أصل مصطلح “الخلافة” في الإسلام

خاص “المدارنت”
يُردٌِد الكثير من العرب المسلمين، وغيرهم، كلمة “الخلافة”؛ وفي أذهانِهِم أنّها نظام الحكم في الإسلام. هذا المُصطلَح ملأ بطون الكتب عند كلّ الجماعات والأحزاب التي رفعت شعارات: “الإسلام هو الحلّ”، التي شكّلت العصب الأساس في مسيرة سعيِها للوصول إلى السلطة في معظم البلاد العربيّة والإسلاميّة. كما أنّ معظم “رجال الدين” المسلمين يخلطون، في خطَبِهم وأحاديثِهِم ومواعظهم، بين مصطلح “الخلافة” ومفهوم الدولة الإسلاميّة التي أسّسها الرسول، عليه الصلاة والسلام، في المدينة المنوّرة.
كانت دولة المدينة، خلافًا لما يراه الكثير من العرب المسلمين، دولة مدنيّة بكلّ معنى الكلمة؛ إذ أنّ صحيفة المدينة (وتُعرف أيضاً بـ”وثيقة المدينة”)، التي وضعها النبي محمد (ﷺ) في السنة الأولى للهجرة (622 م.)، لتنظيم شؤون المجتمع الجديد، كانت الدستور الأوّل في الإسلام الذي أرسَى دعائم الدولة الإسلامية الأولى، وضَمِنَ التعايش السلميّ وحقوق المواطَنة.
تتّسِم الصحيفة بتنظيم دقيق ومُحكَم لمَحاوِِر ومبادئ أهمُّها:
1 – الأمة الواحدة: نصّت على أنّ المسلمين من قريش ويثرب (المدينة)، ومَن تبِعهُم يشَكِّلون “أمّة واحدة من دون الناس”، مع الحفاظ على الاستقلال الماليّ والقبَليّ لكلّ عشيرة.
2 – حرية العقيدة: كفِلَت لليهود وغير المسلمين حرِّيّتَهم الدينيّة ، وممارسة شعائرهم بحرية كاملة.
3 – الدفاع المشترك: ألزَمت الوثيقة جميع سكان المدينة بالدفاع عنها ضدّ أيّ هجوم خارجيّ، وأن يتكاتف الجميع في تحمّل النفقات الحربيّة.
4 – السلم المجتَمَعيّ: حَرّمت الوثيقة إجارة أو حماية المُعتدين ، ونصّت على مرجعيّة موَحّدة للقضاء والفصل في النزاعات تتمثل في الله ورسوله (ﷺ). كان هيكل الصحيفة يشتمِل على حوالي 52 بندًا تنظيميًّا تتوزّع كالآتي:
1 – بنود خاصة بالمسلمين: (نحو 25 بندًا) نظّمت العلاقة بين المهاجرين والأنصار.
2 – بنود خاصة بغير المسلمين: (نحو 27 بنداً) نظّمت العلاقة مع يهود المدينة وغيرهم من الناس ، وحدّدت حقوقَهُم وواجباتِهِم.
إعتبر المؤرِّخون، على اختلاف مشاربِهِم وأديانِهم ولغاتِهم، دستور المدينة مفخَرَةً من مفاخِر الحضارة العربيّة الإسلاميّة، إذ يقول المستشرق الرومانيّ “جيورجيو”: «يحوي هذا الدستور اثنين وخمسين بندًا، كلّها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصّة بأمور المسلمين ، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى ، ولا سِيّما اليهود وعبَدَة الأوثان ( الكافرون). وقد دُوِّن هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بِحُرِّية، ولهم أن يقيموا شعائرَهُم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء ، ولكن في حال مهاجمة المدينة من قِبَل عدُوٍّ عليهم أن يتّحِدوا لمجابهَتِهِ وطردِه”.
توفُّيَ الرسول، عليه الصلاة والسلام، في الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة (الموافق لشهر يونيو/حزيران 632 م.)، في المدينة المنوّرة، وهو في الثالثة والستّين من عمره بعد صراع مع الحُمّى. اجتمع على أثر ذلك معظم الصحابة في “سقيفة بني ساعدة” المتاخمة لمنزل الرسول، وبايعوا “أبو بكر الصدّيق” خليفةً لرسول الله في قيادة الدولة. بعد سنتين توفِّيَ أبو بكر، فبويِعَ عُمَر بن الخطّاب، خليفةً لأبي بكر.
كان الناس يخاطبون أبا بكر بعبارة: “خليفة رسول الله”، ثمّ بدأوا يخاطبون عمر بن الخطّاب بعبارة: “خليفة خليفة رسول الله”. رأى “الخليفة” الجديد أنّ هذا اللقب سيطول مع تعاقب الخلفاء (خليفة خليفة خليفة..) فاستشار الصحابة. إقترح “المغيرة بن شعبة” تسمِيتَه بـ”أمير المؤمنين”، معلِّلًا ذلك بالقول: ألسنا نحن المؤمنون؟ فقال عمر: بلى. قال المغيرة: ألستَ أنت أميرُنا؟ فقال عمر: بلى، فقال المُغيرة: إذن فلنناديك أمير المؤمنين؛ فكان عمر بن الخطّاب أوّل من لُقّب به رسميًّا..
إذن، مصطلح “خليفة” هو لُغَوِيّ، فقط لا علاقة له بالسياسة أو بالقيادة او بنظام الحُكم، أُطلِقَ على أبي بكر الصدّيق، كونِه قد خلَفَ الرسول، عليه الصلاة والسلام، في رئاسة الدولة، أي جاء بعدَه.
أمّا ما تعجّ به كتُب التاريخ في جعل “الخلافة” نظام حكم وأصلًا من أصول الدين الاسلاميّ؛ فهذا لا يمتّ للإسلام، ولا للواقع بصلة على الإطلاق. فقد حكم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، رضِيَ الله عنهم، بصحيفة المدينة التي شكّلت دستور الدولة، واعتمدوا مبدأ الشورى في اختيار أمير المؤمنين (رئيس الدولة)، ثمّ جاء بعدهم معاوية بن أبي سفيان، فحكم بطريقة أخرى؛ وحوّل الأمر إلى مُلك يتاورثُهُ الأبناء عن الآباء، فكانت الدولة الأموِيّة التي أنشات أمبراطوريّة عظمى لحوالي 89 سنة.
ثمّ جاء من بعدهم العبّاسيّون، ففعلوا نفس الشيء؛ وحكموا الأرض من مشرقها إلى مغرِبِها على نفس مبدأ الملكيّة التوارُثيّة، إلى أن استولى الأتراك العثمانيّون على السلطة، فنقلوا عاصمة الدولة إلى بلادهم؛ وسمّوها “السلطنة العثمانيّة”؛ وحكموا بالوراثة أيضًا من دون أيّ ذِكر لأي إشارة عن مصطلح: “خلافة إسلاميّة” في أيٍ وثيقة رسميّة من وثائق دولتهم.
كلّ هؤلاء، بعد عليّ ابن أبي طالب، لم يصلوا إلى رئاسة وقيادة الدولة بالشورى التي هي مبدأ الحكم في الإسلام (وأمرُهُم شورى بَينَهُم). لذلك، بغضّ عن تطبيق الشريعة الإسلاميّة من عدَمِه، في دُوَل بني أميّة وبني العبّاس وبني عثمان، فإنّ نظام الحكم لم يكن له علاقة إلّا بما اختاره صاحب السلطة ومن معه.
إذن، الدولة في الإسلام هي دولة مدنيّة بامتياز، يسود فيها مبدأ المواطَنة وحرِّيّة الأديان والمعتقدات؛ وتُصان الحقوق؛ وتُفرَض الواجبات ضمن أطُرٍ قانونيّة، تحدِّد وتنظِّم العلاقات بين أبناء البلاد على قواعد من العدل والمساواة؛ واحترام وصَون خصوصيّة الجماعات والأفراد.



