مقالات

السودان.. إتفاق لتقاسم السلطة أم إجهاض للثورة

* د. علي إبراهيم/السودان

//خاص المدارنت//… في 11 أبريل، تقدّم الثوار في أعداد كبيرة، قدّرت بحوالي 5 ملايين نسمة إلى ساحة قيادة القوات المسلحة السودانية، وانضم إليهم أعداد مقدّرة من أفراد القوات المسلحة، وبعض الضباط من الرتب الصغيرة والمتوسطة. وكانت صرخة دوَت وعلَت وأعلنت بما لا يدع مجالا للشك، سقوط نظام البشير، الذي استمر 30 عاما متحكّما في كل مفاصل الدولة المدنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية.

 وخلق نظامآ طبقيًا مميزاً، يدين له بالولاء والطاعة، ومستعدا أن يدافع عنه وعن مصالحه الخاصة الضيقة بكل ما أوتي من قوة.

وفي هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، والثورة على قاب قوسين أو أدنى من النصر، تدخلت قيادة اللجنة الأمنية المنوطة بها حماية  نظام البشير، بإنقلاب القصر، والذى كانت إرهاصاته تلوح في الأفق، مما حدا بكثير من المراقبين بالتحذير منه، وادعت الانحياز للثورة، وتبنت زورا وخداعا شعاراتها في الحرية والسلام والعدالة. ولم يكن خافيا لكل متابع وعليم بتركيبة نظام الإنقاذ، أن كل أعضاء هذه اللجنة التي سُميت بعد الانقلاب بالمجلس العسكري الانتقالي، أنهم جميعا ينتمون إلى الحركة المسمّاة إسلامية، كما أنهم ينتمون إلى “حزب المؤتمر الوطني”، حزب السلطة الحاكمة، الذي آلت قيادته للبشير، بعد المفاصلة الشهيرة مع (حسن) الترابي فى عام 1999، وقسمت الحزب إلى جزأين، وطني وشعبي.

وكما كان متوقعا، لم يقم المجلس العسكري الانتقالي بأي إجراء عملي، يدلّل على انتمائه الى الثورة أو الثوار، بل فعل العكس تماما، حيث أبقى على كل أساس النظام السابق في الخدمة المدنية والعسكرية والأمنية والعدلية والإقتصادية والإعلامية.

قام باعتقالات صورية لعدد محدود من رموز النظام، من باب ذرّ الرماد في العيون، وترك جلّ الفاسدين والمفسدين من أركان النظام البائد طلقاء، بل جعل منهم أبواقا تدافع عن المجلس العسكري في المنابر العامة والإعلامية .

استخدم القنوات التلفزيونية والصحف والإذاعات المحلية ووكالة السودان للأنباء، في شنّ حملة شرسة ضدّ الثورة وشيطنة قوى الحرية والتغيير، في محاولة لسحب الغطاء الجماهيرى عنها، وادعاء إنها لا تمثل كلّ الثوار، وأن هناك قطاعا عريضا من الثوار غير منتمين الى قوى الحرية والتغيير، ولهم الحق في التمثيل في السلطة المستقبلية للبلاد.

وسعى المجلس العسكري، الى بذل كل ما يستطيع من جهد في خلط الأوراق، وإرباك المشهد السياسي، بالإعلان عن اتفاقيات ثم التنكّر لها، ثم إعلان عن مواقف معينة ثم التنصّل منها، أدمن الكذب والتضليل والخداع، بتصريحات متضاربة ومتناقضة، في عجز واضح لقول الصدق والثبات عليه، حتى سُمّي الناطق الرسمي باسم المجلس الفريق الكباشى (بالكاذب باشي).

فى ظل هذا الخواء السياسي والفقر الجماهيرى والضغوط الداخلية والخارجية، والمطالبة بتسليم السلطة لحكومة مدنية، وتجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، يضاف إلى ذلك الابتزاز من قبل بعض الدول العربية المعروفة بعدائها للثورات العربية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتي مدّته بالمال والسلاح والدعم والمساعدة، وتوافق معها على تفاهمات لم يستطع انجازها.

كل هذه العوامل، جعلته يفقد صوابه، ويلجأ إلى الحرفة التى تجيدها كل أنظمة القهر والإستبداد والإرهاب، في الاعتقال والتهجم على منازل الآمنين، بالضرب المبرح والتعذيب والقتل.

وكانت ذروة جرائمهم، فضّ اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة، بقوات مُدجّجة بالسلاح، تقدر بنحو 10 ألف جندي، هجموا على الثوار السلميين في صبيحة 29 من رمضان، على الرغم من تأكيداتهم المتكرّرة، بأنهم لن يفضّوا الاعتصام. مما أدى إلى سقوط  أكثر من 500 شهيد، ورمي العشرات منهم أحياء فى نهر النيل، وحرق العشرات أيضا أحياء داخل خيامهم، واغتصاب لحرائر، يقدر عددهن بين 50 إلى 70 فتاة، وفق التقارير التى كتبت عن هذه المجزرة البشعة، والتي لا يوجد مثيلا لها في تاريخ السودان، قديمه وحديثه. وشكلت قمة الغدر والخيانة والتجرد، من أي قيمة إنسانية.

وقد أعلن الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي في مؤتمر صحفى مشهود، أن كل أعضاء المجلس، خططوا وأعدوا وأمروا بتنفيذ فضّ إعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة، بعد جلسة حضرها رئيس القضاء والنائب العام. هذا الإعتراف الرسمى يدين إدانة كاملة الأركان للمجلس العسكري الإنتقالي، وتثبت جرمه أمام أي لجنة تحقيق دولية أو محلية بلا كثير عناء، فالمجلس أصبح هو القاتل، وأياديه ملطخة بدماء هؤلاء الشهداء والجرحى، وأصبح القصاص أمراً واجباً، ولا بدّ من تحقيق شعار الثورة، المطالب بالقصاص من القتلة، وتحقيق العدالة، تمسكاً بالآية الكريمة (… ولكم فى القصاص حياة يا أولي الألباب…).

في 30 يونيو، خرجت الملايين من كل قرى ومدن السودان، مطالبة بسقوط المجلس العسكري الانتقالي، وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية، على كل مستويات الحكم السيادية والتنفيذية والتشريعية. وكان مشهدا مشهودا فاق كل التوقعات، وعلى الرغم من التهديد والوعيد، كان قد سبقه قائد الجنجويد ونائب رئيس المجلس العسكري قبل التظاهرة، بتحذير يدّعي أن بين المتظاهرين مندسّين مسلحين!

ولم يمرّ على فطنة الناشطين مغزى التحذير، والذي نفذه كسابقة مجزرة القيادة، حيث حصدت قوات الجنجويد أرواح 10 شهداء وأكثر من 200 جريح .

عن كل هذه الجرائم، يدّعي المجلس العسكري بأنه سيجري تحقيقا شفافا، وكما يقول المثل  (حاميها حراميها)، أو كما قال المتنبي (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم).

نعم، هكذا يستخف بالعقول، ويبرهن بأنه تلميذ نجيب لمدرسة البشير الكاذبة المخادعة، وتلميذ غبيّ فى مدرسة الشعب اللماح، والذي لا تفوت عليه شاردة أو واردة، وإلا هو ماسك بناصيتها كتاب مسطور. لقد انكشف أمر هذا المجلس، وأسقطت عنه ورقة التوت، التي كانت تغطي سوءاته، وسقط معها ادعاءه الكاذب في الانحياز الى الثورة، ووضع نفسه في خانة العداء لها، ولأهدافها.

أما قوى الحرية والتغيير، فهي تحالف جبهوي، يضم تجمع المهنيين، وهو القائد لها، إضافة إلى كل الأحزاب والحركات السياسية والمسلحة المعارضة لنظام البشير، وهي طيف واسع من القوى السياسية، من أقصى اليمين إلى  أقصى اليسار. وفي الواقع، هي ليست على قلب رجل واحد، وهو أمر طبيعي عموما، ولكن في حالة الثورات، يكون هناك اتفاقا على حدّ أدنى من المبادئ والأهداف، التي لا يمكن أن يحيد عنها أي طرف.

يوجد جزء أصيل من هذا التحالف باسم “نداء السودان”، يرأسه رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، والذى كان ابنه الأكبر مساعدا للبشير حتى لحظة سقوطه، وابنه الآخر ضابط كبير فى جهاز أمن البشير .وكانت له تفاهمات واتصالات مع النظام السابق، لم تتوقف حتى لحظة سقوط البشير، من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين، ووصل إلى مرحلة التوقيع عليه في أديس أبابا .

 ومن سخرية القدر، وصل الصادق المهدي يوم 19 ديسمبر من منفاه الاختياري، وهو اليوم الذي اندلعت فيه شرارة الثورة، فوصفها وصفا مشيناً لا يليق بثورة قدمت الشهداء، ولا يليق به كرئيس وزراء سابق، ثار هؤلاء الشباب من أجل إعادة الديموقراطية، التي فشل هو في الحفاظ عليها أو إرجاعها. وظل طوال فترة الحراك الثورة يلقي بتصريحات مُحبِطة ومستفزة للثوار، ويطرح المبادرة تلو المبادرة، فيما عرف بـ( الهبوط الناعم). والمتابع لمسيرة الصادق المهدي السياسية، يجد أن هذا السلوك ينسجم مع مزاجه السياسي، المبني على حساباته الخاصة، والتي تبقى كالعادة بعيدة عن حسابات الوطن، وكثيرا ما شقّ الصفّ فى لحظات النضال المفصلية.

وقد زار عدد من فصائل “نداء السودان” إحدى الدول الخليجية، وعادوا، وقد تغيرت مواقفهم حيال القضية الوطنية، وأضحى الإهتزاز والتباين في الأقوال والأفعال جليا، مما أحدث خللاً بيّنا في  حركة قوى الحرية والتغيير، وتعددت الألسن، واختلف الخطاب السياسي لمكوناته خارج أطر التنظيم، واستطاع المجلس العسكري استثمار هذا التنوع إلى صالحه، وأن يلعب عليه، ويقسّمهم إلى صقور وحمائم.

ووقعت قوى الحرية والتغيير في فخ التفاوض مع المجلس العسكري، وأعطته حقاً لا يملكه،  بحسبانه جزءًا من الثورة وشريكاً فيها، جعلته هو يقرّر من يحكم، ويضع معايير من يحكم، وكانت تستجيب لبعض مطالبه، كإزالة المتاريس وغيرها. بدأ قادة تجمع قوى الحرية والتغيير أمام المراقبين والمتابعين عن كثب، كأنهم هواة وليسوا سياسيين محترفين، وبلا هيئة إستشارية متخصّصة تقف خلفهم، بينما يقف خلف المجلس، جيش من المتخصّصين والإستشاريين .

تهيأت لقوى الحرية والتغيير فرص مهمة، كانت الثورة فى قمتها، والمجلس العسكري في أشدّ لحظات ضعفه، وكان يمكن ان تستغلها، وتحسم المعركة لصالح الثورة في وقت مبكر، وتحقق النصر، ولكنها أضاعتها، وتهيبت اتخاذ القرار السليم في الوقت الصحيح، ووقعت ضحية فزاعة الحالة الليبية والسورية واليمنية، التي أشاعها النظام الإنقلابى، وعمل على تسويقها وإسقاطها على الحالة السودانية.

كان الاتفاق الذي تمّ فى بداية التفاوض، وأعلن بموجبه تكوين مجلس الوزراء بالكامل من قبل قوى الحرية والتغيير، وأن يكون لها % 67 من المجلس التشريعي، و% 33 يتم اختيارهم بالتوافق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، من القوى التى شاركت في الثورة، وغير منضوية تحت لوائها. وكانت العقبة الوحيدة تتلخّص في تكوين مجلس السيادة.

وبعد أن رتب المجلس العسكري أموره، واستقوى بالدولة العميقة ومخلفات النظام، تنكّر للاتفاق المبرم، بدعوى وجود أحزاب سياسية وحركات مجتمعية وقوى أهلية، لها الحق أيضا في المشاركة والتمثيل، في مستويات السلطة المختلفة.

وبعد مجزرة القيادة العامة، والتي اعترف المجلس العسكري بارتكابها، علقت قوى الحرية والتغيير المفاوضات المباشرة مع المجلس، ووضعت شروطا، من بينها إجراء تحقيق دولي محايد وشفاف للمجزرة، ومحاسبة الجناة، وكما كان متوقعا، رفض المجلس مجمل الشروط، ووصلت الحالة إلى طريق مسدود.

تحرك الاتحادان الأوروبي والإفريقي، والترويكا (بريطانيا، أمريكا، النرويج)، فضلا عن الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، والبرلمانات الدولية، وطالبت بتسليم السلطة لحكومة مدنية، وإجراء تحقيق دولي في المجزرة.

وعلى الرغم من كل هذا الدعم والزخم الإعلامى والديبلوماسي، الذي حاصر المجلس العسكري من كل جانب، إضاف إلى الموقف الشعبي الكاسر، والذي تجلّى في أبهى صوره، في خروج الملايين من الشعب فى 30 يونيو مناصرة وداعمة لقوى الحرية والتغيير، ومؤكدة لقيادتها، وقعت هي مرة أخرى في الخطأ، وعدم القراءة الصحيحة للظروف المحيطة، وتقدير حجم قوتها وشدة سندها، وجلست إلى مجلس الغدر والخيانة، في جوّ من الانهزام النفسي، تحت مطرقة المجلس العسكري، وسندان ابتزاز “نداء السودان”، لتصل معه إلى اتفاق مُهين، في محصلته النهائية إجهاض لثورة، ضحى الآلاف بأرواحهم عبر 30 عاما عجافا، وكان النصر قاب قوسين أو أدنى من التحقيق.

نظرة إلى الاتفاق، نجد ان مجلس السيادة الذي كان يشار إليه بأنه مجلس تشريفي، يتضح من خلال اختصاصاته، بأنه يقوم مقام الرئيس في الدولة الرئاسية لا البرلمانية. وهو الذى يوافق على اختيار رئيس الوزراء  والوزراء والهيئات القضائية والجيش والأمن، ويصدق على أحكام القضاء، وله حق الاعتراض (الفيتو) على كلّ ما ذكر.

وهذا يعني عدم هيكلة الجيش والشرطة والأمن بطريقة قومية، وكذلك تعطيل أي محاولة لتفكيك الدولة العميقة، والتي يقف هو على أرجلها، وكذلك تسويف العدالة الناجزة، لكل من أجرم في حق الوطن. وهذا يفسّر لنا إصرار العسكر في السيطرة على مجلس السيادة، طوال الفترة السابقة من المفاوضات .

وفقا للاتفاق، يكون المجلس مناصفة 5/5، بالإضافة إلى عضو آخر متقاعد من الجيش، يتفق عليه الطرفان، على أن تكون الرئاسة فى الشهور الـ21 الأولى من نصيب المجلس العسكري الانتقالي، والشهور الـ18 الباقية من الفترة الانتقالية للمدنيين.

وتقرر إرجاء أمر المجلس التشريعي لمدة ثلاثة أشهر، وأعطي حق ترشيح % 67 لقوى الحرية والتغيير، لاختيار أعضاء من بينهم من أحزاب سياسية، لم تكن مشاركة في سلطة البشير لحظة سقوطه، وهنا أيضا لمجلس السيادة حقّ الموافقة على هذه الترشيحات أو رفضها، وهذا يعني أيضا أنه على قوى الحرية أن تختار أعضاء من أحزاب، خرجت من نظام البشير قبل شهرين من سقوطه، ومنهم من كان مشاركا في إنقلاب الإنقاذ عام 89.

والاتفاق هلامي وفضفاض، ويقبل تعدّد التفاسير والتأويلات، وهو أمر سيقود باليقين القاطع الى تفريغ الثورة من محتواها النضالي، وإبعادها كليأ عن أهدافها المعلنة في الحرية والسلام والعدالة، وتفكيك دولة الإنقاذ، ومحاسبة وعزل سدنتها من الحياة السياسية، وإقامة نظام ديموقراطي راشد، يؤسّس لحياة سياسية معافاة، تقوم على حكم القانون والعدالة والشفافية والتبادل السلمي للسلطة، تجعل الجيش والشرطة وأجهزة الأمن في وضعها الطبيعى، حامية للوطن والمواطنين، بعيدة عن أي دور سياسي، شأن كلّ الدول الديموقراطية.

يقيني أن هذا الاتفاق لن يمرّ. ولن تقبله الجماهير التى خرجت من أجل إنجاز ثورة حقيقية وكاملة، لا نصف ثورة. وأنصاف الحلول لم تكن حلاً في يوم من الأيام وعلى قوى الحرية والتغيير، أن ترفع هامتها فوق تطلعات الشعب، ولو عجزت أو شعرت بعدم المقدرة أو القدرة، عليها أن تتنحذى جانباً، لا طعناً في عطائها، ولا شكا في التزامها، ولكنها حالة إنسانية تعيشها بعض  الثورات، على مدى التاريخ البشري.

وفى مثل هذه الحالات، يملك الشعب القدرة والأهلية، في أن يقدم القيادات الحيّة والملتزمة والمؤهلة، على مواصلة السير والمسيرة، وصولا بالقضية السودانية الى برّ الأمان.

* ناشط سياسي                                                 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى