إمبراطورية العتبات المالية.. قوة (العمامة) الناعمة للسيطرة على الدولة

كتب صادق الحسن/ العراق
خاص “المدارنت”..
تستحوذ مؤسسات العتبات الدينية في العراق، خصوصاً العتبتين الحسينية والعباسية، على مشاريع واسعة، وتقدم الدولة مختلف التسهيلات للعتبات من أجل نجاح هذه المشاريع، تشمل هذه التسهيلات الإعفاء الضريبي وتسهيلات إدارية بعيداً عن بيروقراطية الدولة العراقية، وقروض مصرفية، وإحالة مشاريع من دون منافسة اقتصادية مع شركات أخرى، وتخصيص أراضي بشكل مجاني لهذه المشاريع، وإعفاء المواد التي تستوردها العتبات من الرسوم الجمركية.
هذه التسهيلات لا يحصل عليها المستثمر العراقي العادي، بل على العكس يترك بلا حماية أمنية عرضةً للابتزاز من قبل الميليشيات، هذه التسهيلات المقدمة، ساعدت العتبات على توسيع مشاريعها الاستثمارية في الموانيء والمطارات والزراعة والصحة والتعليم. تستخدم هذه النجاحات التي تحققها مشاريع العتبات، كقوة ناعمة للترويج لمرجعية النجف، ممثلة بمكتب المرجع علي السيستاني، وقدرتها على النجاح في الإدارة والتنمية، وبهذا تعمل مؤسسة العتبات كذراع اقتصادي للمرجعية تأكل من جرف الدولة وتوسع من نفوذ المرجعية وتدخلها في الشأن السياسي والاجتماعي.
ثم تعمل الجيوش الإعلامية المرتبطة بالعتبات على الترويج لهذا النجاح مقابل الفشل الحكومي في تنفيذ المشاريع، مطالبين بتدخل العتبات بمزيدٍّ من المشاريع في مختلف المجالات، وقد أفضت هذه المطالبات مثلاً إلى إحالة طباعة الكتب المدرسية لمطابع العتبات وغيرها من المشاريع.
تعتبر العتبات الدينية مؤسسة من مؤسسات الدولة حسب قانون إدارة العتبات والمزارات الشيعية رقم (19) لسنة 2005، وهي تابعة للوقف الشيعي، حدد هذا القانون في الباب الثاني المادة الرابعة طريقة اختيار الأمين العام للعتبات الدينية والتي تتم بترشيح من رئيس ديوان الوقف الشيعي وبموافقة من المرجع الديني الأعلى للشيعة في العراق، وقد حُددت مدة رئاسة الأمين العام للعتبات بدورتين كحد أقصى على أن لا تتجاوز كل دورة ثلاث سنوات، لكن جرى إلتفاف على هذا القانون، حيث حُجب منصب الأمين العام واستبدل بمنصب المتولي الشرعي، وهو منصب لا وجود له في القانون المذكور، لكن جرى الالتفاف على هذا القانون من أجل تمديد إدارة العتبتين العباسية والحسينية من قبل احمد الصافي وعبد المهدي الكربلائي.

كما سمح هذا القانون للعتبات بالاستثمار في أموالها، إذ لا إعتراض في أصل الإستثمار لكن الاعتراض على الالتفاف على القانون واستخدام رمزية الأئمة لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة وتوظيف هذه المكاسب لصالح جهات معينة دينية أو سياسية واستخدامها كدعايات للترويج للــ”العمامة”، هذا التوسع في المشاريع التي تنفذها العتبات يأتي على حساب الدولة وكأن العتبات تريد أن تكون بديلاً للدولة أو على الأقل تكون مثل الشركات الكبرى في الدول الرأسمالية حيث تمتلك تأثيراً ونفوذاً على القرار السياسي، أي تكون دولة عميقة أو دولة موازية. لم تكتفِ العتبات الدينية بالاستثمار الاقتصادي فقط، فقد لجأت لتشكيل ميليشيات مسلحة بعد أجتياح تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” للعراق، وأسّست أربعة فرق عسكرية (فرقة العباس القتالية، فرقة الإمام علي، لواء علي الأكبر، لواء أنصار المرجعية) وقد أستقلت هذه الفرق الميليشياوية عن هيأة الحشد الشعبي الرسمية في أيلول 2021، وأسست هيأة خاصة بها (هيأة حشد العتبات) يقودها ميثم الزيدي وترتبط بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، رئیس الوزراء، وبهذا تكون العتبات الدينية، قد أكملت تأسيس دولتها العميقة، إذ تمتلك أذرع اقتصادية وعسكرية تمكنها من التحكم بالمشهد السياسي والتدخل في إدارة البلد من خلف الكواليس وبعيداً عن الأضواء .
لنذكر مثالاً بسيطاً عن أستخدام مشاريع العتبات الدينية لغرض الدعاية والترويج لجهات معينة. في صيف 2018، اندلعت تظاهرات حاشدة في مدينة البصرة جنوب العراق، كانت التظاهرات بسبب أزمة ملوحة المياه في البصرة، حيث تسمم مئات الأشخاص، وراح نتيجة التظاهرات عشرات القتلى برصاص القوات الحكومية.
في تلك الفترة زار (المتولي الشرعي) للعتبة العباسية “أحمد الصافي” مدينة البصرة، كان هدف الزيارة تقليل الإحتقان الشعبي ضد الحكومة وامتصاص غضب الشارع لتهدئة الوضع، وقد وعدَ الصافي بحل مشكلة المياه وقال في تصريحٍّ صحافي: “أنا مكلّف من قبل المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني، بمهمة محددة، وهي مساعدة أهلي في البصرة لتجاوز محنتهم الكبرى فيما يخصّ مسألة المياه، وأنه يواصل الليل بالنهار لوضع خطط وحلول آنية ومتوسطة وبعيدة المدى لتجاوز المشكلة، وقد باشر عملياً بالتنفيذ قدر المستطاع، مبينا أنه يمثل المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني في هذا الامر وليس العتبتين الحسينية والعباسية”.
بعد تصريح الصافي بدأت الجيوش الإعلامية والإلكترونية المرتبطة بالعتبات، بالترويج لهذا الفتح الكبير، والترويج للعمامة ولمرجعية النجف التي تقدم مشاريع وخدمة إنسانية للمجتمع، وأُطلق “هاشتاغ” في مواقع التواصل الإجتماعي المختلفة بعنوان (شغل العمامة) یرافقه ثناء ومديح للعمامة التي تنجز المشاريع التي عجزت الحكومة أن تنفذها، بل وتطرف بعضهم وطالب بضرورة تسليم العتبات الدينية إدارة مؤسسات الدولة الأخرى لأنها الوحيدة القادرة على تحقيق النجاح مقابل الفشل الحكومي في إدارة المؤسسات والمشاريع.
لكن كشفت الأيام اللاحقة عدم دقة كلام الصافي، فقد حصلت العتبة الحسينية بالاتفاق مع الحكومة المحلية في البصرة، على عقود تأهيل وصيانة وتشغيل عدد من محطات المياه في مدينة البصرة، مقابل 4 مليار دينار عراقي (حوالي 3 مليون دولار)!، لم تنكشف لنا هذه الحقيقة، إلا بعد تلكؤ الكوادر الهندسية والفنية للعتبة بتنفيذ المشروع وفق الفترة الزمنية المحددة، وحدث على أثر ذلك خلاف بينها وبين محافظ البصرة “أسعد العيداني”، ليخرج المهندس حسين رضا مدير قسم المشاريع في العتبة الحسينية بتصريح يكشف تفاصيل العقد البالغ 4 مليار دينار عراقي.
يستخدم المقدس في العراق، خصوصاً رمزية الأئمة، تجارياً، للتربح وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لجهات وأطراف معينة مستغلين عاطفة الناس الدينية، فتجد جامعات ومستشفيات ضخمة وشركات كبرى بأسم “الكفيل” وهو الاسم الذي يطلقه العراقيون على الإمام العباس بن علي، ومن كثرة المتاجرة بالإسم شاعت تسمية ساخرة “دولة الكفيل” في إشارة إلى الدولة العميقة التي تقوم بتأسيسها العتبات الدينية في العراق، مستغلةً رمزية الأسم وقدسيته عند العراقيين.



