هل تَسقط مفاوضات إسلام آباد في «هوّة» لبنان؟

في تصريح قويّ نشره ليل الخميس/ الجمعة على موقع “إكس”، اعتبر وزير دفاع الباكستان، خواجة محمد آصف، أن إسرائيل “دولة سرطانية” وأنها “شر ولعنة على البشرية”، معتبرا أنه بينما تجري محادثات السلام في عاصمة بلاده، إسلام آباد، “تُرتكب إبادة جماعية في لبنان”، و”يقتل مواطنون أبرياء على يد إسرائيل. أولا في غزة ثم إيران والآن لبنان”.
رغم اضطراره لحذف ما قاله، فإن شخص القائل وكون بلاده ترعى المفاوضات بين أمريكا وإيران، وتوقيت التصريح، يكسب ما قيل أهمية شديدة، بدءا من اعتباره نشوء إسرائيل خطة غربية “للتخلص من اليهود الأوروبيين”، ووصولا إلى أن ارتكاب إبادة جماعية في لبنان فيه مسعى إسرائيلي واضح لتقويض جهود إسلام آباد لرعاية مفاوضات لإنهاء الحرب بين أمريكا وإيران.
لا يمكن فهم التغريدة المذكورة، إلا بملاحظة أن تلك المجزرة الكبرى التي نفّذها الجيش الإسرائيلي فجر الأربعاء الماضي في لبنان والقوة العسكرية الساحقة التي استخدمها (100 قنبلة خلال دقيقة واحدة كما تباهى الناطق باسم جيش الاحتلال)، نقلا قسريا للمفاوضات من إسلام آباد إلى لبنان الخاضع للهجوم، وصنعت بذلك هوة سوداء كبرى قادرة على ابتلاع طاولة المفاوضات.
وعلى الطريقة الهوجاء، التي تبع فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطط رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للحرب مع إيران، والتي رفض أن ينجرّ إليها كل رؤساء أمريكا السابقين (كما قال وزير الخارجية السابق جون كيري أمس)، أطلق ترامب تصريحا أهوج عن أن اتفاق وقف إطلاق النار لا ينطبق على لبنان، من دون إدراك أنه يقوّض بذلك المفاوضات المزمع عقدها من قبل أن تُعقد أصلا.
مع هذا الإدراك المتأخر (دائما) حاولت الولايات المتحدة بعدها احتواء التصعيد الإسرائيلي خشية انعكاسه على المحادثات وطلب ترامب من نتنياهو “تخفيف حدة الهجمات” التي هددت الهدنة الهشة ثم أعلنت إسرائيل، بعدها، استعدادها لبدء “مفاوضات مباشرة” مع لبنان لكن الهجمات لم تتوقف في مسعى جديد لاستخدام تكتيك المفاوضات تحت النار، وهو ما قابله المسؤولون اللبنانيون بالتشديد على أولوية وقف الغارات. بدلا من “خفض حدة الهجمات” وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها بل وأعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن جيشه يخطط للسيطرة على نهر الليطاني.
أدى الضغط الإسرائيلي الهائل إلى زيادة التصدّعات في “النظام اللبناني” الذي دخل في مأزق كبير، فترك شأن التفاوض مع إسرائيل لطهران (التي أغلقت مضيق هرمز حتى وقف إسرائيل النار ضد “حزب الله”) يعني التخلّي عن سيادة الدولة اللبنانية في شأن الحرب والسلام، وتسليم قرار “حزب الله” (ومن ورائه الطائفة الشيعية) إلى إيران، في حين أن التفاوض مع إسرائيل، من دون قوة فعلية تسند هذه المفاوضات (باستثناء الشرعية الدولية التي قوّضت أمريكا وإسرائيل أركانها) يجعل هذه الدولة في موقف ضعيف للتفاوض. أسهمت إدارة “حزب الله” للأزمة أيضا، عبر استهداف رئيس الحكومة نواف سلام، في احتدام الأجواء الطائفية، وزادت الاحتقان الداخلي والإقليمي وجعلت البلاد رهنا لتموّجات المصالح الإقليمية والدولية.
رأي “القدس العربي” اليوم



