الحريـري.. والأدوات الصدِئـة

*محمد حمّود
ممّا لا شك فيه، بعد كل ما حصل ويحصل عقب استشهاد الرئيس رفيق الحريري لغاية اللحظة، يشير بكل صراحة ووضوح، الى أن رئيس تيار “المستقبل” سعد الحريري، ارتكب أكبر خطيئة في مسيرته السياسية والانسانية والأخلاقية بحق الوطن والمواطنين، وبحق نفسه أولاً، جرّاء موافقته على إبرام تسوية “الضرورة” المشؤومة مع “العونيين”، وغيرهم من القوى السياسية المُصنفة في الخط “المعادي” والمنافس لـ”المستقبل” كتيار سياسي، في الماضي والحاضر وفي الغد، بصرف النظر عن شروطها الرسمية العامة والخاصة المعلنة و”المُغيّبة”، على مستوى التيارين “اللدودين”، وبقية “حلفاء المصالح المتبادلة”، وعن مكتسباتها وخسائرها.
اللافت في هذا السياق، اعتبار الرئيس الحريري، أن “ما حصل إنجازاً عظيماً مميزاً لمصلحة الوطن”، ولكن الحقيقة والوقائع والأيام تفيد أن الأمر ليس كذلك، ولا تربط هذا “الإنجاز المعجزة النادر” أيّ علاقة بالفوز أو النجاح، بل يجافيها ويعاديها. وها هو الرئيس الشاب يدفع الثمن من رصيده الشعبي مع كل استحقاق انتخابي، على المستوى البلدي والنيابي والحزبي أيضاً، في غالبية المناطق اللبنانية، حتى لا نبالغ ونقول في كل لبنان، ولا سيما العاصمة اللبنانية بيروت، حيث كان يُعتبر الرقم الأوحد والأصعب فيها، وأيضاً في عاصمة الشمال طرابلس، ولكن نتائج “اتفاق الضرورة” مع ألدّ أخصامه السياسيين، وتداعيات “تحالفه المقيت” معهم في الانتخابات النيابية الأخيرة في غير منطقة، ومخاصمتهم في أكثر من دائرة انتخابية، أثبت أن هذا السلوك “المسمّى “تحالف” مزعوم، تحكمه سلسلة من الخطايا السياسية، المحمّلة بأسوا أنواع الموبقات السياسية، وكلّ أنواع المخاطر والمفاجآت السياسية السلبية الفاقعة.
ولكن، على الرغم من كل ذلك، يبقى القرار في غير محلّه، وتستمر سياسة المكابرة، والتنكّر لما يمكن أن يصل اليه هذا التيار “الغُرّ” في العمل السياسي، والسير بمحاذاة ما سيحصل من دون أيّ حذر، والمسيرة “مستمرة”، كمن يلعق المبرد، فيتلذذ أبناء هذا التيار بدمائهم السائلة من أبرز وأهم مفاصل جسد التيار، ويتجاهل المستشارون والناصحون وبعض الكتبة، ما سيصل اليه الحريري وتياره الفتيّ، الذي يقف كالشجرة الذابلة، يتمايل مع نُسيمات الهواء الباردة، ولا يستطيع الصمود منتصباً في الطقس الحار، وعندما يصل منهكاً الى النتائج السلبية لما سلف، وهذا ما سيحصل عاجلاً أم آجلاً، سيجد نفسه أمام استحقاق عسير، قد يكون الأخير، وعندها، لن يكون لديه أيّ رصيد شعبي يصرفه ويتصرّف به، وسيصبح مثل خطّ الهاتف الخلوي الفارغ من رصيديّ الأيام والدقائق، بمعنى أوضح وأكثر صراحة، سيجد نفسه مرغماً خارج الخدمة السياسية.
رأينا وسمعنا وعايشنا كما غيرنا، الكثيرين ممن عملوا في الشأن العام، وتحديداً في السياسة اليومية. أحزاب، وشخصيات، وهيئات، وجمعيات، وتيارات، وأطر سياسية وأندية وكشافة الخ… لم نجد طرفاً سياسياً واحداً، مُستجِداً أو قديماً، هاوياً أو محترفاً، غرّاً أم خبيراً، يسعى برجليه إلى الحصول على كراهية الناس واستفزازهم، يستخف بهم، لا يأخذ بأحلامهم الى مساحة رحبة للنقاش على الأقل، ولا حزباً يعمل على “تطفيش” مريديه ومؤيديه ومحبّيه والموالين له، ولا جمعية تجافي أعضاءها أو أصدقاءها ومشجعيها، أو تيار يتلذذ بأذية عناصره ومؤيديه ونفسه، وبتوزيع الإساءات عليهم وإغراقهم في همومه، ومن ثم التخلّي عنهم عندما يحين الموعد الجدّي لأهل الوفاء في وسط الطريق، كما يفعل تيار “المستشارين”، ولما لا؟ إن تيار المستقبل” ورئيسه باتا صاحبا أكبر عدد من المستشارين المتخصّصين في كل شيء، ولا شيء، ولا نجدهم في الكثير من الدول التي تشبه بلدنا.
أعان الله الرئيس الفتيّ، وتياره، وقياداته التنفيذية، التي تبدو في سلوكها وكأنها مكلفة بالإنتقام من تاريخ الأب المؤسّس، تراهن على ماضي الرئيس الشهيد، وتستحضره في كل مناسبة، أو من دون سبب مباشر، وتعبث بحاضر الإبن القادم من عالم الأعمال والأموال، الى عالم الإذلال والأهوال، عالم السياسة، حيث ورث امبراطورية متنوعة، مالية واقتصادية، سياسية، تربوية، اجتماعية، صحية، ديبلوماسية عالمية وإقليمية، وحضور شعبي نادر في هذا الزمن، لم يحظَ به واحد من الذي تبوؤا المركز الثاني في تراتبية السلطة التنفيذية في تاريخ لبنان، ولكن، ما الذي جرى؟ ولماذا؟ وكيف تبددّ كل شيء؟ وضاعت الإمكانيات المادية والمعنوية، فانهارت الإمبراطورية مع أول عاصفة تشرينية، وتدحرجت الأحلام كأحجار “الداما”.
وسقط كلّ شيء، ربما بفعل تعنّت هذا المستشار الموثوق الأرعن، أو ذاك المتعطش الى طيش الشباب، والحالم والعالم ببواطن الأمور، إضافة الى عيش المسؤول في صومعة محصّنة بالأفخاخ الداخلية، لا يطالها إلاّ قلة من المحظوظين، حرّاسها مستشارون ضالعون في كل أسباب الفشل. فكشف الواقع كلّ الاقنعة، القريبة والبعيدة، وشرّع التراجع والفشل أبوابَهما أمام دخول الطالح وخروج أخيه الصالح، وتقرّب المنتفع قبل الانتهازي من صاحب القرار، وابتعد المخلصون الأنقياء الأتقياء، الواحد تلو الآخر، وسقط الحلم في القاع، واندثر الحلم والحقيقة في سنوات قليلة جداً، وانتهت آمال وتطلعات رفيق الحريري، الى مكان لا عودة منه، وبات حلم الأب الراحل، من المستحيلات التي يصعب إستعادتها وإنعاشها وإحياءها بالأدوات الراهنة الصدِئة.
*منسّق تحرير “المدارنت”



