مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”13″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير  الراحل مصطفى حمّود.

2-5-أ-(3) تنظيم وترتيب أوضاع المجتمع في المدينة: “صحيفة المدينة” إضافة إلى اطمئنان الرسول إلى وحدة أهل الإسلام، وتماسكهم وتآزرهم وتعاونهم على إبعاد شبح الفقر من بينهم، سارع إلى تنظيم وترتيب أوضاع الناس وعلاقاتهم في المجتمع المتنوّع والمتعدّد في المدينة.فكتب في ذلك كتابًا عرف بـ “الوثيقة – المعاهدة”، أو “صحيفة المدينة” أو “دستور المدينة”(25) لقد جعله مرجعًا لجميع الناس على اختلاف مشاربهم وتباين معتقداتهم، وراعى فيه خصوصيات الطوائف والعشائر والقبائل، وشرط على الجميع التعاون على المفسد والمعتدي والظالم الآثم، والذود عن المدينة في حال الاعتداء عليها من الخارج، وقرّر أن يتحمّل كل فريق مشارك ومعاهد نصيبه في الحرب والسلم والنفقة، وأقرّ المساواة في الحقوق والواجبات وأنه لكلّ الحق في التديّن، وعلى كلّ احترام عقيدة أهل الإسلام. لقد شمل تنظيم العلاقات بين جميع الأطراف في المدينة، من مهاجرين وأنصار، ومسلمين ويهود ومشركين وثنيين وغيرهم. وأكّد على ضرورة الوفاء بالمعاهدات أو العهود بين الأطراف جميعًا. أما من يرتكب الإخلال بها فلا ذمّة له ولا ميثاق. لقد كان اليهود والمنافقون الأقل إخلاصًا وصدقًا ووفاء بالعهود عندما لم يستطيعوا اقتراف الشرّ والإساءة والأذى إزاء الرسول وأصحابه؛ لكنهم رضخوا للكتاب خوفًا على مصالحهم. وقد قبل الرسول منهم ما أظهروه من عدم الحرب والأذى والإعانة عليه وأنهم ينصرونه في حال دهمه عدوّ، وأقرهم على دينهم وممتلكاتهم وحقوقهم. ولعلّ أهم ما في الكتاب أنه جعل المرجعيّة في كل شيء إلى الله وإلى رسوله. وبذلك يصبح الرسول رئيسًا وقائدًا ومرجعًا للمجتمع المتنوّع في المدينة كلّه تدبيرًا وتصريفًا وإدارة. واللّافت للنظر أن الكتاب (الصحيفة) لم يعامل غير المسلمين كذميين في المجتمع.

وهكذا تمكّن الرسول من إزالة معظم المعيقات والعثرات ومثارات الاضطراب والفوضى والإرباك من أمام النهوض بأعباء الدعوة والسير بها قدمًا في المدينة ومنها إلى العالم.

2-5-أ-(4) قسمة غنائم بدر بالتساوي: إن الإجراءات والتدابير التي بادر إليها الرسول، من مصالحة الأوس والخزرج، إلى  المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، إلى “كتاب الرسول” الذي نظّم العلاقات كلّها ورتّبها بين جميع الأطراف في مجتمع المدينة، وقد أتاحت له التفرّغ لنشر الدعوة وتعليمها والإرشاد إليها، وللاهتمام بإعداد المسلمين وتعبئتهم للذّود عن أنفسهم وعن مجتمع المدينة، وللعمل على مناهضة قريش، والتصدّي لها، وكسر شوكتها…. حتى كانت السّنة الثانية للهجرة. وكانت غزوة بدر. وكان الانتصار الكبير المدوّي لأهل الإسلام على قريش. وكانت الغنائم من الوفرة والأهمية بمكان، ما جعل المهاجرين يرون فيها أنها تذهب بما هم فيه من ضيق، وتلغي الحاجة إلى نظام أو تشريع المؤاخاة. بيد أنها كانت موضوع تنازع بين المسلمين في غياب التشريع بشأنها. فما كان من الرسول إلاّ أن بادر مجتهدًا إلى تقسيمها بالتساوي بين الذين حضروا أو شاركوا في المعركة، متفاديًا بذلك تمادي النّزاع وما قد يجره من شرور تشقّ صف أهل الإسلام فتذهب ريحهم.

وهكذا خرج المسلمون من انتصارهم على قريش في بدر وقد ازدادوا قوّة ومنعة ومهابة، وأصبح لديهم ما يبنى عليه في المستقبل بفضل حسن تدبير الرسول وتصريفه اللذين صبغتهما مبادرته المحسوبة التي وظّفها أحسن توظيف في إدارة شؤون الأمة الناشئة الناهضة، وقيادة أمورها بحنكة وحكمة ودراية لم تعرف لغيره في ظروفه المشار إليها آنفًا.

2-5-ب- القرآن يشرّع الغنائم وينسخ التوارث بالمؤاخاة: في أعقاب غزوة بدر، نزلت سورة الأنفال (26) وفيها الكثير من التشريع. لقد بدأت بشأن التنازع في غنائم هذه الغزوة لتحسم الحكم فيها لله ورسوله، وتأمر المتنازعين فيها بأن يخافوا الله، وينزعوا من أنفسهم سبب النزاع بإصلاح ما انكسر بينهم بسبب الغنائم، ويعملوا بطاعة الله ورسوله، باعتبار هذا كلّه مما ينبغي على أهل الإيمان القيام به. فالآية الأولى من هذه السورة تجعل أمر التصرّف بالغنائم عائدًا عمليًا للرسول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وجاءت الآية 41 من السورة نفسها لتنظّم وتشرّع توزيع غنائم الحرب، فجعلت خمسها لله والرسول وأقربائه الذين حرموا ممن يعيلهم بفقدان الآباء، والمحتاجين الفقراء، ومن انقطعت به السبل إلى بلده وأمواله وهو مسافر، علمًا بأن التصرّف بهذا الخمس يكون عائدًا لتقدير وحكمة الرسول؛ أما الأخماس الأربعة المتبقية فهي من نصيب المجاهدين المحاربين المشاركين في القتال بشكل أو بآخر. هذا ما ينبغي لأهل الإيمان بالله وبما أنزله على النبيّ، وبيوم الفصل بين الحق والباطل، يوم التقى  المسلمون مشركي قريش في بدر. والله المقتدر لا يخرج عن قدرته شيء، طبقًا لما ورد في الآية المذكورة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة الأنفال: 41).  أما تشريع الفيء وهو الغنيمة التي يحصل عليها من دون حرب أو قتال أو تحريك وتسيير الخيول والركاب، فقد جاء في سورة  الحشر التي محورها الرئيس يدور حول الحديث عن “غزوة بني النضير”(27). ففي الآية 6 من هذه السورة، يتم الحديث عن الفيء كغنيمة للرسول حصل عليها من يهود بني النضير من دون تحريك الخيل وكل ما يركب إلى الغزو، أي من دون حرب أو قتال أو جهاد شاق؛ إنّما هي السلطة التي ينصر الله بها رسله على الأعداء، وهو ذو القدرة المطلقة، الذي لا يعجزه شيء مصداقًا لقول الله فيها: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وفي الآية السابعة من السورة نفسها، جعل الله الفيء للذين لهم الخمس، وجاء في تشريعه وظيفة أخرى أو هدف آخر هو ألاّ يكون المال حكرًا على الأغنياء يتبادلونه وهم لا يحتاجون إليه لوفرته لديهم، وألاّ يحرم منه الفقراء الذين يحتاجون إليه لندرته لديهم، إن لم يكن معدومًا؛ ولعلّ هذا يحسّن من وضع الفقراء ولا يضرّ الأغنياء. ومنعًا لكل التباس، فقد أمر الله المؤمنين أن يمتثلوا لأوامر الرسول ونواهيه، وأن يأخذوا ما يعطيهم إياه، ويمتنعوا عمّا يمنعهم عنه، وأن يخافوا الله في ما أمر ونهى؛ ذلك أن الذين يعصون أوامره سيلقون في الآخرة عقابًا شديدًا أليمًا، تبعًا لما جاء في الآية المعنية. ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أما في ما يتعلق بتشريع الجزية والزكاة، فقد جاء في سورة التوبة التي نزلت في السنة التاسعة للهجرة(28). فالجزية تعني “ما يؤخذ من أهل الذمّة… وهي عبارة عن المال الذي يعقد الكتابيّ عليه الذّمة… كأنها جزت عن قتله”(29)؛ وقد شرّعت في الآية 29 من هذه السورة حيث أمر الله أن يقاتل المسلمون الذين لا يعتقدون بوحدانية الخالق ولا بالقيامة، ولا يعملون بما حرّم الله والرسول، ولا يعتنقون الدين الصحيح، من أهل الكتاب حتى يخضعوا ويؤدّوا الجزية مقابل الكفّ عن قتالهم وحمايتهم وأمنهم، على نحو ما ورد فيها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾. وأما بشأن الزكاة وهي مقدار معلوم من أموال الأغنياء للفقراء، فقد جاء في الآية 103  من سورة التوبة أن يأخذ الرسول، بأمر من الله، زكاة من الذين تقاعسوا وتكاسلوا فلم ينخرطوا في الجيش الذي قاده الرسول إلى تبوك لمواجهة الروم، بعد أن ندموا واعترفوا بخطأهم، وبهذه الزكاة يرفع من معنوياتهم ويطهّرهم، وأن يدعو لهم بالخير والعفو والغفران والرحمة؛ فصلاته اطمئنان لهم وسلام عليهم؛ والله يسمع ويجيب الدعاء ويعرف ما تسرّه القلوب: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أما كيفية توزيع أموال الزكاة فقد بيّنته الآية 60 من السورة نفسها(30). (وقيل إنها فرضت في السنة الثانية للهجرة(31)؛ وقيل فرضت في مكّة وفصلت في المدينة).

أمّا التوارث بالمؤاخاة فقد نسخته الآية 75 من سورة الأنفال وأعادته إلى النسب في القرآن، والله عليم حكيم بما تقتضيه مصالح المسلمين وصلاح أمرهم، حيث نصّت على:﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.

وبعد تباين وإثبات التشريعات السابقة التي تشكّل عاملاً هامًّا في الشأنين السياسيّ والاقتصاديّ، ننتقل إلى مواكبة الرسول في تدبير الأمور وتصريف الشؤون المتعلقة بالأمة الناشئة في حضور التشريع المشار إليه.

2-5-جـتدبير الرسول وتصريفه بحضور التشريع القرآني:

2-5-جـ-(1) في توزيع غنائم الحرب حتى قبيل غزوة بني النضير: لقد عمل الرسول بالتشريع الذي أنزله الله في توزيع غنائم الحرب حيث وزّع أربعة أخماسها على  المشاركين في الغزو، وتصرّف بخمسها الذي هو لله وله ولأقربائه واليتامى والمساكين وابن السبيل. لقد فعل ذلك في إبل “بني سليم وغطفان”، التي غنمها بعد أسبوع من عودته إلى المدينة من بدر، وكذلك ما غنمه من يهود “بني قينقاع” بعد شهر أو أشهر، من مال وسلاح وآلة صياغة، بعد حصارهم واستسلامهم وإجلائهم إلى الشام لما أساؤوا فيه إلى  المسلمين مما اعتبر مخالفة وخرقًا لبنود “الصحيفة/المعاهدة”، وأيضًا  في العير التي ظفرت بها السّريّة التي أرسلها النبيّ لاعتراض قافلة لقريش بقيادة أبي سفيان في ما سمّي  بـ “غزوة القردة” بعد ستة أشهر من غزوة بدر… وبعد هزيمة (أُحد) التي مُنيَ بها المسلمون، قام الرسول بتنظيم عدة حملات على الأعراب خارج المدينة، رفعًا لمعنويات المسلمين الذين حصلوا فيها على غنائم وفوائد معنوية أخرى، علمًا بأن هزيمة المسلمين في أحد كانت نتيجة لمخالفة “رماة النبل” إلى حد كبير.

2-5-جـ-(2) –غنائم النضير فيء للرسول والمهاجرين وغنائم بني قريظة للتحكيم (32): أمّا غنائم يهود “بني النضير” الذين تآمروا على اغتيال الرسول، خارقين أيضًا بنود “صحيفة المدينة” فكانت واعتبرت فيئًا لله ورسوله لأنه تمّ الحصول عليها دون تحريك الخيل والركاب، دون حرب أو قتال، بل جاءت بعد حصار وبعد أن  أخذ الرعب من قلوب بني النضير كل مأخذ، فسألوا الرسول إجلاءهم والكفّ عن دمائهم مع ما تحمله الإبل من أموالهم باستثناء السلاح. فقبل. خرجوا إلى خيبر وبعضهم إلى الشام. وكانت الغنائم عبارة عن ممتلكات وما بقي من أموال. أخذ الرسول ما رآه في حاجته وجعل الباقي من نصيب المهاجرين دون الأنصار باستثناء  فقيرين اثنين منهم(33)؛ لأن هؤلاء أغنياء وأولئك فقراء كانوا قد خرجوا من مكّة وحرموا من أموالهم، قاصدين مرضاة الله ونصرته ونصرة رسوله انسجامًا مع صدقهم وإخلاصهم في الإيمان. لقد قصد الرسول، مما فعل، وهو المقدّر والمختار والمتصرّف، التخفيف من وطأة الفقر على المهاجرين، ومن عدم اتّساع الهوّة بين الفقراء والأغنياء. كما أن ما فعله كان عملاً بما شرعته الآية السابعة من سورة الحشر، الآنفة  الذكر، بشأن الفيء، معطوفًا عليه ما أشارت إليه الآية الثامنة من السورة نفسها من فقر المهاجرين وظروف إخراجهم من ديارهم حيث تقول الآية:﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.

ويتوالى خرق اليهود لبنود “صحيفة المدينة” فصولاً. فها هم بنو قريظة الذين انضموا إلى تحالف “الأحزاب” في غزوهم المدينة، ما عرف بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة… وبعد فشل الغزوة وانكفاء التحالف عن المدينة، حاصر الرسول بني قريظة الذين نقضوا العهد، والذين سارعوا إلى قبول التحكيم من الخوف الشديد. وكان الحَكَم حليفًا قديمًا لهم، وكان الحُكم فيهم أن :”تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الزراري والنساء”؛ نفّذ الرسول  الحكم فيهم و”قسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين”(34).

2-5-جـ- (3) – الرسول يعقد صُلح “الحديبية” مع قريش: في آخر سنة ست للهجرة، خرج الرسول قاصدًا مكّة يريد الاعتمار ولا يريد الحرب. وكان معه سبعمائة رجل (وقيل أربع عشرة مئة). وقد هبط في الحديبية. ولما علمت قريش بذلك، لم يرق لها الأمر وأبلغت الرسول أنها لا تسمح له ولأصحابه في زيارة  البيت… وبعد تبادل الرسائل بين الطرفين، وبعد أن علمت قريش بأن الناس قد بايعت الرسول على الحرب في بيعة “الرضوان تحت الشجرة”، بعثت سهيل بن عمرو يصالح الرسول ، ولـمّا تقابلا، تحادثا طويلاً إلى أن التأم الأمر بينهما. فدعا الرسول علي بن أبي طالب لكتابة الصلح بينهما، وجاء نصّه على النحو التالي: “باسمك اللّهمّ، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمّدًا من قريش بغير إذن وليّه، ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممّن مع محمّد لم يردّوه عليه، وأن بيننا عَيْبة مكفوفة (أي الوفاء بما في الكتاب)، لا غدر ولا خداع ولا شرّ ولا عداوة)، وأنه لا اسلال ولا إغلال (أي لا سرقة ولا خيانة)، وأنّه من أحبّ أن يدخل في عَقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنّك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكّة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثًا، معك سلاح الراكب، السّيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها(35)”.

إنّنا نقرأ في الصلح هذا معلمًا من معالم التدبير والتصريف واللذين تميّز بهما الرسول في قيادته وإدارته أمور الدعوة وشؤونها، وفي سياسة الأمّة الناشئة الناهضة التي آمنت به وبها، ونلقي الضوء على بعض النقاط المعبّرة عن القدوة التي سنّها، وبعد النظر في فهم المعطيات التي بين يديه وكيفية استعمالها:

– إن الرسول قد عقد وأقام معاهدات واتفاقات وتحالفات مع الأعداء والأصدقاء،ومع المؤمنين وغيرهم من الكفّار والمشركين. وقد التزم ووفى بها ولم ينكث العهد في أي منها، الأمر الذي يؤكّد أمانته وصدقه في العلاقات مع الآخر، والذي يعزّز من مكانته ومهابته واحترامه عند خصومه كما عند أصحابه.

– إنه قبل أن يكون في العقد “باسمك اللّهمّ” بدلاً من “بسم الله الرحمن الرحيم”، و”محمد بن عبد الله” بدلاً من “محمد رسول الله”، مرونة منه أتاحت له تجاوز الشكل على أهميته للوقوف على المضمون: ذلك أن إتمام عقد الصلح أهم وأجدى بما لا يقاس مع التمسّك بالشكل المشار إليه الذي كان كافيًا لتعطيل وإلغاء الصلح، وللذهاب إلى الحرب التي تفضي إلى الويلات، بدلاً من فوائد الصلح وخيراته. فاختار الصلح حقنًا للدماء، ورجاء للدعوة في الانتشار في ظل الأمن والأمان والسلام لمدة عشر سنوات.

– وقد بدت مرونته في مستوى أصعب، ولكن، أرقى في قبول البند الذي يعطي قريشًا مزية استرداد من يذهب منها إلى الإيمان بالإسلام والالتحاق بجماعته، إن هو فعل ذلك دون إذن وليّ أمره، بينما لم يكن هذا لمحمد بشأن من يذهب ممّن معه إلى قريش. فالميزان راجح لمصلحة قريش في المباشر، الأمر الذي أثار بعض المسلمين امتعاضًا وغضبًا، كما حصل لعمر بن الخطّاب، لكنّ الأمر سرعان ما انضبط في طاعة الرسول الذي لا يعصى ما يراه في مشيئة ربّ العالمين ورضاه. أضف إلى ذلك أنّه مطمئنّ إلى عدم ارتداد أي ممن آمن بالإسلام عنه؛ أما من يأتي إليه من قريش ويردّه عليها، فيبقى دون المصلحة العامة الحاصلة للمسلمين في عقد الصلح، ويطلب منه أن يصبر حتى يجد الله له مخرجًا وفرجًا، كما حصل لأبي جندل بن سهيل بن عمرو؛ لأنه في غير المباشر، هناك اتساع لحرية الحركة عند المسلمين في التواصل والتفاعل مع القبائل والعشائر التي لا تدور في فلك قبائل قريش وعشائرها.

– أما زيارته البيت في عام قابل بأمان وسلام، أفضل بكثير من زيارته بالحرب وبما يترتب عليها من دماء وخسائر وضغائن وأحقاد…

ولعلّ أهم ما حققه الرسول من عقد الصلح مع قريش هو  نديّة المسلمين لقريش التي لم تعد اللاّعب الوحيد في منطقة النفوذ المعروف لها في شبه الجزيرة العربية.

2-5-جـ-(4) الرسول يغنم أموال خيبر وفدك، ويعفو عن قريش، ويجتهد في غنائم حُنين: وبعد عودة المسلمين من صلح الحديبية إلى المدينة، وفي السّنة السابعة للهجرة، تمّ لهم فتح خمسة من حصون يهود خيبر السّبعة، والاستيلاء على أموالها كلّها كغنائم حرب. ثم حاصروا حصنيّ الوطيح والسلالم الباقيين اللذين لجأ إليهما اليهود متحصّنين بهما. وبعد الحصار بضع عشرة ليلة، أيقنوا أن الهلاك زاحف عليهم، فعرضوا على الرسول تسييرهم (إجلاءهم) والكفّ عن دماء المقاتلة مقابل الأموال كلّها. فقبل وفعل. ثم علم بذلك يهود فدك، ففعلوا مثل يهود خبير. فقبل الرسول وفعل أيضًا… ثم عرض يهود خيبر الصّلح على الرسول بحيث يبقي عليهم يعملون بالأرض مقابل النصف وذلك لخبرتهم. فصالحهم الرسول شرط أن تبقى الأرض رهن إرادة المسلمين لجهة إخراجهم منها متى شاؤوا؛ فتبعهم في ذلك يهود فدك. ومع المصالحة الأخيرة، أصبحت خيبر فيئًا للمسلمين، مخمّسًا لله ولرسوله ولـ…. الخ. وفدك فيئًا خالصًا للرسول للحصول عليه من دون حرب… وبذلك يكون الرسول قد قضى على مصادر الشرّ والغدر والتآمر التي كان يشكّلها اليهود على  المسلمين.

– وفي السنة الثامنة للهجرة، وبعد اعتداء بني بكر ومظاهرة قريش لهم على خزاعة، ما اعتبر نقضًا لبنود “صلح الحديبية”، تمّ للمسلمين بقيادة الرسول الفتح الأعظم، فتح مكّة ودخولها بجيش قوامه عشرة آلاف… فإذا بالرسول قد فاجأ العالم بحسن تدبيره وتصريفه، وببعد نظره وعظم خلقه وتسامحه، وبحنكته وحكمته، عندما عفا عن قريش قائلًا: “يا معشر قريش، ما ترون إنّي فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخر كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء”(36). أجل، لقد عفا عن قريش وتجاوز عن سيئاتهم وشرورها، وما أكثرها!. ومنع استباحة مكّة، وسبي أموالها على الرغم من كثرة الفقراء في جيشه. وكان من حكمته وتقديره واجتهاده أن اقترض أموالاً من أغنياء مكّة وتجارها ووزّعها على الفقراء من الجيش تعويضًا لهم عن الغنائم…

– وفي السّنة الثامنة للهجرة نفسها أيضًا، قد تمّ للرسول الانتصار على قبيلتي “هوازن وثقيف” في حنين؛ وكان في جيشه عدد كبير من القرشيين، وكانت الغنائم كثيرة ووفيرة؛ فاجتهد ورأى من الصواب أن يوزّع الأخماس الأربعة المخصصة للمقاتلين، على المهاجرين والمسلمين الجدد الملتحقين حديثًا بالجيش بعد فتح مكة، دون أن يعطي الأنصار شيئًا؛ كما أخذ من الخمس الذي لله وله و…الخ، ما خصّ به “أشراف العرب” من المسلمين الجدد، ومن بين هؤلاء “المؤلّفة قلوبهم” أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، الأمر الذي أثار امتعاض الأنصار، أو الذي وجدوا به على رسول الله في أنفسهم لجعله الغنائم في قومه دونهم. فجمعهم وخطب فيهم مؤكّدًا على فضلهم في انطلاق الدعوة، ونصرتهم له ولها، وجهادهم في سبيل الله، مستثيرًا وجدانهم، وما هو اكبر وأعظم من الغنائم، مسوّغا تصرّفه فيها، سائلاً إيّاهم: “ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟… قالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا”(37). ثم انصرف الرسول وتفرّق الأنصار… ثم اعتمر… وعاد إلى المدينة.

2-5-جـ-(5) الرسول يغزو تبوك، وينقاد له العرب مسلمين: لم يقم الرسول طويلاً في المدينة بعد عودته إليها حتى أخذ الناس بالتجهّز والتأهّب لغزو الروم.كان ذلك في السنة التاسعة للهجرة، وكان الزمن من العسرة بمكان، لجهة الحرّ  الشديد ما جعل الكثيرين يؤثرون البقاء في الثمار والظلال فبدا بينهم تقاعس وتكاسل، ولتخلّف المنافقين الذين حضّوا الناس على عدم الاستجابة لدعوة الرسول، ولجهة كثرة ما يحتاج إليه الجيش من تجهيز حيث كان الرسول يحضّ الأغنياء على الإنفاق في سبيل ذلك… وكانت الظروف قاسية وصعبة إلى درجة استحقّ معها وصف الجيش بجيش العسرة… فبعض الناس استأذن خوفًا من فتنته بنساء بني الأصفر (الروم)؛ والأعراب اعتذروا ولم يعذرهم الله؛ وبعضهم  أبطأ ولكن لحق بالركب؛ أما النّفر البكاؤون فقد طلبوا أن يؤمّن لهم الرسول دوابّ لحملهم لأنهم لا يملكون شيئًا يسهمون به، فلم يكن بين يدي الرسول ما يستجيب به لطلبهم، فتولّوا دامعي الأعين حزنًا؛ أما المنافقون فقد تخلّفوا في الطريق وقفلوا عائدين بقيادة عبد الله بن أبيّ… ولكن الرسول وعلى الرغم من كل العثرات والمعيقات والصعوبات التي واجهته، لم تثنه عمّا رآه صحيحًا ولازمًا في نشر الدعوة إلى الإسلام وفي قتال العدو الكثير العدة والعدد؛ وكان، خلافًا لما كان يعتمده من كناية أو تورية عمّا يقصد من الغزو، قد سمّى الغزوة وبيّنها وأمر بالتهيؤ لها نظرًا لبعد المسافة ومشقة الطريق، ولكبر عدد العدوّ وخطورته. وهكذا فقد مضى إلى تبوك. وهناك لم يجد الروم الذين كانوا قد انكفأوا إلى حمص… فما كان من يُحنّة بن رؤبة صاحب أيلة أن جاء إلى  الرسول مصالحًا مع تأدية  الجزية، وكذلك فعل أهل الجرباء وأذرح؛ كتب لهم الرسول (الأمان وذمة الله وذمّة الرسول)؛ كما حقن دم أُكَيْدِر ملك دومة وصالحه على الجزية وخلّى سبيله. لقد أقام الرسول بضع عشرة ليلة في تبوك، ثم قفل عائدًا إلى المدينة؛ وفي طريق العودة، أمر بهدم وحرق مسجد “ضرار” الذي بناه المنافقون لتفريق المسلمين وبذر الفتنة بينهم… وكانت غزوة تبوك آخر خروج للرسول إلى الحرب(38).

وفي السنة التاسعة للهجرة نفسها، وبعد قدوم الرسول من تبوك إلى  المدينة، قدم عليه وفد ثقيف من الطائف يعلن إسلام الطائف والمبايعة له، تيّقنًا منهم بعدم طاقتهم على محاربة المسلمين بعد أن دانت لهم قريش. ثم انقاد العرب للإسلام وفودًا من كلّ وجه حتى سميّت  السّنة بسنة الوفود، خاصّة بعد افتتاح مكّة والفراغ من تبوك وإسلام ثقيف ومبايعتها. وهكذا أصبح الرسول، قائد المسلمين، اللّاعب الوحيد في شبه الجزيرة العربية الذي يسبّح بحمد ربّه وشكره، ويمجّده ويستغفره له ولأمّته، والله كثير التوبة وواسع الرحمة بعباده وعليهم؛ وهل من نعمة ورحمة أكبر من نصر المسلمين في فتح مكّة وإيمان العرب بالدّين الجديد! إنّه  التيّمن بسورة النصر:﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾.

2-5-جـ-(6) الرسول يحجّ حجّة الوداع، وكان مما كان: وفي السّنة العاشرة للهجرة، خرج الرسول إلى مكّة زائرًا حاجًّا. فقام بكل المناسك والشعائر، وعلّمها أتباعه، وبيّن لهم ما لهم وما عليهم في ذلك… وخطب الناس خطبة الوداع: ذكّرهم فيها بحرمة دمائهم وأموالهم عليهم، وبتحريم الرّبا، وبوضع كل دم في الجاهليّة… وممّا جاء فيها أيضًا تذكير الناس بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات كرجال ونساء، وبالخير بالنساء، وبأن المسلمين أخوة… ولعلّ أهم ما كان في الخطبة دعوته الناس إلى التمسّك بالإسلام الذي يعصمهم من الضلال حيث ذكّرهم أيضًا بـ “وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بيّنًا، كتاب الله وسنّة نبيّه”(39)… ثم عاد إلى المدينة.

وكان، مما كان، يشاور أصحابه، ويأخذ بالرأي الصائب على أرض الواقع؛ وكان يستعمل أو يستخلف أحد أصحابه على المدينة في كل مرة يخرج منها إلى هدف يسعى إليه؛ وفعل هكذا بعد تركه مكّة بعد فتحها، عائدًا إلى المدينة؛ وكان يحرص على أن يكون على بيّنة من أمره ومن أمر عدوّه؛ وكان يورّي عن الغزوة التي يقصدها، ويعيّن الأمراء ويرسل العمّال على الصدقات حيث رأى ولزم  الأمر؛ وكان يرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام؛ وكان من وصاياه التيسير والتبشير وليس التعسير والتنفير. إنّه القدوة. فقد استمر في جهده واجتهاده وجهاده، وفي تعليمه وإرشاده وهداه، وفي صبره وثباته وصدقه وأمانته من أجل الدعوة والأمّة(40) التي آمنت بها، حتى أخذ المرض منه، ودنا الأجل، والتحق بالرفيق الأعلى في 12 ربيع الأول من سنة 11 للهجرة الموافقة لسنة 632 م، تاركًا الدنيا التي أخذ منها نصيبه دون أن يغترّ بكل مغرياتها..

لعلّنا بذلك، نكون قد تكلّمنا على أبرز النشاطات ذات الصلة بالسياسة والاقتصاد، التي تدبّر بها الرسول شؤون الأمة الإسلامية، وساس أمورها في استجابتها لدعوته إلى الإسلام الذي قدّمه القيّمون عليه والمشتغلون فيه على أنه خير النظم السياسية والاقتصادية الوضعية وغير الوضعية من غيره، معمّمين بشأنه أنه صالح لكل زمان ومكان. ففيم تجسّد “النظام السياسي الاقتصادي الإسلامي” من خلال ممارسة الرسول هذا الإسلام وتطبيقه؟ أو فيم الأنموذج الإسلامي الصالح لكل زمان ومكان في السياسة والاقتصاد؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى