وَرَثَــة عـبــد الـنــاصــر.. و تـبــديــد الـثــروة..

خاص “المدارنت”..
غابَ جمال عبد الناصر عن عالم البشَر تاركًا ارثًا هائلًا من الإنجازات والمؤسَّسات والعلاقات والروابط و المريدين في كلّ أصقاع الأرض – ناهيك عن مئات الملايين من العرب والمسلمين وشعوب العالم الثالث والأحرار و الثوّار والمناضلين الذين أحَبّوهُ واعتبروهُ القدوَةَ الصالحة في القيادة والريادة و الانحياز الى طبقات الشعب الفقيرة و الكادحة.
ذهب الرجل فاستمَرَّ المشروع يتيمًا هائمًا على وجهِهِ، يُفَتِّشُ عن قائد يقود سفينتَهُ في ذلك البحر الهائجِ المتلاطِمِ الامواج، المليءِ بكلِّ أحجام وأشكال الطامحين والطامعين الى الاستيلاءِ على السفينة و محتوياتِها و وُجهَةِ سيرها و موانئِ رُسُوِّها، لإفراغ كلِّ ما ذَخِرَت به في 20 سنة من النضال والتضحيات والانجازات والآمال.
كان هؤلاء كثُرًا، لكن – كما تبيّن لاحقنا – كغثاء السيل. حكّامٌ كان همُّهُم من يرِثُ الزعامة لقائد ملأ الدنيا وشغَلَ الناس في حياته و مماته – دون ان يُفَكِّرَ احدٌ منهم بقدراتِهِ على سدِّ ذلك الفراغ الهائل، او في كيفيّة مواجهةِ التحَدِّياتِ القائمة في ذلك الوقت.
نشأ الصراع على الميراث، في كلِّ زاويةٍ من زوايا الحكم، بدلًا من التفكير في كيفية البناء على الطريق الذي اختطّهُ جمال عبد الناصر، في العمل القوميّ والإسلاميّ والعالميّ وفي التنمية الشاملة والسعيِ للوحدة وتحرير فلسطين.
فشل الجميع في مقاربة الحدود الدنيا من التفاهم على نهجٍ يُبقيهِم، وقضاياهُم، على مسرح الأحداث في العالم لِيَتحوَّلوا – هم و كياناتُهُم – الى مسالخ لاذلال مواطنيهِم، وذبحِهِم، وتخريب بلادهم و تشريد شعوبهم.
هذا، باختصار، ما فعله الحكّام الذين ادّعوا القوامَةَ على المشروع القوميّ العربيّ، وقضايا الشعوب العربية، من تنمية وتحرير و وحدة و نهوض.
أمّا من زعموا لأنفسهم حملَ المشروع الناصريّ، تحديدًا، فلم يكن منهم الّا أن جابوا البلاد بطولها وعرضها، رافعين صورة الزعيم وكتبَهُ وخطاباتِهِ وشعاراتِهِ، يُلهِبون بها حماسَ الجماهيرِ، التي عشِقَت الرجل، لمزاياهُ في الصدق والنزاهة والانحياز للفقراء والمظلومين والطبقات الكادحة، ودعمه لكل حركات التحريري والاستقلال والانعتاق من التبعِيّة والارتِهان وذُلِّ السؤال.
تلك الجماعات التي اطلقت على أنفُسِها أسماء وشعارات ناصريه، تحوّلت سريعًا الى جماعات وتشكيلات وتنظيمات وأحزاب، غطّت الساحات الشعبية في كل البلدان العربية، وفي كلّ المغترَبات التي لجأ اليها العرب، بحثًا عن حياة أفضل، او هربًا من قهرٍ وظُلمٍ وملاحقات.
هل كانت تلك الكيانات فعلًا، في مستوى مرحلةٍ من أهمِّ و ادقِّ مراحل النضال العربيّ، في محاولة تكوين الأرضية القادرة على تأسيس الدعائم لِبُنيانٍ، يحمي آمالَ العرب في النهوض والوحدة واللحاق بركب الحضارة والتقدُّم والتطوُّر؟!
في المقالات التالية، سنتناول تعاطي الحكام في الدول العربية الفاعلة، مع مشروع الأمّة وفلسطين، قبل ان ننتقل الى نقد الحركات الناصرية.



