السودان والجزائر.. والثورة المضادة
كتب محمد خليفة
خاص “المدارنت”... حتى مجزرة 29 رمضان، حيث سالت الدماء في شوارع الخرطوم وألقيت الجثث في النيل، وأحرقت أخرى كما جرى في بلدان عربية أخرى خلال السنوات الثماني الأخيرة، كانت الانتفاضة السودانية هي الأكثر نموذجية وجاذبية بين انتفاضات الشعوب العربية السابقة والحالية، من حيث التنظيم والتماسك والسلمية والنضج السياسي. بل تفوقت على انتفاضة السترات الصفر الفرنسية من هذه النواحي , بحسب المحللين الذين قارنوا بينهما، وسجلوا أن الانتفاضة الفرنسية بقيت حالة هلامية ولم تتطور الى حالة منظمة، وعكست تذمرا اجتماعيا وشعارات، ولم تطرح برنامج إصلاح وتغيير, فضلا عن أنها جنحت أحيانا للعنف والتخريب، بينما حافظت الانتفاضة السودانية على سلميتها وتنظيمها، وحققت بعض الإنجازات المهمة .
الواقع أن محافظة الحراك على حسن تنظيمه وسلميته وبرنامجه السياسي الوطني الديمقراطي الاصلاحي، هي نقطة القوة التي جردت رئيس النظام من مبررات القمع المفرط واللجوء للقوة. وعندما صعد الثوار حراكهم، وحاصروا قصر الطاغية، وقيادة الجيش التي يحتمي بها لم يبق أمامه سوى الزج بالجيش وميلشياته لسحق الانتفاضة، مكررا سيناريو الأسد في سوريا، وهو سيناريو تبنته (الثورة المضادة) في العديد من البلدان العربية . إلا أن إختلاف الظروف الموضوعية بين السودان وسوريا، وبين النظامين، جعلت قرار الطاغية السوداني أشبه بقرار انتحار جماعي , إذ ظهرت فورا بوادر انقسام في وحدات الجيش نتيجة له، أجبرت قيادته على معارضة الرئيس وعزله، لا انحيازا للشارع، ولكن حماية للجيش وللدولة من الانقسام والصراع بين وحداته، أو بينه وبين (كتائب الظل) التي أسسها النظام الاخواني طوال ثلاثة عقود، لتعمل على تنفيذ أجندته الأديولوجية والحزبية الاخوانية .
وفي المحصلة نجح رهان الحراك على السلمية، وفشل رهان الطاغية على القمع . ومع أن بعض أجهزة السلطة الحزبية والأمنية إستعملت الرصاص والعنف والاعتقال لإرهاب المتظاهرين المعارضين، بقيت هذه الحوادث محدودة وأدت لنتيجة عكسية، هي رفض الجيش لقمع الحراك، وعزل الطاغية، كحل اضطراري لا اختياري، والحيلولة دون الانتحار الجماعي والانزلاق الى المستنقع الدموي الذي اختاره الأسد . وهكذا بقيت السلمية سمة ثابتة لتجربة السودان .
الثورة السودانية: جسر بين ربيعين:
الأهمية الرئيسية لهذه التجربة تتمثل في نتيجتين , لا واحدة فقط :
الأولى أن قوى الشعب السوداني السياسية والاجتماعية وبخاصة الشبابية استوعبت دروس وتجارب الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، بعد 2011، فتجنبت تكرار أخطائها الفادحة، ولم تعط الانظمة المتربصة أي فرصة لممارسة السيناريو الدموي، مما يعني أن الشعوب العربية لم تكن غافلة عما حدث في سورية وليبيا واليمن ومصر، بل راقبت وتابعت واستنتجت الأخطاء والانحرافات ووعت الدروس وعملت على استلهامها وتحاشي الشراك والفخاخ التي نصبتها الأجهزة والأنظمة المستبدة .
الثانية أن الانتفاضة السودانية شكلت منذ 19 ديسمبر 2018 تدشينا لموجة ثانية من ثورات الشعوب العربية التي أطلق عليها الربيع العربي .
وعلينا أن نلاحظ أنه حتى ذلك الوقت كانت ( الموجة الثانية ) بالنسبة لأنصار (الربيع العربي) مجرد رهان على تطور افتراضي تعتقد بحتمية تحققه , ولكنه في نظر خصومهم المعادين لمقولة (الربيع العربي) رهان مشكوك فيه , يشبه حتمية انتصار الاشتراكية في العالم في نظر الشيوعيين سابقا والتي سقطت مع الاتحاد السوفياتي . وما زال بعض الخصوم يرون في الربيع العربي بالاجمال مؤامرة أميركية , وشتاء لم يمطر إلا دماء وخرابا , يجب تفاديه مرة ثانية والتبرؤ منه . وكانت الأنظمة العربية المعادية للربيع العربي قد عملت على بث الرعب والخوف من مآلات الثورة عليها لأنها ستؤدي الى كوارث لا حدود لها , وجعلت من مآلات الحالة السورية فزاعة لشعوبها . وسمعنا مسؤولين جزائريين وسودانيين ومصريين يرددون معزوفة أن الربيع العربي هو مؤامرة لتدمير البلدان العربية , كما جرى في سورية وليبيا واليمن . ولكن الشعوب قالت كلمتها وأثبتت وعيها وشجاعتها وإصرارها على استعادة حقوقها , والنضال من أجل الديمقراطية والإصلاح والتغيير , ولا بد أن نتأمل مغزى أن انتفاضة السودان ثم الجزائر جاءتا من أكثر بلدين عربيين وقف نظاماهما في وجه الموجة الاولى من الربيع العربي , لتسقط الثورتان الجديدتان خطاب التخويف ومحاولات تزييف الوعي بالترويج لمقولة أن انتفاضات الشعوب العربية في السنوات الثماني الماضية كانت مؤامرة , مهدت للثورات المضادة التي اجتاحت العديد من البلدان , وقضت على نتائج الانتفاضات والثورات التي حدثت فيها بعد 2011 .السودان والجزائر : ثورات ما بعد العولمة
في الواقع إن الانتفاضتين السودانية والجزائرية عبرتا عن قوى اجتماعية جديدة تشكلت في العقود الثلاثة الأخيرة, أكثر من يمثلها جيل الشباب الذي نشأ في هذه العقود , أي في ظل نظام البشير الاستبدادي الاخواني الضيق , وفي ظل النظام الجزائري الذي أنتجته الطغمة العسكرية بعد سحق أول انتفاضة عربية عام 1988, ثم أول تجربة ديمقراطية عام 1991 وعبرت الثورتان عن وعي جديد , وثقافة حديثة حداثوية خارج الاحزاب التقليدية , وتقترب من ثقافة الاجيال الجديدة في أوروبا , الأمر الذي يعكس تحولا عالميا نمى في ظل العولمة وما بعد العولمة , يمحو الفوارق التقليدية بين ضفتي المتوسط .
نجاح الانتفاضتين السودانية والجزائرية في تكريس حضورهما واكتسابهما شرعية حقيقية عبر الاعتصام في الشارع واللجوء للاضرابات السلمية , وتجاوز طروحات الأحزاب التقليدية الدينية وغير الدينية وطرحهما خطابا عصريا مقبولا من العالم المتمدن , لا أثر فيه للطائفية والتكفير والتشدد على نحو ما شهدناه في سورية ومصر وليبيا أكسبهما تأييدا واحترام العالم , الأمر الذي شكل تحديا جديا وغير متوقع للأنظمة التسلطية وللطغم العسكرية , وللزمر الطفيلية الفاسدة المتحالفة معها التي لا تريد التخلي عن السلطة . ولذلك تعاملت هذه الطغم في البلدين مع الحراكين بهدوء ونعومة , وأظهرت استعدادا للتوصل معها الى حلول وسط , بدلا من المواجهة والصراع .
من يدقق في سلوك النظامين السوداني والجزائري بعد تجذر الانتفاضتين ورسوخهما يجد تطابقا في ردود افعال المؤسستين العسكريتين في البلدين , فكلتاهما ضحت برأسي النظامين , وعملتا على ابقاء النظام وتجديده في ظل الدستور أو الهياكل الرئيسية للنظامين. وكلتاهما قدمتا بعض التنازلات ولكنهما رفضتا بعض المطالب الجوهرية للحراكين الثوريين . وكلتاهما تريدان الالتفاف على مطالب الشعبين الجوهرية , والتخلص من النظامين السابقين وتغيير بنية الدولة ونموذج الحكم وقواعد المشاركة السياسية , أي بعبارة أخرى : ثورية جذرية كاملة وعميقة . فجيشا الدولتين هما العمودان الفقريان لنظامي الحكم , وللدولتين القمعيتين الموروثتين منذ عهد الاحتلال الاجنبي , والجيشان يقاتلان اليوم دفاعا عن بقاء النظامين , ويعارضان الثورة الكاملة والتغيير الجذري , يقبلان بعض الاصلاحات ولا يقبلان المضي في التغيير الى أقصى مداه .
الصراع سيستمر زمنا غير قصير :
الصراع الآن في البلدين بين المؤسستين العسكريتين من ناحية , والحراك المدني الثوري من ناحية أخرى يتركز في هذا الميدان , بين شعوب تريد التخلص من أنماط الحكم التقليدية والأنظمة التوتاليتارية والشمولية الفاسدة والانتقال الى أنظمة جديدة تقوم على حكم الشعوب والتعددية والانتخابات والفص بين السلطات وحكم القانون والمحاسبة .. إلخ .
ولا بد لنا من الاعتراف بأن أنظمة الحكم , وأنماط الدولة الشمولية هي التي سادت في البلدان العربية عبر عشرات القرون , ولم تشهد مجتمعاتنا ثورات عميقة من هذا النوع منذ عصر الاسلام الأول , ولذلك من الطبيعي مبدئيا أن تواجه ثورات شعوبنا الحالية كل هذا التآمر عليها ومحاولات السحق من الثورات المضادة ومن القوى الاوليغارشية والطفيلية المتحالفة مع القوى الخارجية .
بعد ثورات 2011 تكرر نفس الفعل ورد الفعل من الشعوب والقوى الاجتماعية المطالبة بالتغيير , ومن المؤسسات العسكرية والامنية في الانظمة والدول القائمة , واستطاعت الجيوش والطغم العسكرية والاقلاوية والطفيلية من التحالف لاحتواء الثورات , أو قمعها وسحقها . وتتكرر المواجهة مرة ثانية بأساليب وأشكال وأدوات متشابهة . وسيستمر الصراع على على هذه القاعدة بين الاتجاهين سنوات غير قليلة ويعم جميع أقطارنا , ولن يتوقف حتى يحسم لصالح قوى الثورة والتغيير والاصلاح التي تحاول التماهي مع عصرها وعالمها , والخروج من عباءة الدول التسلطية وانظمة الحكم المطلقة والشمولية التي وضعت نفسها فوق الشعوب وفوق الدول نفسها .
مذبحة 29 رمضان هي جولة من جولات الصراع بين قوى الثورة وقوى الاستبداد , لا تختلف في مضمونها عما حدث في السنوات السابقة في العديد من البلدان العربية . المؤسسات العسكرية في السودان والجزائر حصلت خلال الشهور القليلة التي تلت اسقاط البشير وبوتفليقة على دعم ومساندة من بقية الانظمة العربية , ومن دول كبرى للالتفاف على مطالب الشعوب , وتقديم بعض التنازلات واستعمال قدر من القمع والتنكيل لقطع الطريق على الثورة الكاملة !
ولا يستبعد أن يتكرر الصراع الدموي في الجزائر , وأن تتلطخ بالدماء ثورة الشعب الجزائري التي تفوقت على مثيلتها السودانية بالسلمية ولم تسل قطرة دم واحدة حتى الآن في الشارع , ولكن عمق الخلاف والتناقض بين المؤسسة العسكرية وبقايا النظام من ناحية وقوى الحراك والثورة من ناحية أخرى تنذر بتكرار السيناريو الدموي .



