مقالات

إيران ومشروعها “الإمبريالي” في المنطقة!

كتب صادق الحسن/ العراق

خاص “المدارنت”..

في نهاية الثمانينات يُسأل حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني، عن المشروع السياسي الذي يتبناه الحزب في لبنان، فيجيب بما معناه؛ أن مشروع حزب الله هو تأسيس دولة وحكومة إسلامية في لبنان، لا يكون فيه لبنان جمهورية إسلامية مستقلة بذاتها، بل جزءًا من الجمهورية الإسلامية في إيران التي يقودها الإمام صاحب الزمان (يقصد الإمام الثاني عشر عند الشيعية، المهدي)، ووليه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني.

تنم الإجابة عن سذاجة سياسية، لكنها إجابة صريحة وواقعية وتوضح المشروع الإيراني الذي تسعى من خلاله للهيمنة على المنطقة. ابتدأ المشروع الإيراني مع صعود “آيات الله” إلى الحكم، وعلى رأسهم الخميني، عقب الثورة الإيرانية التي أطاحت بحكم الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979.

یتلخص المشروع الاستعماري الإيراني بتصدير “الثورة الإسلامية” إلى البلدان العربية المجاورة، وكان العراق البلد الأول المستهدف بتصدير الفوضى له، وقد أرسل الخميني رسالته الشهيرة إلى محمد باقر الصدر، يدعوه فيها إلى البقاء في العراق، وعدم مغادرة النجف في الوقت الحالي، وقد بثت الرسالة عبر إذاعة إيران الناطقة باللغة العربية.

فُهمت هذه الرسالة من قبل نظام البعث في العراق على أنها دعوة وإشارة للصدر للثورة على حزب البعث، مما أدى إلى اعتقال الصدر وإعدامه (أعدم في نيسان 1980)، قبلها قامت الأحزاب والمنظمات الإسلامية التي تتماهى مع المشروع الإيراني (مثل حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي)، ببعض العمليات الإرهابية داخل العراق مثل تفجير الجامعة المستنصرية في بداية نيسان 1980 الذي كان يستهدف محاولة إغتيال طارق عزیز، ثم قامت إيران باعتداءات متكررة وقصف على المخافر والنقاط الحدودية مع العراق، مما اضطر العراق الى تقدين شكوى على إيران لدى الأمم المتحدة، وعندما لم يجد حلاً لإيقاف الاعتداءات الإيرانية المتكررة، اضطر العراق لدخول الحرب التي استمرت لثمانِ سنوات، عجزت فيها إيران عن إحراز النصر على العراقيين، واستنزفت قدرتها البشرية والمادية، مما جعل الخميني مرغماً على القبول بقرار وقف إطلاق النار الذي وصفه بتجرع كأس السمّ.

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

كان عدم إحراز إيران لنصر على العراق في تلك الحرب، أكبر معرقل للمشروع الإيراني، لكنها على الجانب الآخر، وجدت في حزب الله ضالتها لإمكانية تحقيق نفوذ في لبنان من خلاله، وقد نجحت في ذلك، حتى أصبح الحزب اليوم، ممثلاً للمصالح الإيرانية، يختطف الدولة اللبنانية، ويعرقل تشكيل الحكومات، وأصبح سلاح الحزب أداة تستخدمه إيران ضد إسرائيل، كلما توترت العلاقة بينهما، من دون أي مراعاة لمصالح لبنان ووضعه الداخلي.

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

لقد وجدت إيران في الطائفية السياسية وجماعات الإسلام السياسي، إمكانية لتحقيق مشروعها، فسيطرت إيران على المعارضة العراقية، وأسست “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” الذي يتزعمه آل الحكيم، وكذلك دعمت حزب الدعوة (حكم العراق من 2005 – 2018). كان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، أكبر هدية يتلقاها المشروع الإيراني، فتحت لإيران الأبواب للسيطرة على المنطقة من خلال وكلائها المحليين، دعمت إيران الطائفية السياسية في العراق، ودعمت تأسيس الميليشيات لأضعاف الدولة والجيش النظامي، وتحكمت بأغلب رؤساء الأحزاب وقادة النظام السياسي في العراق، لدرجة أنهم باتوا يقدمون مصالح إيران على مصالح العراق، حتى أن عبد العزيز الحكيم صرّح ذات مرّة “يجب على العراق تعویض إيران بـ100 مليار دولار بسبب الحرب بينهما”.

كان الإنسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، وما أحدثه من فراغ، يعني تسليم العراق على طبقٍ من ذهب إلى إيران، وبهذا نجحت إيران من تحقيق نفوذ كبير لها في ثاني بلد عربي. ثم جاءت أحداث “الربيع العربي”، لتجد إيران موطئ قدم لها في أكثر من بلد عربي، مثل سوريا واليمن، وفي سوريا، غذّت الطائفية السياسية لنظام بشار الأسد، وتدخلت لصالحه، عن طريق الميليشيات العراقية وحزب الله، لوأد الثورة السورية، وأصبحت اليوم إيران أحد المتحكمين بالمشهد السوري. وفي اليمن دعمت حركة أنصار الله “الحوثيين” التي قامت بالانقلاب على النظام الشرعي، وهي تسيطر الآن “أي جماعة الحوثي” على اليمن، وقامت باستهداف السعودية والإمارات أكثر من مرة.

كذلك حاولت إيران، أن تتعم تظاهرات البحرين في 2011، وتغذي الطائفية هناك، لتجد لها موطئ قدم في دول الخليج العربي، لكن تماسك الشعب البحريني، وتدخل “قوات درع الجزيرة”، فوّت الفرصة على إيران للسيطرة على بلد عربي آخر.

ليس من فراغ، أن يعلن المسؤولون الإيرانون أنهم يسيطرون على أربعة عواصم عربية؛ بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء. فهم بالفعل يتحكمون بهذه العواصم عن طريق وكلائهم المحليين، ولهم جيوش موالية لهم في كل هذه العواصم. وقال قبل عام اللواء غلام علي رشيد قائد مقر خاتم الأنبياء: “إن إيران تمتلك ستة جيوش خارج حدودها؛ جيش في لبنان يُسمى حزب الله، وجيش في فلسطين يُسمى حماس والجهاد الإسلامي، وجيش في سوريا وجيش عراقي يُسمى الحشد الشعبي، وجيش في اليمن يُسمى أنصار الله (الحوثيون). وأيّ عدو يريد محاربة النظام الإسلامي، يجب أن يمرّ عبر هذه الجيوش الستة، كما ان العدو لا يستطيع تنفيذ مهمته مع وجود الجيوش الستة”.

كانت السياسات الأمريكية الخاطئة، خصوصاً سياسة (بارك) أوباما، وعدم وجود مشروع عربي موحد، أهم العوامل التي ساعدت إيران في تحقيق نفوذها الواسع في هذه البلدان العربية، فانتصار المشروع الإيراني، ليس حتميَا، لكن مواجهته تحتاج إلى توحيد الجهود الوطنية والعربية، فالمشروع الإيراني/ الامبريالي، لا يستهدف دولاً محددة، ولن يتوقف عند حدٍ معين، بل يستهدف جميع البلدان العربية، وكلما سيطرت إيران على بلد عربي، تبدأ في التفكير في السيطرة على بلد آخر، لقد كان محقاً الملك عبد الله بن الحسين في مطالبته بضرورة تشكيل “ناتو عربي”، من أجل مواجهة خطر المشروع الإيراني.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى