اعتراف سوريا بكوسوفو يُعيد مكانتها بين الأمم!
خاص “المدارنت
بعد أربعة عشر عاماً من حربٍ مزّقت الجغرافيا وأدمت القلوب، وستين عاماً من الاستبداد الذي صادر القرار الوطني، تأتي خطوة اعتراف سوريا بدولة كوسوفو كإشارة سياسية عميقة المعنى، تُعلن أن البلاد بدأت تستعيد روحها الحرة وموقعها الطبيعي بين الأمم. وإعلان عن ميلاد سوريا جديدة، تعرف ما تريد، وتختار أن تفتح نوافذها على العالم من موقع الندّ لا التابع.
لسنوات طويلة، كانت السياسة السورية رهينةً لعقلٍ واحدٍ يحتكر القرار، يوزّع الولاء شرقاً وغرباً وفق حسابات البقاء لا المصلحة الوطنية. حُوصرت سوريا في عهده داخل أسوار من العزلة، وارتُهنت لسياسات موسكو وطهران حتى غاب صوتها الحقيقي عن العالم. اليوم، يطلّ هذا الصوت من جديد، واضحاً وهادئاً، ليقول: نحن دولة ذات سيادة، نقرّ بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ونسعى لعلاقات متوازنة مع الجميع، لا نخاف من الانفتاح ولا نتورّط في التبعية.
الاعتراف بكوسوفو ليس مجاملة دبلوماسية، بل إعلان عن عودة الوعي الوطني إلى بوصلته. إنه يعبّر عن إدراك عميق بأن استقلال القرار لا يتحقق إلا بتحرير السياسة الخارجية من الإرث الثقيل للارتهان، وبأن سوريا التي عانت ودفعت أثماناً باهظة، تستحق أن تُعامل باحترام وأن تعود لاعباً لا ملعباً.

إن سوريا اليوم، وهي تخرج من الحرب بخطى مثقلة بالألم ولكن مفعمة بالأمل، تدرك أن انفتاحها على العالم ليس ضعفاً بل قوة، وأنها قادرة على مدّ اليد لكل من يريد علاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل. الاعتراف بدولة كوسوفو هو أحد تجليات هذا الوعي الجديد، خطوة صغيرة في الشكل، كبيرة في المضمون، تقول للعالم إن دمشق لم تعد أسيرة محور أو وصاية، وإنها تتجه لبناء علاقات متوازنة مع كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.
لقد آن لسوريا أن تستعيد وجهها الحضاري الذي حاول الاستبداد طمسه. آن لها أن تكون دولةً تنفتح على الجميع دون أن تفقد هويتها، وأن تبني سياستها الخارجية على القيم التي طالما آمنت بها: الحرية، السيادة، واحترام إرادة الشعوب. فما جدوى كل بطولات التاريخ إذا بقينا خارج الزمن؟ وما معنى الانتصار إن لم يفتح لنا طريقاً إلى سلامٍ كريم ومكانةٍ تليق بنا في العالم؟
اليوم، تعود سوريا لتقول للعالم إنها قادرة على النهوض، وأنها ليست بلداً مكسوراً بل وطناً يتعلم من جراحه ويصوغ تجربته من جديد. اعترافها بكوسوفو هو صوت دولةٍ تستعيد احترامها لنفسها قبل أن تطلب احترام الآخرين. هو رسالة بأن سوريا التي صمدت في وجه الإرهاب والحصار، قادرة الآن أن تصمد في معركة أصعب: معركة بناء الدولة الحرة المستقلة، دولة تنتمي إلى المستقبل لا إلى الماضي.
وسوريا اليوم، وهي تفتح صفحة جديدة من تاريخها، لا تطلب الاعتراف من أحد، بل تمنحه عن ثقة ووعي. لا تساوم على كرامتها، بل تصونها بالحوار والانفتاح والاحترام المتبادل. ومن بين ما خلّفته الحرب من جراح، وما أورثه الاستبداد من قيود، تنهض دولة تعرف قدر شعبها وتستعيد مكانها بين الأمم. إنها سوريا التي تُعيد رسم صورتها بيديها، لا بأيدي غيرها، سوريا التي تتكلم لغة الدبلوماسية من قلب التجربة والألم، لا من وراء المكاتب. دولة حيّة، دافئة، تعرف كيف تختلف دون أن تعادي، وكيف تمد يدها للعالم دون أن تنحني. سوريا التي عرفت الانكسار لكنها لم تُكسر، وعرفت الوجع لكنها لم تفقد كرامتها، سوريا التي تعود اليوم إلى ذاتها، وإلى العالم، بثقة من يعرف من هو، وإلى أين يريد أن يصل .




