الإستحمار وتجهيل الفاعل..

خاص “المدارنت”..
يتمادى أطراف سلطة المحاصصة الطائفية الحاكمة في لبنان في تكريس سياسة إستحمار الناس وخداعهم، فاستحدثوا لذلك نهجا جديدا يعتمد على ثلاث ركائز أساسية:
الأولى:
– لعبة الموالاة والمعارضة ..إستغراقا في تزييف الوقائع وإخفاء الحقيقة عن الناس وتمرير الوقت بالإستهلاك للكلام المخادع وتبادل المواقع التنفيذية المباشرة فيما بينهم ، وتحديدا في الأسماء الوزارية.
فيما تبقى على حالها تلك المواقع التنفيذية غير المباشرة التي تتم عمليات المحاصصة والصفقات من خلالها وبواسطتها.. سواء كان هذا الطرف أو ذاك مشاركا في هذه الوزارة أو تلك؛ فإن حصته في “الكعكة الذهبية” مضمونة وتسير ضمن القنوات الثابتة والمتفق عليها بالتراضي.
الهدف هو ضمان بقائهم في السلطة وإستمرارهم في السيطرة على مواردها وممتلكاتها.
الثانية:
– تجهيل الفاعل لتشويش الناس وتزييف وعيهم بالحقائق الميدانية.. فكل طرف فيهم يتحدث بإسهاب وتفصيل جميلين عن الفساد والسلب والنهب، وعدم تمكن الدولة من جباية مواردها وغياب الرقابة وضعف القضاء والمؤسسات الحكومية، وإهدار مصالح المواطنين مما يتسبب بالأزمة الإقتصادية الاجتماعية الخانقة التي يعيشها لبنان.
يتحدثون ويسهبون في توصيف هذا الفساد المستشري ويطالبون بوضع حد له ومحاسبة المسؤولين عنه… يريدون بهذا إبعاد الشبهات عن أنفسهم وتبرئة ساحاتهم، وتشويش وعي الناس وتشتيت إنتباههم وتركيزهم على المسؤول الحقيقي، الذي هو هم أنفسهم .. أطراف السلطة ذاتها جميعا.. فيظنون أن سياسة تجهيل الفاعل تبعد الناس عن التركيز في المطالبة بمحاسبتهم هم، كمسؤولين حقيقيين عن الفساد والنهب والسلب والتبعية أيضا.
وهكذا – كما يظنون – يطيلون أمد تسلطهم وإستمرارهم في نهب البلاد وأهلها متمتعين بحمايات خارجية لأطراف متعددة يظنون أنها سوف تحميهم من غضب الشعب إلى الأبد..
الثالثة :
– سياسة التمويه و التمييع..
وتعتمد على الإسهاب في الحديث عن إنجازات وهمية غير موجودة، ولا يتحقق منها شيء وذلك بقصد:
– تعمية الناس عن المجريات الحقيقية للأمور.. وهم يهدفون بذلك إلى إمتصاص غضب الناس وإسكاتهم بالحديث عن إنجازات وهمية.. فينخرط المواطنون في البحث والحوار عن تلك الإنجازات، فيتوهون ويضيعون وقتهم وجهدهم في فراغ.. وبذلك يسهمون في تنفيس الإحتقان الشعبي وإمتصاص غضب الناس.
– تمرير صفقات وتبادلات وإجراءات سيئة يعلمون أن الناس لن تقبل بها ولا يملكون هم شجاعة إشهارها لأنها تشكل إنتهاكا للسيادة وإنتقاصا من حقوق الناس وكراماتهم وتفريطا بمقدرات الوطن..
يعلمون أنها إجراءات مكلفون بتنفيذها ولا يستطيعون الإعلان عنها، لما فيها من خطورة على المصالح الوطنية، ولما سوف تؤدي إليه من زيادة الإحتقان والغضب الشعبي، الذي من المرجح أن يتحول إلى ثورة غضب وإحتجاج ورفض عام للسلطة ذاتها بأطرافها جميعا وبكل نسخها المتبدلة المتلونة.
ولعل أخطر تلك الإجراءات التي تتم في الخفاء، ويحاولون صرف الأنظار عنها وإلهاء الرأي العام بالحديث عن إنجازات وهمية؛ ما جرى في المفاوضات مع دولة العدو الصهيوني برعاية امريكية، حول ترسيم الحدود البحرية والتخلي لـ”إسرائيل” عن مواقع الغاز والنفط في المياه اللبنانية.
فضلا عن تغطية ملفات الفساد، في موضوع الكهرباء والماء والطاقة والسدود والمرافق العامة البحرية والجمركية والبرية والسلاح الميليشيوي وغيرها.
أما المطلب الشعبي – الوطني بإسترداد الأموال العامة المنهوبة والأملاك الرسمية المعفشة، فيريدون إهالة تراب الواد عليه، وجعله خبرا منسيا متروكا ساقطا من الحساب الحكومي الرسمي؛ بمزيد من التصريحات الإعلامية لأعضاء الحكومة عن تأييدهم لمطالب الإنتفاضة الشعبي،ة وأن حكومتهم تعمل لتنفيذها في الوقت الذي تحيل التراب على مطالبها، وتبرز أسلوب القمع والإعتقالات والتشكيك بالمنتفضين الناشطين.
وهكذا تمارس الحكومة والقوى السلطوية التي توجهها من وراء ستار هش؛ وترسم لها خطواتها وتجاريها في إنجازاتها البهلوانية؛ سياسة الإستحمار ذاتها التي تعتمد على التمويه والتمييع وتجهيل الفاعلين، وبالتالي، إبقاء الحال كما هو، وتستمر الصفقات التي تحميهم ويحمونها في عملية تبادل واضح للمنافع والمصالح بين القوى المحلية والإقليمية ومعها الرعاية الدولية.
لقد باتت صفقة الحكم والحكومة واضحة، السلطة تحمي سلاح الميليشيات وتضمن نفوذها وحصتها المعلومة في المرافىء والمعابر والجمارك والتهريب، في حين يحمي السلاح أطراف السلطة وما يفعلون وما يفسدون، ويغفل أنظار الناس عن المطالبة بمحاسبتهم وإسترداد ما نهبوه ولا يزالون.
وهكذا يقبع الناس في دوامات المخادعة والإستحمار فيما يدفعهم الإنهيار الإقتصادي، إلى مزيد من التردي والتدهور، الذي سيترافق حكما بالكثير من الجوع والبطالة والعنف الإجتماعي والتفكك، بما يستدعي حتما إنتفاضة جديدة أكثر حدة ورغبة في الإنتقام.
ويبقى السؤال الأهم أمام اللبنانيين الشرفاء: ما العمل؟ وهل غير تنظيم الصفوف وحشد القوى ونفض أغبرة الإنقسامات الطائفية والمذهبية ،والتخلي عن السلبية والإنتظارية من سبيل لمواجهة الإنهيار؟ أم أن بعض اللبنانيين لا يزال متوهما أنه سيبقى في مأمن فلن يطاله خطر الجوع والفاقة والعوز؟ أو أن السلطة الحالية قادرة على إصلاح أي شيء هذا إذا كانت تريده أو مؤهلة له وهو ما ليس بصحيح؟!



