مقالات

يا ليتها كانت القاضية..

الشيخ د. حسان محيي الدين*/ لبنان

خاص “المدارنت”..

غريبٌ، أمر الساسة في لبنان، وكأنهم في مجتمع مغاير للمجتمع الأليم اللئيم المُلّم بالشارع اللبناني، والمُضرّ للشعب في حياته اليومية، التي اعتاد عليها على الرغم من كل الظروف التي مرّت على لبنان، وكل الحروب والويلات التي أرهقته، وحرقت فيه الأخضر واليابس.

وكأننا، بل قُدِّر لنا أن نُحكَم بأمراء الحرب الأهلية طيلة سنين، أصبحنا نترحم في هذه الأيام العجاف، على أيام الحرب الكِفاف.

ألم يكتفِ أهل السلطة من حظوظهم في الحكم؟

ألم يشبعوا من حصصهم التي أتخمت بطونهم فعطّلت عقولهم؟

ألم يتحرك في قلوبهم وجدان أو ضمير؟

ألم يئِن لهم أن يتنازلوا قليلاً عن عروشهم لشعوبهم، فينصتون لهم ولمطالبهم، ويقفون عند مشاعرهم وخواطرهم؟

عجيبٌ، يسمي الزعيم نفسه بمصطلحات ينسبها للشعب، رئيس الجمهورية، على سبيل المثال لا الحصر، أعلى منصب في الدولة، وهو رأس الجمهورية، والجمهورية هي ملك الجمهور الذي هو الشعب، ويلبث في فترة رئاسية لمدة ست سنوات على شعبه، ولا يستطيع فرد من هذا الشعب، أن يرى رئيسه، أو يصافحه أو يشكو له، أو يهنئه، والسبب، وجود الحواجز والحدود والابواب الموصدة، والكاميرات الراصدة، والمدرعات والمصفحات والجيش الجرار والحرس الكرار، كل ذلك، لمنع مواطن أعزل يريد مواجهة الرئيس لـ(يشوفو بالشخصي).

من غير المعقول أن يتغنّى الرئيس على الشاشات، بكلمات وكلمات، انه رئيس الشعب، حبيب الشعب، قريب من الشعب، وهو محاط بهالة من القداسة عند مقدّسيه، ودائرة من الحراسة عند فدائييه، وكذلك حال رئيس مجلس الشعب (البرلمان) ورئيس حكومة الشعب، المتسابقان لبناء الصروح والجدران العازلة، كفرعون وهامان وجنودهما، ليبعدوا الشعب، حبيبهما، عنهما وعن منصبيهما، وهما يتغنيان أنهما نتيجة اختيار الشعب وثقته ومبايعته.

تذكروا يا أهل السلطة الحاكمة، أنكم مفارقون ما تحبون، ستتخلون رغماً عنكم عن مناصبكم، كراسيكم، أموالكم، جاهكم، حتى أسمائكم، وستصيرون، إلى دار فناء أبدية، مجرّدين من كل شيء، من المنصب، من الحرس، من المال، من الاملاك، وربما غاب عنكم ما علّق أسلافكم على باب مدخل رئاسة الحكومة (لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك)، فبقيت ودامت اللوحة الحجرية وفَنِيَ من علّقها.

تذكروا يا أهل السلطة، أنكم ستُسألون، واعلموا جيداً، أنكم لا شيء أمام قارون وعاد وثمود، اقرأوا قول الله تعالى في سورة الحاقة “… يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ(27) مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)…”.

اعلموا أخيراً، أنكم مفارقون ما تملكون عاجلاً غير آجل، فاغتنموا الوقت وما تبّقى من حياتكم، وحاسبوا أنفسكم، فالوضع المعيشي في لبنان لم يعد يُطاق، وأنتم تتفرجون وتهرجون وكأن شيئاً لم يكن، تهربّون أموالكم وملياراتكم ودولاراتكم، وشعوبكم ترزح تحت وطأة الفقر والعوز والمرض والموت البطيء، كل ذلك، بسبب تعنّتكم وتمسككم بالسلطة، وسوء إدارتكم وأمانتكم، وخيانتكم للقسم الذي أقسمتموه، ولشعبكم الذي منحكم الثقة.

الثورة لم تنتهِ، خمدت نارها بسبب البرد والجليد الذي أحكم على الأجساد، إلا أن شعلة الثورة لم تنطفئ في النفوس، وفي القلوب، فالحذر، الحذر، من انفجار ثوري شعبي قريب إن لم تتداركوا الأمور.. إنها عبرة وعَبرة، فهل أنتم تسمعون وتبصرون؟

أم على قلوبٍ أقفالها!.

* أكاديمي وداعية إسلامي.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى