الأحزاب القوميّة.. والمشروع القوميّ..

خاص “المدارنت”..
لم تكن الحركات الناصريّة هي الوحيدة الفاشلة في حمل المشروع القوميّ العربيّ، على المستوى الجماهيري – ولكن جملة الأحزاب القوميّة كان لها نصيب، أيضًا، في ضياع القواعد والحواضن الشعبية لهذا المشروع، الذي سيعيد الى العرب دورهم في صنع الحضارة الانسانيّة وبريقهم، الذي فقدوه، بين الأمم.
كان “حزب البعث العربيّ الاشتراكي”، قبل وبعد غياب جمال عبد الناصر، قد استلم السلطة في أهمّ واكبر بلدين عربيّين، بعد مصر، وهما سورية و العراق.
حكم الرئيس حافظ الاسد ورفاقُهُ سوريا بقبضة حديدية، وكذلك فعل صدّام حسين ورفاقه في العراق، فأنشأوا بنًى تحتِيّةً لدولتين، متجاورتين جغرافيًّا واجتماعيًّا ووجدانيًّا؛ فلو كان سعيُ حكّامِهِما للوحدة صادقًا وجدِّيًّا، لكانتا – بالفعل – النواة الحقيقية لدولة الوحدة العربيّة، التي لا يمكن أن يفُتَّ عضدَها عدوُّ أو طامع أو حتّى صديق.
لو تمّت وحدة العراق وسوريا، المحكومين من قِبَل حزب قوميّ عربيّ عقائديٍّ واحد، له قواعده الجماهيريّة العريضة في كلّ مكان، لتغيّرَ وجهُ المنطقة والاقليم و – حتّى – العالم. اذ انّ العراق بملايينه الثلاثين وثرواته النفطية والعلميّة الهائلة، وسوريا بملايينها المقاربة للثلاثين وموقعها الجغرافيّ على المتوسِّط، ستتشكّل منهما دولة مترامية الاطراف من الخليج الى المتوسّط، بجيش قويّ واحد واقتصاد متنوِّع وقويّ، تكون حافزًا لكلّ العرب من اجل اتّخاذ خطوات عمليّة مماثلة نحو الوحدة والنهوض.
أمّا الذي حصل فكان العكس تمامًا؛ اذ تنابذ الفرقاء وانقسم الحزب الى حزبين، ونشأت الخلافات والنزاعات والحروب، التي ادّت في نهاية المطاف الى خسارة دولة العراق بالكامل، وتدميره وتشتيت شعبه وتشريده، والى تدمير سوريا وتشريد شعبها وادخال المنطقة برمّتها في أتون القتل، والمزيد من الشرذمة والتبعيّة والاحتلال.
امّا حال الاحزاب القوميّة الاخرى، كحركة القوميّين العرب وغيرها، والاحزاب الوطنية المحليّة المنتشرة في كلّ بلد عربيّ، والاحزاب الاقليميّة المتجاوزة لبعض الحدود التقسيمة كالقوميّين السوريين، فكانت صورة اكثر تشوُّهًا وحيرةً وضياعًا – بخاصّة، وانها كانت مرتبطة ارتباطًا ماليًّا وسياسيًّا ومصيريًّا ببغداد ودمشق والقاهرة وطرابلس.
دخل الجميع في نفقٍ مظلمٍ لا يرى أحدٌ له نهاية – أو حتّى بصيص أمل في بقعة ضوء يمكن ان تشكِّل حافزًا لحُلُمٍ جديد.
أمّا الامّة فما تزال، وستبقى الى أمد بعيد، تعاني من ظروف التجزئة والتخلُّف والارتهان والتبعيّة، التي خلّفتها مئات السنين من الاحتلال والجهل والفقر والضياع.
هل هذا قدر الله فينا؟! بالتأكيد لا؛ إنّه مصير كلّ الذين لا يأخذون بأسباب النهوض – وينسفون جسور الانتقال إلى ضفاف التقدُّم والتطوُّر والارتقاء.




تحياتي لكم استاذ احمد ..