الدين عند الله الإسلام.. وحدة المعنى وتعدد الشرائع

خاص “المدارنت”
الإسلام بوصفه نظام الوجود وتسليم الوعي
ليس الدين اسماً يُرفع، ولا رايةً تُنصب، ولا جماعةً تُفاضل بها الجماعات، بل هو الميزان الذي به يستقيم الوجود أو يختل، وهو النظام الذي يدين له الإنسان في فكره وسلوكه ومآله، شاء أم أبى. فالدين في القرآن ليس طقساً يُؤدّى، ولا انتماءً يُدّعى، بل خضوعٌ للحق، وانقيادٌ للعدل، وتسليمٌ للنظام الذي قامت عليه السماوات والأرض. ومن هنا جاء القول الفاصل الذي لا يحتمل تأويل الهوية ولا تضييق الطائفة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
والإسلام، في منطق القرآن، ليس اسم شريعة دون غيرها، ولا خاتمة تاريخ تُقصي ما قبلها، بل هو الحالة التي يكون عليها الوجود حين يستجيب لأمر الله. فكل ما في السماوات والأرض داخل في هذا الإسلام، لأنه لا يقوم إلا به، ولا يخرج عن سننه أحد. ولهذا جاء الاستفهام الكاشف لا على وجه الإنكار، بل على وجه التقرير: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. فالأسلمة هنا ليست خيار هوية، بل حقيقة كونية؛ من وعى سلّم طوعاً، ومن أنكر انقاد كرهاً، والمرجع واحد، والمصير واحد.
غير أن الإنسان، وقد حُمّل الأمانة، لم يُترك لأسلمة الجبر وحدها، بل خوطب بالوعي والاختيار، ودُعي إلى أن يخرج من الخضوع القهري إلى التسليم الواعي. فالإيمان في القرآن ليس غاية تُتخذ مقاماً، بل بداية تُفضي إلى حال أعمق، هي حال الإسلام. ولهذا لم يُنادَ الناس بـ”يا أيها المسلمون”، بل بـ”يا أيها الذين آمنوا”، ثم طلب منهم أن يثبتوا في التسليم حتى النهاية: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، كان الإيمان وعي، والإسلام مصير، وكان المعرفة طريق، والتسليم قرار الختام.
وعلى هذا المعنى، كان جميع الأنبياء مسلمين، وكانت رسالاتهم وجوهاً متعددة لدين واحد، لا أدياناً متقابلة. لم يكن نوح على غير ما كان عليه إبراهيم، ولا موسى على غير ما كان عليه عيسى، ولا محمد بدعاً من الرسل، بل كانوا جميعاً في خط واحد، ومقام واحد، ومقصد واحد. ولهذا جاء الإعلان الجامع الذي يقطع طريق التفريق: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. فالتفريق خروج عن منطق الوحي، ووحدة الرسالة ليست خياراً فكرياً، بل ضرورة قرآنية.
ولأن الإنسان يتدرج في الوعي، جاءت الشرائع متدرجة، لكل مرحلة ما تحتمله، ولكل قوم ما يناسبهم، من دون أن يخرج ذلك عن وحدة الدين. ولهذا قيل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، ثم قُطع الطريق على وهم الصراع بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، ثم كُشف المقصد: ﴿وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فالتعدد امتحان، لا انقسام، والتنوع ساحة ابتلاء، لا ميدان إلغاء.
غير أن الإنسان أبى إلا أن يحوّل الدين من ميزان إلى راية، ومن هداية إلى هوية، ومن معنى جامع إلى اسم محتكر. فادّعت كل فرقة أنها الإسلام، ونفت عنه غيرها، مع أن القرآن لم يجعل الاسم معياراً، بل جعل العمل الصالح ميزاناً، فقال قولاً لا يحتمل الالتواء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فالأسماء تزول، والألقاب تسقط، ويبقى الميزان واحداً.
ولم يكن القرآن كتاب فئة، ولا خطاب جماعة، بل رسالة للناس كافة، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾. ولم يكن الإسلام طقساً يُؤدّى، بل توجهاً يُقيم الإنسان في العدل والإحسان، ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، حتى تصير الأسلمة صبغة وجود لا قناعاً دينياً: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
لكن الناس فرّقوا ما أُمروا أن يقيموه، وجعلوا الدين شيعاً، وحوّلوا الاختلاف إلى صراع، والميزان إلى سيف، فسمّى القرآن هذا الفعل شركاً، لا لأنه عبادة حجر، بل لأنه تمزيق للحق الواحد. فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾، ثم قال قولاً قاطعاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وكشف الجذر العميق: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾.
أما الذين أنكروا الله أو اتبعوا أنظمة وضعية أو فلسفات بشرية، فهم ـ وإن جحدوا ـ داخلون في الإسلام الكوني كرهاً، خاضعون لسنن لا تحابي، ولا تُجامل، ولا تُفرّق بين مؤمن وكافر. فمن وافق السنن نجا، ومن خالفها هلك، والفرق لا يظهر هنا في الخضوع، بل هناك في المرجع والمآل، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
وعند هذا الحد يتجلى معنى القول الأخير: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، لا بوصفه حكم إقصاء، بل قانون وجود؛ فالحياة لا تستقيم إلا بالتسليم للحق، ولا تقوم إلا بالعدل، ومن ابتغى غير هذا الميزان نظاماً، خسر ولو كثر أتباعه، وضلّ ولو لبس لبوس الدين.
فالإسلام ليس دين جماعة، بل دين الإنسان حين يستقيم، ودين الوجود حين يتوازن، ودين الله الذي لا يقبل سواه، لأنه لا يقوم سواه.



