أوراق من ملف البرنامج النووي الإيراني.. الجزء “4”..

خاص “المدارنت”..
الورقة الخامسة.. السلاح النووي في الذاكرة الإنسانية
لا شك أن السلاح النووي هو السلاح الأول في رزمة أسلحة الدمار الشامل، وهو الأخطر لشدة فاعليته وسرعتها، وامتداد آثاره في الزمان والمكان، ولأنه يدمر الحياة بمختلف أشكالها، ويشوه جينات الإنسان، حتى الأرض والصخر والتربة والمياه الجوفية لا تعود صالحة للإقامة فوقها أو استغلال خيراتها لعشرات السنين على أقل تقدير.
ولهذه الطبيعة فإن الإسلام يحرم هذا السلاح وأمثاله، لتعارضه مع فكرة الاستخلاف والتسخير، وهي فكرة مركزية في ديننا الحنيف قائمة على قاعدة إعمار الأرض والحفاظ عليها صالحة ومنتجة على الدوام، وتسخير ما فيها لتغطية احتياجات الانسان وضرورات تقدمه جيلا بعد جيل.
لكن الدول لا تتعامل بقيم الأديان، وإنما باحتياجات الصراع وأهدافه التي ترسمها القوى المسيطرة في كل بلد. وما نتحدث عنه هنا سلاح خطير وحاسم لم تعرف البشرية له مشابه أو نظير.
ليست هناك دولة أو مجموعة دول أو منظمة أو مؤسسة دولية يمكن أن تكون مؤتمنة على هذا السلاح، ولن يتوفر ذلك أبدا، لأن من شأن مثل هذه الفرضية إن تحققت أن تسقط هذا السلاح من الحسبان، ولعل العمل الأممي على تحريم وتدمير هذا السلاح، والجهود المبذولة في هذا السبيل يبدو ـ رغم مثاليته ـ واقعي أكثر من البحث عمن تأتمنه البشرية عليه. لذلك فإن على البشرية أن تبحث عن سبيل حقيقي وواقعي لإبطال هذا السلاح وسحبه من لتداول نهائيا.
تاريخيا كانت الولايات المتحدة أول دولة في العالم تمتلك السلاح النووي، وحينما كان هذا السلاح بيدها لوحدها استخدمته مرتين، لكن بعد أن خرج عن الاحتكار الأمريكي توقفت فرص استخدامه، وصار توازن الرعب هو المانع من اللجوء إلى هذا السلاح، كما صار هو المحدد لمدى أي صراع عسكري، أو أزمة دولية.
في 6/ 8/ 1945 ألقى سلاح الجو الأمريكي أول قنبلة نووية على مدينة هيروشيما اليابانية، وبعدها بتسعة أيام أي في 15 اغسطس ألقى القنبلة الثانية على مدينة ناغازاكي اليابانية أيضا، وقد قتل في المدينتين ما لا يقل عن 220 ألف نسمة.
قد يظن البعض أن استخدام السلاح النووي في تدمير المدينتين اليابانيتين جاء لهدف إنهاء الحرب العالمية الثانية، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن هذه الحرب كانت قد انتهت عمليا قبل اللجوء إلى هذا السلاح، وما بقي منها كان مجرد جيوب وتوابع لا تستلزم مثل هذا العمل الفظيع.
** ألمانيا الدولة الرئيسية المسؤولة عن هذه الحرب استسلمت في 8 / 5 / 1945، وذلك بعد أن انتحر هتلر في 29 / 4 / 1945، ودخلت جيوش الحلفاء العاصمة برلين في 5/2 / 1945.
** واليابانيون كانوا قد فقدوا كل قدرة لهم بحرية أو برية على القتال وباتوا يناوشون في الساعات الأخيرة.
** وكانت إيطاليا وهي ثالث دول المحور قد خرجت من الحرب مبكرا، وألقي القبض على بينيتو موسوليني وأعدم شنقا في 28 / 4 / 1945 في مدينة ميلانو.
ومع ذلك قامت الولايات المتحدة باستخدام هذا السلاح.
والحق أن قصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي كان إعلانا بولادة دولة عظمى وحيدة قادرة على إخضاع العالم كله، وتملك الوسائل لذلك، وهي عازمة على تحقيق ذلك.
قنبلة هيروشيما كانت لإظهار فظاعة هذا السلاح، وقنبلة ناغازاكي كانت لتأكيد إدراك واشنطن لهذه الفظاعة وعزمها على استخدامه المرة تلو الأخرى.أي أن إرهاب العالم كان هدفا من أهداف استخدام قنبلة ناغازاكي.
في 29 / 8 / 1949 فجر الاتحاد السوفييتي قنبلته النووية الأولى، وامتلك بذلك هذا السلاح المدمر، وتسرب “السر النووي” من مراكزه الأمريكية إلى القطب الدولي الجديد فسرع ذلك في امتلاك السوفييت هذا السلاح، وحين تأكد كسر احتكار السلاح النووي بطلت فعاليته، أي تحيًد تأثيره كعنصر يستخدم في ساحة المعارك العسكرية، وبات يمثل حاجزا يمنع تطور أي معارك في أي مكان في العالم.
في العام 1950 وحتى العالم 1953 اشتعلت الحرب الكورية، وتحولت هذه الحرب إلى حرب إقليمية بطابع أممي، وكانت الصين ومن ثم الاتحاد السوفييتي في جانب، والولايات المتحدة وقوات أممية في الجانب الآخر، وتشير الوثائق أنه في العام 1951 حين اشتدت المعارك، قدم الجنرال “دوجلاس ماكارثر” قائد القوات الأمريكية في هذه الحرب اقتراحا إلى الرئيس الأمريكي هاري ترومان يقضي بقصف الصين في إقليم منشوريا المحاذي لشمال كوريا ـ حيث تمر الإمدادات الصينية ـ بخمسين قنبلة ذرية، لإنهاء هذه الحرب، لكن الاقتراح رفض بل ونجم عنه إبعاد هذا القائد العسكري الذي كان يعتبر في الولايات المتحدة رمزا وطنيا.
لقد باتت الإدارة الأمريكية في ذلك الحين واعية تماما لمعنى انتهاء احتكار واشنطن للسلاح النووي، ولما يترتب على استخدامه مجددا من أخطار عليها.
ما بين 15 و 19 ابريل 1961 حاولت المخابرات المركزية الامريكية ترتيب غزو لكوبا عبر خليج الخنازير يقوم به عملاء كوبيون دربتهم الوكالة بهدف قلب نظام حكم الرئيس فيديل كاسترو.
المحاولة التي شاركت بها الطائرات الامريكية بكثافة فشلت فشلا ذريعا، وانكشفت أبعادها، وتأكد مشاركة القوات الأمريكية فيها، وسجلت دوليا كمحاولة غزو أمريكية لكوبا.
وفي اكتوبر 1962 رصدت الولايات المتحدة وصول صواريخ نووية إلى جزيرة كوبا، أي إلى محاذاة البر الأمريكي، ما دفع قادة واشنطن إلى التهديد بقصف الاتحاد السوفياتي نوويا، وتحركت الصواريخ النووية في القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا وتركيا، فما كان من روسيا إلا أن قررت سحب صواريخها، وانتهت هذه الأزمة ” النووية” خلال اسبوعين، وتم توقيع اتفاق بأن لا تغزو الولايات المتحدة جزيرة كوبا، كما تم إقامة خط اتصل نووي ساخن بين موسكو وواشنطن لمواجهة أي أزمة نووية تالية.وأظهرت هذه الأزمة أن خروج “السلاح النووي” عن الاحتكار الأمريكي صار أدعى لترسيخ السلام وضبط الأمن العالمي.
وفي الصراع الهندي الباكستاني حقق امتلاك الدولتين هذا السلاح توازنا منع تجاوز الصراع العسكري بينهما حدا معينا، ووفر دائما فرصة لضبط الوضع.
الآن هناك ناد دولي نووي اعترفت به معاهدة الحد من الانتشار النووي يضم كلا من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن،( الولايات المتحدة، روسيا، الصين، المملكة المتحدة، فرنسا)، وهناك أربع دول نووية خارج هذا النادي، استطاعت جميعها أن تمتلك هذا السلاح،
وحسب تقرير ورد في موقع هيئة الاذاعة البريطانية BBC في فبراير 2018 فإن الاحصاءات تشير إلى وجود نحو 15 ألف سلاح نووي في الدول التسع، منها 1800 في حالة تاهب قصوى ويمكن إطلاقها في أية لحظة، نصيب روسيا منها 7 آلاف، والولايات المتحدة 6800، وفرنسا 300 ، والصين 270 ، وبريطانيا 215، وباكستان 140، والهند 120، والكيان الصهيوني 80، وكوريا الشمالية 20.
المخاطر الهائلة للسلاح النووي حركت بشكل مبكر دول العالم للبحث عن طريقة للتصدي لهذا السلاح، وشهدت الساحة الدولية والأمم المتحدة جولات من المباحثات المكثفة والمتواصلة تطلعا لضبط هذا السلاح، كخطوة على طريق إنهاء وجوده، لكن كون الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن تملك القرار الأممي فقد تعثر الوصول الى اتفاق بهذا الشأن، وحين افتتح التوقيع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في سبتمبر 1996 كانت الدول الخمس الكبرى قد اجرت 2047 تجربة نووية تحت الأرض وفوق الأرض وتحت الماء وفي الغلاف الجوي، ورغم توقيع الدول الخمس دائمة العضوية على معاهدة حظر استخدام السلاح النووي في 24 سبتمبر 1996 فإنها لم تصادق عليها بعد، وتتضمن هذه المعاهدة ـ التي تحتوي على ثغرات وغموض في جوانب عدة منها ـ حظر الاستخدام والتطوير والانتاج والاختبار والتخزين.
وفي يوليو 2017 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اتفاقية الحظر بواقع 122 دولة، ووقعت 84 دولة عليها، وبتوقيع هندوراس مؤخرا على المعاهدة وصل عدد الدول المصادقة خمسين دولة بما يؤذن ـ وفق نظام الأمم المتحدة ـ بدخول المعاهدة حيز التنفيذ بعد 90 يوما أي في يناير 2021.
ورغم أهمية هذه المعاهدة فإن جديتها لا تتحقق إلا بالتزام الدول الخمس النووية الكبرى، وهو التزام لم نر بعد أثرا له، ولا يبدوا أننا سنرى ذلك، والمرجح أن تكون هذه المعاهدة سبيلا لضبط الوجود النووي بأيدي الدول “الخمس الكبار”، ومن يستطيع من الدول الأخرى أن يتسلل إلى هذا النادي النووي سواء تم الاعتراف به رسميا أم لم يتم.



