى العلاقة المتينة التي تربط كل من اسرائيل وتركيا، بروسيا من جانب، وأوكرانيا من جانب آخر…
تل ابيب و أنقرة و الحرب بين موسكو كييف
وفي العودة الى زيارة هرتزوغ الرئيس الاسرائيلي (الصهيوني) الى انقرة، وهي الاولى من نوعها لمسؤول اسرائيلي (صهيوني) منذ 2008، فقد كان من الطبيعي ان تكون على هذه الدرجة من الحفاوة المفرطة في التوجه نحو اعادة التطبيع للعلاقات بين البلدين، ومعلوم ان العلاقات بين تركيا الكمالية واسرائيل، ليست وليدة اليوم، وهي تعود الى 1949، وكانت تركيا اول بلد اسلامي يقبل بالتطبيع بعد اعلان تاسيس الكيان الاسرائيلي (الصهيوني) في 1948، على خلفية قرار التقسيم 181، وهي علاقات رغم انها لم تكتسب الزخم الشعبي التي تطمح له تل ابيب، فانها تتميز ومنذ البداية بقوة ومتانة العلاقات الاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية السياحية، وسجلت في 2020 حجم المبادلات بينهما 5.078 بليون دولار..
وبالنظر الى ما سبق فان الحفاوة المفرطة التي رافقت زيارة الرئيس الاسرائيلي الى تركيا، والتي اعتبرت غير مسبوقة، تبقى مؤشر على ما يتطلع اليه الطرفان من وراء هذا الحدث, لقد حظي هرتزوغ في زيارته الى تركيا والتي استمرت ليومين، بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، باستقبال ربما اراد من خلاله اردوغان ان يبهر ضيفه ويذكره بأمجاد الامبراطوية العثمانية، قبل توقيع اتفاقية انهيارها بعد ان تحولت الى رجل مريض، وقد سبقت الزيارة دعاية اعلامية واسعة، ربما استباقا لاي احتجاجات من جانب المعارضة التركية، لزائر غير تقليدي حتى، وان كان رئيسا شرفيًا بلا صلاحيات، فهو يبقى رئيس الكيان الاسرائيلي المحتل الذي ترتبط دولته باسوأ وابشع جرائم الاحتلال والاستيطان في العصر الحديث.
ولا شك ان الاحتفالات التي اريد لها ان تكون من الوزن الثقيل حيث استقبل هرتزوغ بالخيالة، وطاف العلم الاسرائيلي عاليا في ارجاء العاصمة انقرة، التي فرشت لضيفها السجاد الازرق تبركًا بهذه الزيارة التي ظهر فيها اردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية، ورافع شعار الدفاع عن القضية الفلسطينية، ورفض الجرائم الاسرائيلية الى جانب ضيفه في توقيت من شأنه ان يفترض اكثر من قراءة واكثر من سيناريو، في ظل التحولات المتسارعة في منطقة الشرق الاوسط التي تسير على رمال متحركة، ولكن ايضا في ظل تداعيات الحرب الروسية/ الاوكرانية، و ما ستؤول اليه نتائجها على اسواق الطاقة والقمح و السلاح و التحالفات.
بل ان الرئيس التركي، وهو الذي كان الى وقت قريب في نظر الجماعات الاسلامية الرئيس الرمز والمدافع عن الاسلام والمسلمين، جازف هذه المرة بإقحام زوجته أمينة أردوغان في المشهد، فظهرت جنبًا الى جنب مع عقيلة الرئيس الاسرائيلي (الصهيوني)، وهي تقودها في جولة استطلاعية في بلادها وتقدم لها هدية رمزية نادرة..
طبعا، لم تغب القضية الفلسطينية عن اللقاء، وكان حضور اقرب الى طرد اللوم ليس الا, قد استذكر اردوغان حلّ الدولتين، الذي تحوّل اليوم الى بيان خشبي مألوف لدى كل من اختار نهج التطبيع والسير على خطى اتفاقية ابراهام, وغابت بالتالي، تلك الصورة لاردوغان في مؤتمر دافوس في 2010، عندما رفض مصافحة رئيس الوزراء الاسرائيلي شيمون بيريز الذي اتهمه بقاتل الاطفال، كل ذلك تحت انظار الامين العام الاسبق للجامعة العربية عمرو موسى الذي بقي مدهوشا…
صحيح ان العلاقات بين انقرة وتل ابيب، عرفت اهتزازات كثيرة، وبلغت حدّ سحب السفراء بين البلدين على خلفية العدوان الاسرائيلي على غزة ثم على خلفية قصف سفينة مرمرة التركية التي قتل خلالها اثني عشررمن نشطاء المجتمع المدني، الذين كانوا يتجهون الى رفع احصار عن غزة, وصحيح ان خطاب اردوغان كان قويا في الاتزام بالقضية الفلسطينية وفي استقبال قيادات حماس، ولكن صحيح ايضا أن العلاقات لم تتوقف بين الجانبين والتعاون العسكري والاستخباراتي والاقتصادي ظل قائما ..

الواضح أن اردوغان، الذي سيكون مقبلًا على انتخابات رئاسية وتشريعية في جوان 2023، يتجه الى استباق المراحل، واعادة تنظيم علاقات تركيا الخارجية على اكثر من جبهة، وقد بدأ منذ فترة يتخلى عن الخطاب العدائي مع السعودية على خلفية جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في اأنقرة, ويسعى الى التخلي عن موقفه من الرئيس (المصري عبد الفتاح) السيسي، والدفع الى عودة العلاقات مع مصر الى ما كانت عليه، وقد بدأ يدفع باتجاه رفع الجمود عن علاقات بلاده مع دول الخليج، واحياء العلاقات مع الامارات على ان يدفع ذلك الى تحسين العلاقات مع السعودية..
المصالح أولاً و أخيراً..
ومع دخول الحرب الروسية في اكرانيا منعرجا خطيرا، دخلت كل من تركيا واسرائيل بقوة على خط الوساطة بين كييف وموسكو، لا سيما مع تفاقم المخاوف من تداعيات الحرب الاقتصادية، والبحث عن امدادات جديدة للغاز كبديل للغاز الروسي، لا سيما بعد ابعاد تركيا من اتفاقية غاز شرق المتوسط التي تجمع كل من اسرائيل ومصر واليونان وقبرص.. ولعل هذا ايضا ما يفسر زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الى اسطنبول، تعزيزا لجهود التقارب بين الدولتين الجارتين العضوين في حلف شمال الأطلسي في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا.
وشهدت العلاقة الخلافية بين أثينا وأنقرة، في السنوات الماضية أزمة جديدة على ارتباط بترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، وتصاعد التوتر في صيف 2020 عند محاولة تركيا القيام بأعمال تنقيب عن النفط والغاز في المياه المتنازع عليها، غير أن استئناف المفاوضات الثنائية عام 2021 سمح بانفراج نسبي في العلاقات.
– القمة اليونانية التركية على خلفية الحرب في أوكرانيا، لكنّه سيتم تقييمها في سياق الحوار اليوناني التركي الذي بدأ بعد خفض التصعيد في أزمة صيف 2020. وبين زيارة الرئيس الاسرائيلي وزيارة رئيس الوزراء اليوناني، تبقى لعبة المصالح وقنوات ومسالك توزيع الطاقة عنوان الحقبة الجديدة التي بشر بها اردوغان، ويذهب بعض المراقبين الى ان أردوغان يريد أن يحصل من على اعتراف إسرائيلي برغبته في أن يحوّل تركيا إلى معبر لغاز شرق المتوسط نحو أوروبا، وهو امر اذا ما تحصل عليه لن يكون مجانيا، وهو ما يفترض منه بدوره تنازلات لفائدة اسرائيل التي تعودت الا تقدم هدايا او تمنح شيئا لاي كان. حتى وان كان الرئيس التركي..
يعول اردوغان على ان تكون زيارة هرتسوغ بداية حقبة جديدة.. وهو يدرك جيدا ان الاستثمار في الازمة الراهنة مي الازمة في اوكرانيا، قد تسمح له باعادة التموقع في الحلف الاطلسي, اذ من غير المتوقع ان يقبل اردوغان باحتمال اقدام الاتحاد الاوروبي، على منح اوكرانيا عضوية في الاتحاد الاوروبي على حساب تركيا، التي تنتظر منذ عقود، وهو يدرك جيدا ان الاتحاد الاوروبي، لا يمكن ان يقدم على هذه الخطوة في هذه المرحلة..
هدية تاريخية
من بوادر حسن نوايا اردوغان، انه لم يشأ توديع ضيفه الاسرائيلي (الصهيوني) من دون ان يمنحه هدية اثرية قيمة، كشفت عنها مواقع عبرية، تتمثل في تسليم هرتسوغ قطعة اثرية تعرف بنقش سلوان، يعتقد انها موجودة بمتحف الآثار في إسطنبول.. وسائل الاعلام العبرية المرافقة لهرتسوغ في زيارته، والتي كشفت النقاب عن الهدية التاريخية اكدت انها تمثل قيمة دينية بالنسبة لهم، وربما تكون شمعدانًا قديمًا من فترة الحكم العثماني…
اهمية التحفة الفنية التي تسمى “حزقيا” ملك يهوذا في حوالي 702 قبل الميلاد، أهم نقش تاريخي من العصور التوراتية، حاولت وزارة الثقافة الاسرائيلية الحصول عليه في السابق وفشلت.. ويعتبر عديد الملاحظين الفلسطينيين، انه اذا صحت الانباء بشأن هذه القطعة الاثرية، فان في ذلك ما يمكن ان يكون له دلالاته بشأن تحول جذري في مواقف تركيا من القضية الفلسطينية، وتحديدا من قضية القدس… بما يعني انها قد تكون خطوة تركية تدعم تهويد القدس المحتلة… فالى اين يمكن ان يذهب اردوغان في اعادة التطبيع مع اسرائيل؟! وأي مصير للاخوان المسلمين وحماس وللاطراف التي راهنت على اردوغان الاسلامي في حل كل ازمات المسلمين؟!



