الأصـولـيـّـة..
د. محمد الحسامي/اليمن
خاص “المدرانت”... من دون الدخول في جدلية التعاريف المختلفة والمتنوعة والمتعددة لمصطلح “الأصولية”، لغوية كانت أم اصطلاحاً أم غيرها من التعريفات الأخرى، ومن دون الولوج كذلك في نشأة ذلك المصطلح والسياق التاريخي له، ومناسبته والدلالة التاريخية له، وكذلك من دون التطرق الى المواقف والآراء المختلفة حول ذلك المصطلح، إيجابا أو سلباً، وأنواعه وأشكاله وصوره ومظاهره… الخ. يمكن القول أن الأصولية هي اصطلاحٌ سياسي فكري مستحدث، يشير إلى نظرة متكاملة للحياة بكافة جوانبها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نابعة من قناعة متأصلة، من إيمانٍ بفكرةٍ أو منظومة قناعات، تكون في الغالب تصوراً دينياً ً أو عقيدةٍ دينية، بمعنى منظومة الأفكار والمعتقدات والرؤى، التي تشكل الوعي الجمعي الاجتماعي للأمة، أفرادا وجماعات وشعوب، بما ينتج عنها من كيفية التعامل مع الذات ومع الآخر.
أما إذا نظرنا إليها من وجهة النظر التاريخية الماضوية، فإن الأصولية في السياق التاريخي الماضوي، تعني العودة إلى ما تعدُّه جماعة معيّنة أو أمة معينة أساساً لهوِّيتها الثقافية، عودة تمليها الحاجة إلى توكيد الهوية الثقافية والحضارية والدفاع عنها إزاء تحد أو انتهاك خارجيين. وبحسب مقتضيات العودة إلى الأصول وإلى مرحلة التأسيس، أو «العصر الذهبي»، تكون الأصولية إما سلفية قوامها الحنين إلى الماضي، الذي يصير معياراً ذاتياً ينكشف في ضوئه فساد الحاضر وانحطاطه، أو تكون إصلاحية ومستقبلية قوامها تأصيل المنجزات الثقافية والعلمية والتقنية والأفكار والمفاهيم السياسية المعاصرة، بغيةَ إدماجها في المجال الثقافي الخاص بالجماعة أو الأمة المعنية، لتحقيق ضرب من التكيُّف مع العصر، وضرب من التواصل التاريخي، يمنحان الجماعة أو الأمة شعوراً بذاتيتها واستقلالها وفرادة شخصيتها الحضارية.
بهذا المعنى الأخير، لا تنفصل الأصولية عن «الوعي الذاتي» الذي يحدد رؤية الجماعة لذاتها وللآخر، ورؤيتها للعالم وللتاريخ. وبحسب مقتضيات العودة إلى الأصول ودواعيها، تكون الأصولية إما حركة إصلاح وتجديد وإعادة تأسيس عملية وإيجابية، أو حركة احتجاج ذاتية وسلبية.
فالأصولية ليست خاصة بأمة من الأمم أو شعب من الشعوب، أو مجتمعاً من المجتمعات أو حضارة من الحضارات، أو مبدأ ايديولوجي أو سياسي، أو دين من الأديان، فتلك الظاهرة، ظاهرة الأصولية، موجودة ومنتشرة في كل مكان، وبين كل الشعوب والأمم والمجتمعات والحضارات والأديان، إنما الاختلاف فيما بينها جميعاً، هو في درجة حدّتها وتغلغلها وتجذرها في العقلية والفكر والوعي لتلك الأمم والشعوب والمجتمعات والكيانات، وكذلك في مدى ودرجة سلبيتها وايجابيتها.
وعليه.. إذا نظرنا بعمق وحيادية تامة متجردة، من أيّ نوع أو شكل أو صورة من أنواع وأشكال وصور التعصب، واجرينا بحثا علميا منهجيا عن الحقيقة، لوجدنا أن إحدى الإشكاليات المهمة والخطيرة التي تعاني منها العقلية العربية الحاضرة، تتمثل بظاهرة الأصولية، أو بظاهرة الماضوية، سواء تلك العقلية الدينية الإسلاموية بتعددها، أو تلك العقلية القومية على اختلافها، أو تلك العقلية الأممية اليسارية المتعددة ايضاً، أو تلك العقلية اليبرالية، فهناك أصولية دينية إسلاموية، وهناك أصولية قومية، وهناك أصولية أممية يسارية، وهناك أصولية ليبرالية، وغيرها وغيرها من الأصوليات، لأن ذلك، وببساطة شديدة تتحكم فيه وتحكمه ماضوية تراثية، تلك الماضوية التي شكلت العقلية العربية الحاضرة بمختلف اتجاهاتها وانتمائتها. فتلك الايديولوجيات والأفكار والرؤى، لم تستطع حتى الآن تفكيك وتفسير تلك الماضوية التراثية، والإرتقاء إلى مستواها، إنما ظلت أسيرة لتلك الماضوية، كل يبحث فيها ويغوص، علّه يجد فيها شيئا يعزز فيه ايديولوجيته وأفكاره ورؤاه.
الخلاصة: إن المهمة الأساسية التي أمامنا جميعا كأمة، نخباً ومفكرين ومثقفين، وعلماء بالمقام الأول وبالدرجة الأولى، هو القيام بعملية تفكيكية لذلك الوعي، الذي أوصلنا جميعا إلى ما نحن فيه.. وذلك وفقا لمنهج علمي، ومن ثم القيام بعملية إحلالية بدلاً عنه وبديلا له، وذلك عبر سلسلة من العمليات المتتالية والمتتابعة التنويرية، من أجل تنوير العقلية العربية الحاضرة، وصولا إلى عقلية عربية تنويرية.
.. أعرف أن ذلك أمراً شاق وصعباً وعسيراً، وقد يكون حلماً طوباوياً ساذجاً عند البعض، لكنه ليس مستحيلاً، فما الحاجة إلاّ وعي النقص، وما تاريخ الآخر، إلاّ خير دليل وأنصع برهان وأقوى حجة دامغة على ذلك، شاء من شاء وأبى من أبى، طال الزمن أم قصر، بكم يتجدد الأمل والحلم.. ويتحقق.



