مقالات
ألحكومة اللبنانيّة بين مسرحيّة التكليف والتشكيل..!
خاص “المدارنت”..
يحفل تاريخ تشكيل مجالس الوزراء في لبنان بتَعَسُّر الولادة لاسابيع وشهور عديدة، بخاصّة عندما تكون العلاقات متوتِّرة بين رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء المكلّف.
مَن يطّلع على مسيرة الحكومات، التي يبلغ عددها 74 منذ أعطِيَ لبنان “استقلاله” عام 1943، يرَ أنّ الخلاف لم يكن مرّة واحدة على البرامج او كيفيّة النهوض بالبلاد او كيفيّة الخروج من أوضاع صعبة، انّما على الحصص الوزاريّة، واقتسام الكعكة من مال ومناصب وبشر وحجر!
مرّ على لبنان، رؤساء وزراء كثيرون، لمَعَ منهم رشيد كرامي وصائب سلام وعبد الله اليافي وسليم الحصّ ورفيق الحريري، كلٌّ بمزايا معيّنة وبمجالات محدّدة، أسهموا في الحفاظ على البلاد أو في استقراها او في انعاش اقتصادها، و ترك كلّ واحد منهم بصمة في مسيرة الحكومة والحكم في لبنان.
منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005، و انسحاب الجيش السوريّ و قواه الأمنيّة، بدأ الوضع يأخذ منحًى مختلفًا تمامًا، عن كلّ المنعطفات التي مرّ بها لبنان عبر تاريخه الحديث؛ حيث تداعت القوى السياسيّة – كلّها – الى قصعة الحكومة لتأخذ كلّ منها نصيبها وحصّتها، وتثبِّتَ مواقعَ لأقدامها في الآتي من السنين.
كان وجود السوريّين، لحوالي ثلاثين سنة، قد حجب عن هذه القوى سلطاتها في تشكيل الحياة السياسيّة والأمنيّة، بينما تقاسَمَ معها الحياة الاقتصاديّة، نهبًا وسرقةً وفسادًا وإفسادا، بكلّ تفاصيلها؛ حيث كان على رئيس الحكومة استجداء الخارج، والاستدانة من كلّ الصناديق الدوليّة، وضخّ الاموال في كلّ اتجاه الى ان وصل الهدر والنهب في وقت من الأوقات، الى 87% من مجموع ما تصرفه الحكومة على مشاريع الانماء و الخدمات العامّة.
انطلقت القوى السياسيّة بكامل عدّتها وعديدها، للانقضاض على مفاصل السلطة في البلاد – جملة وتفصيلا – ولم تجد أمامها ما يستحقّ الغزو الّا الحكومة؛ فرئاسة الجمهوريّة لا تغني ولا تسمن من جوع، ومجلس النوّاب له أصحابه وحرّاسُه، وهو سلطة تقريريّة لا شحم فيها و لا لحم. لذلك، كانت الفريسة الكبرى ومغارة الصفقات – بجميع أشكالها ومضامينها – هي الحكومة، بالوزارات السياديّة والوازنة والدسمة، والمُدِرَّة للمال والنفوذ ومباهج السلطة، والقدرة والقوّة وتحصيل المكاسب.
من هنا، بدأ استهداف الحكومة ورئاستها، تكليفًا وتشكيلًا ومسيرة، وأصبح موقع رئيس الحكومة في موقف غاية في الضعف، لأنه بحاجة الى معظم القوى السياسيّة التي تحظى بغالبيّة الكتل النيابيّة في مجلس النواب – ناهيك عن معزوفة صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، التي أصبحت في عهد الرئيس ميشال عون “قميص عثمان”، الذي يُلَوَّح به كلّما دَعَت الحاجة، وأصبح رئيس الجمهوريّة فاقدًا لكل صلاحيّاته، اذا لم تكُن له الكلمة الأولى والأخيرة في تشكيل الحكومة من ألِفِها إلى يائها؛ فرئيس مجلس الوزراء لا يستطيع الحصول على التكليف من دون موافقة المتحكّمين، ولا التأليف مت دون إرضائهم بالحقائب الوزاريّة “المفيدة”، ولا أخذ الثقة من دون الضوء الأخضر الذي يملكون التحكّم به، و لا الحكم فيما بعد، وتنفيذ برنامج الحكومة العتيدة، وإنجاز ما يصبو الى إنجازه.
إذن، كانت هجمة القوى السياسيّة، بعد “جوعها العتيق” الذي استمرّ 30 سنة، تنحصر بالحكومة، لكونها واحة التكسُّب – مادِّيًّا ومعنويًّا وسلطويًّا – والهدف الأسهل، بسبب الثغرات القاتلة في النظام الطائفيّ المهترئ، الذي أدّى الى هذا الخراب في البلاد والعباد.
لذلك، نحن أمام موقع يتحكّم به وفيه – وبكلّ عمليّات تشكليه – الجميع، الكبير منهم والصغير، و”المقمّط بالسرير”، وما عليه الّا أن يمتصّ ويستوعب ويراعي، ويتحوّل الى “مكّوك”، يجوب العالم طولًا وعرضًا، يستجدي، ويقترض لكي تستمتع القوى السياسيّة المتحكِّمة، بكلّ ما يأتي به في جعبته، التي أتت عليها الأزمات وعاتيات الزمن والفساد.. فرئيس الوزراء اللبنانيّ العتيد، يجب أن يكون مظلّة إقليميّة ودوليّة لكلّ ما يجري في الداخل – فقط لا غير!
ألآن، وصلت الأمور مع الرئيس سعد الحريري الى نهاية هذا المسار المؤلم – للبنان، وله ولموقع رئاسة مجلس الوزراء؛ فليس أمامه إلّا أن يقبل بالدور الذي رُسِمَ – عبر السنين الطويلة – لهذا البلد الذي كان يسمّى بسويسرا الشرق.
ألمطلوب من الرئيس سعد الحريري، أن يشكِّل حكومة مراسم دفن هذا البلد “الوسيم”؛ فلو كنتُ مكانه لنظرت نظرة موضوعيّة الى أحداث ومسارات ما بعد 2005، داخليًّا وإقليميًّا، وجَلستُ جلسَةَ مصارحة مع الذات.. واعتذرت.





