مقالات

إشرب من حيث تشرب الخيول!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“أغلقت شرفتي.. لأني لا أريد أن أسمع البكاء.. لكن من خلف الجدران الرمادية.. لا شيء يُسمع غير البكاء.. توجد ملائكة قليلة تُغنّي.. توجد كلاب قليلة تنبح.. الدموع تُكمّم فم الريح.. ولا شيء يُسمع غير البكاء”.

                                                                                     فيديريكو غارثيا لوركا*

… “إشرب من حيث تشرب الخيول، فالحصان لا يشرب الماء الفاسد أبدًا… لم يبقَ في لبنان سوى سلطة الضباع المفترسة.. حيوانات القمامة والنفايات والجيفة والجثث.. سلطة رموز الغدر.. عهد “كفتار”، والكائن العواء.. والمصارف المستذئبة.. والتهام ما تبقى من جثة المواطن والوطن.. عهد الضياع والضباع، التي لا يعنيها لون وطعم ونقاء وعذوبة الماء ولون الدم رمادياً.. ضباع القمّامة الكاسحة التي تقتات على الجيفة وبقايا ما تبقى من الجثث.. حيوانات مفترسة تصطاد الثدييات الكبيرة والصغيرة  وتقتات على الحشرات كيفما كانت وأينما كانت..

ضباع رحالة تبحث دائماً عن جيفة أو جثة أو قتيلا، تنتقل بين مصادر المياه الآثمة واحدة تلو الأخرى ولا تبتعد عن بعضها.. تعيش مثل الغيلان في مجموعات (عائلية) صغيرة في جحورها وقصورها وطوائفها وقلاعها و”فيدرالياتها”.. ضباع انعزالية مفترسة تأكل صغارها وترتوي من مائها ودمها وحليبها.. تظهر دائماً بشكل متكرر في الكثير من الحضارات البشريّة وغالبا ما تُصوًر على أنها مخلوقات مخيفة، ينبغي الحذر منها والابتعاد عنها، وإبعادها بعيدا. ضباع (العائلات) الانعزالية في معابدها الوثنية وأصنامها المقدسة.. المخلوقات الضبعية التي يمكن رؤيتها أحيانا وهي متجمعة في احتفاليات المذابح على الذبائح الطائفية و”الديموغرافية” و”الجيو/ سياسية” الغبية..؟!

أو مجتمعة على تقسيم الضحية والأضحية، وضحايا الحروب المبرمجة على وقع القنابل المضيئة والقنابل الدخانية والقنابل الموقوتة.. ناهيك عن فصيلة الضبع المخطط (ذو الألوان) الحزبية الملونة والملعونة.. الحيوان، أو الحزب القارت (الآكل لكل شيء) وكل شيء من الأخضر إلى اليابس.. من اإنسان الى الجيفة.. كما تقتات هذه الضباع الآدمية على جيفة الإنسان إن وجدت؛ وتفترسه حياً وميتاً ان لم توجد.

لذا توضع في بعض البلدان والحضارات، أحجارًا رخاميّة على قبور الأموات، والأموات الاحياء، لمنع الضباع المفترسة والضباع البشرية والأحزاب المتوحشة من نبش القبور والاقتيات على جثث الضحايا، والإنسان المجهول، والجندي المجهول، والبلد المجهول، والتمثيل بها.. وقد اقتبست هذه العادات الضرورية في بلاد الشام خلال ومنذ الحرب العالمية الأولى، حيث فرض التجنيد الإجباري على سكان تلك البلاد، فقام الكثير من الرجال بالهرب في جميع الاتجاهات، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، حيث توفي بعضهم، وقتل معظمهم خلال الهروب الوجودي والحروب العبثية… في حين اقتاتت الضباع المتعددة على جثثهم أحياءً وأمواتًا. وعلى الرغم من أن ترويض بعض هذه الضباع الحزبية (الملونة) كما جاء في قواميس الحيوانات والأحزاب الناطقة، ليس أسهل من ترويض بعض الحيوانات المفترسة، إلا أن هذا النوع يظهر عدائية أقل تجاه الضباع من أقاربه الأكبر حجماً وأهمية ومكانة وقوة!

بنوك ومصارف النهب والسرقات والألعاب البهلوانية والقفازات السوداء المخملية، أقفلت أبوابها وخزائنها في وجه المواطن المقهور والمغلوب على أمره، وفتحت نوافذها الخلفية والباطنية والعميقة أمام من سرقوا الشعب والمواطن.. بنوك ومصارف الألعاب غير القانونية، القذرة، وحركاتها البهلوانية الرخيصة.. لها قوانينها في الاحتيال والنصب والسرقات المالية الموصوفة.. وللشعب الحيّ قوانينه الموصوفة في استرجاع أمواله المنهوبة حين يجدّ الجدّ، ويستيقظ المواطن مِن أفيون الكذب السياسي والمالي.. وأفيون العهد والدولة والسلطة السياسية.. وأفيون الجبهات والمنظمات والأحزاب والتيارات والجمعيات السياسية و(العسكريتارية) وأصحاب “الأيديولوجيات” والعقائد اليمينية والوسطية واليسارية، وما ملكت أيمانهم بقوة رأس المال والملكية الخاصة والعامة..

تظهر الضباع الناطقة بشكل متكرر في فلكلور وأدب الشرق الأوسط، والأدب السياسي قاطبة، وغالبا ما يتم تصويرها على أنها رمز للغدر كما ذكرنا أعلاه.. وفي معظم الدول العربية يعتقد الكثيرون بأن الضباع تجسيد حيّ للإنسان أو الجنّ، أو بحسب التعبير العاميّ “الجن يتلبسها” أو في (إعتقادي) المتواضع “الإنسان يتلبّسها”…؟! ذكر القزويني (1204–1283) في كتابه عجائب المخلوقات وغرائب الوجود قوم يُدعون بالضبعيون، وقال أنه لو وُجد شخص منهم بين 1000 شخص آخر، فإن الضبع يكون قادراً على الرغم من ذلك على انتقائه والتهامه كما تُلتهم الشعوب المغلوبة على أمرها.

تُظهر إحدى المقالات الطبيّة الفارسيّة المكتوبة عام 1376، كيفيّة شفاية الأشخاص آكلي لحوم البشر المعروفين باسم (كفتار)، والذي قيل بأنهم نصف ضباع ونصف آدميين. كما ذكر كمال الدين الضامري في كتابه الكتاب الكبير عن حياة الحيوانات (1406)، أن الضباع حيوانات مصاصة للدماء، تهاجم الناس خلال الليل، وتمتصّ دماءهم من أعناقهم، كما ذكر أن الضباع لا تهاجم سوى الأشخاص (الشجعان) الذين يشكلون حواجز بأجسادهم العارية وأفكارهم وقناعاتهم الصلبة، أمام جموح تلك (الحيوانات) المتوحشة..

وأمام توحشها ووحشيتها… يُقال في الفلكلور العربي، أيضاً، أن الضبع المخطط والملوّن يستطيع أن ينوّم ضحاياه مغنطيسيّا ،بواسطة عيناه أو في بعض الأحيان بواسطة “فيروموناته” (في حال بوّل على الضحية).

كان اليونانيون يعتقدون بفكرة شبيهة بفكرة الضامري حتى القرن التاسع عشر، ومفادها أن جثث المستذئبون سوف تسكن ميادين المعارك وبروج السلطة والحاكمية، بحال لم يتم تدميرها، تسكن على هيئة ضباع مصّاصة دماء.. تشرب من دماء ضحاياها في سردية سلطة (الغاية و الغابة)، تبرر الوسيلة في تراجيديا “فن الممكن” في تحقيق نزوات وشذوذ مفهوم أو تعريف “المستحيل” في العقول السيكوباتية المُفخخة والمريضة بسرطان الانتشار والهيمنة والسلطه !

في كتابه “تهمة الياس” كتب شوبنهاور: “نحن مثل الخراف في الحقل، تلهو تحت عين الجزار الذي يختار واحداً تلو الآخر، ليكون ضحيته. ولذلك فإننا في أيامنا الجيدة نكون غير واعين للشر الذي لربما يخبئه لنا القدر: المرض، الفقر، التشوه، خسارة النظر والعقل”.. هل ما يجري في لبنان أصبح جزءًا من حصّة شيطان العهد في كل شيء وكل شيء؟ هل نحن في مرحلة شرور العهد المطلق ومناطق العتمة في عهد العتمة المطلقة؟ هل اللاشعور هو محرك (الوعي الغائب) و(العقل المُغيّب).. أو مجرد فصل من حصة الشيطان الأكبر.. في عهد شيطان الشر الأصغر.. والعتمة المطلقة؟ متى سنتعلم وضع النقاط على الحروف في سلسلة الانهيارات السياسية والاقتصادية والمالية والاخلاقية والوجودية في تاريخ وطن إسمه لبنان وشعب إسمه شعب لبنان؟ متى سنقول ان السلطة اللبنانية السياسية كلها، والسلطة المالية كلها، والسلطة الاقتصادية كلها، مَن سرق الوطن والمواطن والمواطنية والدولة كلها…؟! نقطة آخر السطر.

* “أريد أن أنام كما ينام التفاح، وأبتعد عن صخب المقابر. أريد أن أنام نوم ذاك الطفل الذي أراد أن يشق القلب في عرضِ البحر. لا أريد أن يعيدوا علي أن الأَموات لا يفقدون دمهم. وأن الفم المتعفن ما يزال متعطشاً للماء. لا أريد أن أعلم بعذابات يسبّبها العشب، ولا عن القمر ذي الفم الأفعواني الذي ينشط قبل طلوع الفجر. أريد أن أغفو هنيهة برهة، دقيقة، قرناً.. لكن، ليعلم الجميع أني لم أمت، وأني أحمل بين شفّتي زريبة ذهبية، وأني الصديق الصغير لريح الغرب، واني الظل الْعظيم لدموعي. دثّريني بالحجاب فجراً، لأنه سيرُشُّني بحفنات نملٍ، ويبلِّل حذائي بماءٍ عسر كي تنزلق ذؤابة عقربه. لأني أريد أن أنام كما ينام التفاح، لأتعلم بكاءً يطهِّرنِي من التراب لأني أريد أن أعيش مع ذاك الطفل المُعتم.. الذي أراد أن يشق القلب في عرض البحر”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى