أول لبنانية في مراكز التحقيق الصهيونية
//خاص المدارنت//..

كتب فاطمة حوحو.. أثارت عملية تسلل عميل المخابرات الصهيونية خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للبنان منذ العام 1978 وبعده في العام 2000 عامر الياس الفاخوري الى بيروت، عبر مطار العاصمة الدولي، ولاحقا مرافقة العميد الركن الياس يوسف أحد كبار ضباط الجيش اللبناني للعميل الى مقر الأمن العام الذي استدعى الفاخوري للتحقيق معه، موجة من الاحتجاجات والاستنكارات والنقد، للسلطات التي سهّلت دخول العميل الى الاراضي اللبنانية، خصوصا، وانه معروف لدى اللبنانيين بأنه كان من أبرز العملاء الذين خدموا العدو في معتقل الخيام السيء الذكر، وأن يديه ملطختان بدماء وعذابات الكثيرين من المناضلين الذين تصدوا للعدو الصهيوني، والتزموا طوعا مقاومته ومقارعته الى حين انسحابه من غالبية الاراضي اللبنانية المحتلة.
وفي السياق، ارتأينا التذكير ببعض المحطات النضالية لأفراد واجهوا العدو الصهيوني، وعملوا على مواجهته بكل قوة وبأس، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، اسم الشابة في حينه نازك دمج، ابنة بلدة برجا، البلدة التي لم يدّخر شبابها ونساؤها جهدا في مواجهة العدو. نازك، التي لم يدخل اسمها في سجلات مجلس الجنوب، ولم يدوّن بين الأسيرات اللبنانيات، علماً أنها كانت أول امرأة لبنانية تدخل إلى أحد مراكز قوات الإحتلال، التي كانت تعتقل الشباب لدى إجتياح لبنان، حيث تتم التحقيقات الأولية وعمليات التعذيب، قبل نقلهم إلى المعتقلات ومراكز التحقيق.
كانت مدينة صيدا الجنوبية محطة ساخنة. هناك في مبنى سرايا عاصمة الجنوب، الذي احتله الجيش الصهيوني، كانت تطلق الأوامر وتنطلق وحدات عسكرية، لتطوّق القرى والمنازل الآمنة وتقتحم المجموعات العسكرية كل الحرمات، كانت تنتزع الأب والأخ أو الزوج من حضن عائلته. وعندما يخيب حظ المجموعة في إعتقال “المشبوه”، سواء كان مقاوماً أو أيّ فرد بريء أعطاهم عملاء الإحتلال اسمه، لا تعود المجموعة إلا ومعها بديل، طفلاً أو امرأة.

نازك دمج، أولى الأسيرات اللبنانيات، لم تعتقل الّا نحو 48 ساعة، لم يستطع الجنود الصهاينة تحمّل الضغوط التي واجهوها من قِبل الأهالي لإطلاقها، خصوصاً أنها كانت حاملاً. ولم تشف نازك غليل المحققين، الذين كانوا يبحثون عن زوجها بتهمة انتمائه إلى المقاومة، بعد عملية عسكرية في وادي الزينة، أسفرت عن مقتل 16 صهيونياً.
منفذو العملية كانوا شباناً من بلدات أقليم الخروب. عاشت قرى هذه المنطقة إثر العملية التي وقعت في 13 آذار 1983 أياماً صعبة، مع المداهمات وحملات إذلال الناس وخلق أجواء بهدف الإرهاب، والقضاء على معنويات السكان العالية، لدى معرفتهم بخسائر جيش الإحتلال في هذه العملية.
كانت بلدة برجا إحدى القرى المقاومة، ومن أوائل القرى المنتفضة في وجه الإحتلال. أهلها لم يخافوا ولم يسكتوا، بل أعدوا العدة للمواجهة، بالبيان والتظاهرة والنكتة، فنشروا النكات عن الإسرائيليين، كما انتشر شبابهم في الليالي خلف الصخور وفي الوديان، ينقلون الأسلحة ويخبئونها ويستطلعون المواقع العسكرية، وفي اللحظة المناسبة يهاجمون.
أما نساء برجا، فلم يكونوا على حياد تماماً، ولم يختبئن في المواجهات، بل خرجن في التظاهرات وضربن العملاء ووزعن البيانات ضد الإحتلال، وأطلقن دعوات للمقاومة ومقاطعة البضائع الإسرائيلية التي كانت تغرق الأسواق اللبنانية. وكنّ أيضاً ينقلن السلاح والعبوات الناسفة.
في ظل هذه الأجواء، كانت نازك دمج امرأة متزوجة من أستاذ مدرسة معروف بانتمائه الوطني، وهي طالبة في دار المعلمين، تنتظر تخرجها لتعمل في التدريس، وأم لطفلين في ذلك الحين.
ولم تكن نازك امرأة محايدة، بل كانت أيضاً تنتمي إلى حزب يساري، وجدت فيه إمكان تحقيق تطلعاتها المستقبلية. ونتيجة وعيها السياسي، استطاعت التصرف بحنكة في قضية عملية “وادي الزينة”.
تقول نازك: “عندما حصلت العملية، كنت أتوقع أن يداهم الإسرائيليون منزلنا، حسبت أن الأمر سيحصل، فقد شنّوا حملة مداهمات واسعة في البلدة، واعتقلوا بعض الشبان، ليلة 15 آذار 1983. كانت ابنتي راغدة في الشهر الثامن من عمرها، أعطيتها قنينة الحليب وتركتها تنام بجانبي في السرير. في الساعة الواحدة والنصف، قلت إنهم لم يأتوا، وضعت راغدة في سريرها، وعدت إلى سريري.
لم يكن كمال زوجي ينام في البيت طبعاً، ذلك ضمن الإحتياطات الأمنية التي كان يأخذها. قرعوا باب المنزل. لم أسمع، دخلوا إلى البيت من دون أن أشعر بهم. دخل صهر زوج أختي وأيقظني قائلاص: “نازك قومي، جاء الإسرائيليون ليسألوا عن كمال”. نهضت وأنا في حالة هلع، أشار صهري إليّ بألاّ أتكلم.
في تلك اللحظات، فكرت بما يجب أن أقوله لهم. بدأ التحقيق معي، وأجبتهم على أسئلتهم التي تتكرر وتتكرر في محاولة منهم لإيقاعي. قلت لهم: كمال ليس موجوداً في المنزل. أنا كنت في صيدا وعدت في الساعة الرابعة ولم أجده. سألت عنه، فقالوا لي تناول غداءه وذهب إلى الجامعة في بيروت. فقال الصهاينة لي: ذهبنا إلى المدرسة صباحاً ولم نجده، ونريد معرفة المكان الذي يختبىء به.
ووسط التهديد الذي لم ينفع معي، بدأ أحدهم أقل حدّة قائلاً: إذا قلت لنا عن مكان وجوده نعدك بأنه سيذهب بكرامة ويعود بكرامة، لكنني رفضت تصديقه وأصررت على كلامي، لكن أختي تدخلت قائلة: إذا أردتم كمال فهو أستاذ مدرسة، وكل يوم الساعة الثامنة يبدأ دوامه.
ضربت أختي برجلي، طالبة منها عدم التدخل، إذ خفت من تناقض كلامنا معهم. تضيف نازك: عندما لم يجدوا شيئاً يستفيدون منه، طلبوا مني إرتداء ثيابي، وكنت ما زلت في ثوب النوم، لأنهم يريدون أخذي الى التحقيق معي. بدّلت ملابسي، ورفض صهري أن أذهب معهم بمفردي. سرعان ما صعد إلى منزله الكائن في الطابق العلوي لمنزلنا، ولبس ثيابه ورافقني. قبّلت راغدة وهي نائمة، وأعطيتها لأختي كي تهتم بها وكذلك ابني.
علمت فيما بعد، أن كمال جاء إلى المنزل في السابعة والنصف صباحاً. لم يكن عنده تعليم في الساعة الأولى، لديه ساعة فراغ، فقرر أن يأتي إلى المنزل، من دون أن يعلم أن الصهاينة اقتحموا المدرسة التي يعمل فيها. أما أهالي الحيّ الذين شاهدوه، فطلبوا منه عدم إكمال سيره نحو المنزل، وعدم الذهاب إلى المدرسة كذلك. نصحوه بقولهم: “الجماعة قتل منهم 16 عنصراً، إذا علقت بين أيديهم، راحت عليك”، تكررت هذه الجملة، واندفع كمال نحو أحد المنازل الآمنة، واستطاع الهرب من الإسرائيليين إلى خارج المنطقة.
تابعت نازك: صهري كان خائفاً. هددوه بنسف المنزل، إذا لم أرافقهم إلى صيدا. كان علّي أن أفكر بالجميع في تلك اللحظة، زوجي، أختي وصهري وأولادي والشباب. ذهبت معهم، أصعدوني الى جيب عسكري. لم أسمح لهم بأن يدفعوني إلى داخله، لكن أختي جميلة لم تتحمل المشهد، فاقتربت من الضابط وأمسكت به صارخة: “هذه امرأة، إلى أين تأخذونها؟ اذهبوا وابحثوا عن زوجها وخذوه”. وبعد أن فشلت في الحصول على ردّ، قالت لهم: “خذوني معها”، وبالطبع لم يردوا عليها، وانسحبت القوة العسكرية نحو سرايا صيدا.
ما الذي حصل هناك: تحقيق جديد وترغيب وترهيب، هكذا تختصر نازك الحالة. وتضيف: “رآني الميجر الإسرائيلي، فقال: “لماذا لم تعترفي، لو اعترفت لما أحضرناك إلى هنا”. ذكروا كلاماً محرفاً لما قلته في المنزل، لكني أصررت على الكلام نفسه، واتهمتهم بتلفيق الأكاذيب، حين ادعوا أنهم حصلوا على بعض المعلومات عن زوجي وتحرك الشباب من العملاء. بعض فاعليات البلدة، كان يريد أن أخرج من محنتي، فاتجه نحو عميلين وأطلب إليهما التدخل من أجل الإفراج عني، لأنني امرأة، والمرأة يجب أن تكون في منزلها وإلى جانب أولادها.
بالطبع، لم أكن أريد أن تحصل هذه الإتصالات بالعملاء، خصوصاً أنهم تسببوا بالكثير من الأحداث، التي أدت إلى إرسال نحو 400 شاب من البلدة إلى معتقل أنصار. وكنت قد اطمأنيت إلى خروج كمال من البلدة بخير، ولم يعد هناك شيء يهمني، وبإمكاني التصرّف مع الإسرائيليين.
لكن حادثة إعتقالي كانت سابقة في البلدة في معظم المناطق المحتلة، والتعاطي مع مسألة إعتقال النساء هو على أساس أنها “مسّ بالمحرمات”، كانت تحرّض مشاعر الناس العاديين. البلدة كانت تغلي بحسب التعبير الشائع، في ذلك الوقت. أما أنا، فكنت أجلس في غرفة فيها طاولة وكرسي واحد.
مرّ الوقت بطيئاً، الساعة السابعة مساءً، علمت أنهم لن يطلقوني، وسأبقى رهينة حتى يأتي زوجي ويسلّم نفسه. أحضروا لي طعاماً، رفضته. قلت: لن آكل وأولادي من دون طعام، لا أمهم بجانبهم ولا أبوهم أيضاً، فردّ عليّ أحد الجنود “الصبي الكبير يطعم الولد الصغير”، أجبته أن طفلي الكبير عمره سنتان، وأخته عمرها ثمانية شهور.
في ساعة متأخرة من الليل، أحضروا لي فراش إسفنج وحراماً، وطلبوا أن أنام، قلت: لن أنام، فكان ردّ أحدهم اذا لم تنمي، سأضطر لإبقاء جندي معك في الغرفة. قلت في نفسي: يا رب السترة، وصرخت به: إذهب من هنا، تمددت على الفراش، ووضعت معطفي تحت رأسي وتغطيت بالحرام، لكنني بالطبع لم أنم. سمعت أذان الصباح، قلت ربما جاء الفرج. ارتديت معطفي وجلست. أقفلوا عليّ الباب، أحضروا لي طعام الصباح، لكنني رفضته، فتحت الباب وصرخت، أريد أن أرى الميجر، عليّ الذهاب إلى أولادي، لكن لا جواب.
أضافت: عند الثانية والنصف من بعد الظهر، سمعت صوت مختار برجا، أحسست بالفرح. قلت ربما هناك تحرك لإخراجي من هنا، لكن سمعت صوت المختار يقول: يعني أذهب وأقول لأهلها إن عليكم تسليم زوجها؟ عندما سمعت هذه الجملة، عرفت أن المختار خائف، ولا يستطيع مواجهتهم، حتى إنه لم يقل إنها أم لطفلين صغيرين.
حضر أحد المحقيين، فأصريت على الكلام نفسه، لكنني هذه المرة، اعترفت لهذا المحقق بأنني حامل، وأن لدي ورقة من الطبيب. كأن المحقق أصابه مسّ لدى سماعه أنني حامل، فصرخ: “يلا.. برّا، روحي عالبيت”، كانت المسألة سهلة.
خرجت، وذهبت إلى البلدة، كانت الساعة تقارب الخامسة بعد الظهر. خارج السرايا كان أهلي في الإنتظار، وأعداد من المحبين وعشرات السيارات.
عندما دخلنا إلى برجا، بدأت السيارات بإطلاق الزمامير، وخرجت النساء لترمي على رأسي الأرز. تدفق المئات إلى ساحة البلدة، وتخلّص الأهالي من خوفهم. حملوا الزهور وأحضروا الطبل والناي. عزفوا ودبكوا وزغردت النساء،ورافقوني إلى منزلي مشياً. كانت تلك إنتفاضة فرح ضد الإحتلال.
وعن شعورها تجاه ما حصل، تقول: كنت سعيدة لأنني أخرجت زوجي من المأزق، كذلك كنت مرتاحة لأنني إلتقيت في مركز التحقيق، عدداً من الشبان المعتقلين الذين كنت أعرفهم، وتصرفت على أساس أنني لا أعرف منهم أحداً، حتى لا أتورط ويتورطون هم في التحقيق. ما حدث كان اختباراً بالنسبة لي. تأملت كثيراً في وجوههم، لأن رؤوسهم كانت معبأة بأكياس. كانوا من كثرة الضرب والتعذيب، لا يستطيعون جرّ أجسادهم المنهارة إلى الحمام، ورأيت شباناً منهم ينقلون الحجارة والمياه في إحدى باحات السرايا.
نازك التي أصبحت رمزاً وطنياً في البلدة، لم تطوّر نشاطها السياسي، بعد إنحسار العمل الحزبي، وسقوط الأوهام والأحلام، وصعود قوى سياسية جديدة تغلغلت في أوساط الجيل الجديد. كما أن التقاليد والعادات بحسب قولها، تحول دون مشاركة النساء في مواقع حساسة، فليس هناك إعتراف بقدراتهن وطاقاتهن، ولا أحد يشجع النساء في منطقتنا على الخروج من الشرنقة.
تعمل نازك حالياً معلمة في مدرسة برجا الرسمية للصبيان. تراهن على دورها التربوي، لكنها لا تبدو طموحة إلى تطوير تجربتها النضالية .



