عربي ودولي

هل كان يمكن إنقاذ المرشد الإيراني بوقف التخصيب؟

المرشد الإيراني مجتبى خامنئي

“المدارنت”
تحولت تصريحات محمد جعفر قائم‌ بناه، نائب الرئيس التنفيذي للرئيس الإيراني، بشأن العلاقة بين استمرار تخصيب اليورانيوم، وتكاليف الحرب، والحفاظ على حياة المرشد الأعلى لإيران (مجتبى خامنئي)، إلى واحدة من أكثر التصريحات السياسية إثارة للجدل في إيران خلال الأيام الأخيرة؛ وهي تصريحات واجهت انتقادات شديدة من التيارات الأصولية وعدد من الشخصيات السياسية، فيما دافعت عنها قطاعات من الإصلاحيين ومنتقدي السياسات التصادمية، باعتبارها تطرح سؤالاً حول تكاليف الحرب وضرورة اتخاذ القرارات على أساس مصالح البلاد.

وقال قائم‌ بناه، خلال كلمة ألقاها في اجتماع لكبار المديرين في مقر محافظة جيلان بمدينة رشت، شمالي إيران: “لو كنت مكانه وكنت أعلم أن أمريكا ستغتال قائدنا، لتخلّيت عن تخصيب اليورانيوم. لماذا تضرب صناعاتنا وطرقنا؟ لماذا ينبغي أن تضرب مصافينا ومنشآت الكهرباء لدينا؟ إن ضرب الكهرباء والمصافي يعني زيادة البطالة لدينا”. وأضاف: “ليس من المفترض أن نستشهد جميعاً، بل من المفترض أن تبقى إيران”.

وتابع قائلاً: “العقلانية تقتضي، والحكمة وإعمال العقل يعنيان، ألا ندفع تكلفة كبيرة لتحقيق هدف يمكن الوصول إليه بأقل تكلفة. وهل هناك تكلفة أعلى من استشهاد سماحة المرشد الأعلى؟”. وسرعان ما حظيت هذه التصريحات بتغطية واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام الإيرانية.

تخصيب “اليورانيوم”
لطالما كان تخصيب اليورانيوم في إيران، أحد الموضوعات الرئيسية والمحورية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. وفي عهد إدارة باراك أوباما، جرى قبول مبدأ قيام إيران بالتخصيب، لكن تم الاتفاق على إبقائه عند نسبة منخفضة تبلغ 3.6%، وعلى هذا الأساس نشأ الاتفاق النووي لعام 2015، وهو الاتفاق الذي انسحب منه دونالد ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، ما أدى إلى انهياره.

كذلك، خلال المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة قبل الحربين اللتين استمرت الأولى منهما 12 يوماً، من 13 إلى 24 حزيران/يونيو 2025، والثانية 40 يوماً، من 28 شباط /فبراير إلى 8 نيسان/أبريل 2026، كان تخصيب اليورانيوم الإيراني دائماً أحد الموضوعات الأساسية.

وكان الأمريكيون يصرون على وقف التخصيب عند مستوى الصفر، في حين كانت إيران تعتبر مبدأ القيام بالتخصيب خطاً أحمر غير قابل للتراجع، لكنها كانت مستعدة لتقديم تنازلات بشأن نسبة التخصيب وحجم المخزونات، بل وحتى لتعليق التخصيب لعدة سنوات.

ولم تتمكن إيران والولايات المتحدة، في المفاوضات التي سبقت الحربين، من التوصل إلى اتفاق بشأن عدد من القضايا، من بينها تخصيب اليورانيوم. وكان عدم التوصل إلى اتفاق بشأن التخصيب يُعد أحد الأسباب الرئيسية لفشل المفاوضات.

وفي اليوم الأول من الحرب التي استمرت 40 يوماً بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تعرض وسط طهران للقصف، وقُتل علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية، إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين. وقبل ذلك، وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، استُهدفت منشآت التخصيب الإيرانية جراء الهجمات المشتركة الإسرائيلية والأمريكية على ثلاثة مواقع نووية في أصفهان ونطنز وفوردو، ومنذ ذلك الحين توقف تخصيب اليورانيوم في إيران.

“التخصيب ليس مجرد نشاط نووي”
يرى منتقدو قائم بناه، في غالبيتهم، أن القضية لا تتعلق فقط بـ”التخصيب”، وإنما تتعلق أيضاً بكيفية تعامل إيران مع الضغوط الخارجية والحفاظ على استقلالية القرار في البلاد. ويقول المعارضون إن تصريحاته ليست مجرد نقاش فني بشأن البرنامج النووي، بل قد تنقل رسالة مفادها أن إيران مستعدة، في مواجهة التهديد العسكري، للتخلي عن أحد عناصر قوتها.

وكان محمد سعيد أحديان، المساعد السياسي والإعلامي لرئيس البرلمان، من أوائل المنتقدين. وحذّر من ضرورة الحذر من “الخطأ في الحسابات”، وقال إن الولايات المتحدة لن تتوقف عن إجراءاتها ما لم تُجبر على ذلك.

وحسب أحديان، فإن تعليق التخصيب أو تقديم تنازلات أخرى لا يؤدي بالضرورة إلى وقف الإجراءات الأمريكية. وفي نهاية المطاف، اعتبر تصريحات قائم‌ بناه “خطأً في الحسابات” من شأنه الإضرار بوحدة البلاد وتماسكها. كما قال العميد يدالله جواني، نائب القائد السياسي للحرس الثوري، في رده على التصريحات، إن الذين يعتقدون أن الحرب لم تكن لتندلع لو أوقفت إيران تخصيب اليورانيوم، إما أنهم لم يقرؤوا التاريخ بشكل صحيح أو ليست لديهم قراءة تحليلية سليمة. ويتمحور استدلاله حول أن القوة الوطنية والردع لا يمكن الحفاظ عليهما بمجرد التخلي عن أحد عناصر البرنامج النووي.

كما هاجمت صحيفة كيهان، اليمينية المتشددة، قائم بناه بشدة، ووصفت تصريحاته بأنها تجسيد لـ”منطق تركمانجاي”، وطالبت الرئيس باتخاذ موقف من هذه التصريحات.

و”ترکمانجاي”، هو اسم المعاهدة التي وُقعت بين إيران وروسيا، بعد هزيمة إيران في الحرب مع روسيا عام 1828، وبموجبها تنازلت إيران عن مساحات واسعة من أراضيها في شمال غرب البلاد لروسيا. وكانت معاهدة تركمانچاي أحادية الجانب لمصلحة روسيا، ولذلك أصبحت في الأدبيات والثقافة الإيرانية رمزاً يُستخدم للإشارة إلى الاتفاقيات المجحفة والأحادية الجانب.

وكتبت صحيفة كيهان أيضاً: “هذه التصريحات تؤصّل منطق “دفع الجزية” وتقدمه على أنه “مصلحة” و”عزة”، وفي المقابل تصوّر “المقاومة” على أنها “هزيمة”.

وأضافت كيهان: “شهية نظام الهيمنة، ولا سيما أمريكا، أوسع من أن تلبيها تنازلات مسؤولين أمثال قائم‌ بناه؛ لكن سياسة “نعطيه ما يريد ليرحل” ومنطق تركمانچاي هما الرد الدائم والثابت لهذا التيار السياسي على أطماع الغرب؛ وهو رد لا يوقف جرائم العدو، بل يؤجلها”.

وفي بعض وسائل الإعلام والتعليقات السياسية، طُرح حتى موضوع إقالة قائم‌ پناه. كما اعتبر ميثم ظهوريان، النائب المحافظ عن مدينة مشهد، أن هذه التصريحات دليل على وجود تيار داخل الحكومة، على حد تعبيره، “يقف علناً في مواجهة القيادة”.

أما حميد رسائي، النائب الأصولي، فكتب مخاطباً نائب الرئيس التنفيذي: “إن استشهاد قائد الثورة لم يكن نتيجة التخصيب حتى نقول إن التخصيب كان في حد ذاته إجراءً رادعاً. لا تعطوا عنواناً خاطئاً. إن استشهاد القائد الشهيد كان نتيجة إظهاركم العجز والضعف مراراً، والثقة بوعود العدو الكاذبة. وكان نتيجة الثغرات الأمنية لدى أولئك الذين علّقوا آمالهم على مفاوضاتكم. لا تلقّنوا الناس ترهاتكم الجاهلة تحت غطاء تصريحات تبدو فكرية ومتعاطفة”.

كما قال عبدالله كنجي، الناشط الإعلامي الأصولي، إن القضية الأساسية ليست مجرد امتلاك الطاقة النووية من عدمه، بل تتمثل في السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة، من خلال ممارسة الضغوط، على تحديد ما ينبغي لإيران أن تمتلكه وما لا ينبغي أن تمتلكه. ومن هذا المنظور، فإن قبول وقف التخصيب من أجل خفض التكاليف قد يُنظر إليه باعتباره قبولاً بمبدأ الخضوع للضغط الخارجي.

الحكومة لم تنفِ تصريحات قائم بناه
في المقابل، صاغت حكومة مسعود بزشكيان ردها بطريقة لا تبتعد فيها بشكل كامل عن قائم بناه، وفي الوقت نفسه لا تسمح باعتبار تصريحاته قراراً رسمياً للحكومة بشأن البرنامج النووي.

فالحكومة لم تقل إن قائم بناه لم يدلِ بهذه التصريحات، أو إن ما قاله غير صحيح. وفي الوقت نفسه، لم تعلن أن وقف التخصيب هو السياسة الرسمية للحكومة.

وقالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، إن الحكومة تعتبر “فقدان القيادة الشهيدة أثقل تكلفة للحرب”، ومن هذا المنطلق وصفت تأكيد قائم‌ بناه بأنه كلام واضح ومفهوم. وفي الوقت نفسه، دعت إلى تجنب القراءات الجانبية والتركيز على الوحدة والتماسك الوطني.

كما دافع عباس رضائي ثمرين، المدير العام لمكتب رئاسة نائب الرئيس التنفيذي، عن قائم بناه، وطالب منتقديه بالإنصاف في انتقاده. وقال إنه يمكن مطالبة قائم بناه بتقديم توضيحات بشأن تصريحاته، بل يمكن أيضاً انتقاده بشدة، لكن لا ينبغي اللجوء إلى السخرية والإهانات.

إيران وافقت سابقاً على تعليق التخصيب
سبق لإيران أن وافقت، في فترات معينة، على تعليق الأنشطة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم. وأبرز مثال على ذلك يعود إلى عام 2003، وإلى اتفاق سعد آباد، عندما كان محمد خاتمي الإصلاحي رئیس الجمهوریة وحسن روحاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي والمسؤول عن الملف النووي الإيراني.

وفي خريف عام 2003، وافقت إيران خلال مفاوضاتها مع الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، على تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم طوعاً، وعلى تعزيز تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وكان الهدف الرئيسي من هذه الخطوة بناء الثقة والحيلولة دون تصعيد الأزمة النووية.

وقال أكبر هاشمي رفسنجاني بعد سنوات، في حديثه عن تلك الفترة، إنه بسبب تصاعد التهديدات، قررت إيران تعليق الأنشطة المتعلقة بالتخصيب بصورة طوعية ومواصلة الأبحاث.

وأضاف أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية كان قد وافق على الوثيقة النهائية لاتفاق سعد آباد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى