مقالات

العدالة الاجتماعية كضرورة لبناء سوريا الجديدة

عبد الرحيم خليفة/ رومانيا

“المدارنت”
بعض القرارات الاقتصادية والإدارية التي تتخذها الحكومة السورية تطول، في تأثيراتها السلبية المباشرة، الغالبية العظمى من السوريين، وتؤثر في حياتهم ومستقبلهم، وتزيد من معاناتهم وظروفهم المعيشية الضنكة، نتيجة التركة الثقيلة والإرث الذي خلّفه نظام الأسد المخلوع، والقدرة المحدودة للإدارة الجديدة، كما حصل مع زيادة أسعار المحروقات وكل ما يتعلق بالطاقة لأسباب محلية وإقليمية ودولية باتت معروفة.

اليوم، تُطرح العديد من الأسئلة عن هوية الاقتصاد السوري الجديد، ونهج الدولة إزاء محدودي الدخل والفقراء، الذين تؤكد المؤشرات العالمية أن نسبتهم كبيرة جداً، بل طاغية، تتجاوز الـ 80بالمئة من عموم الشعب السوري، ووصلت إلى الحد الذي وجهت فيه الأمم المتحدة، في شهر تموز/ يوليو الماضي، نداءً عاجلاً لتقديم مساعدات عاجلة لما يقرب من 1.2 مليون إنسان سوري، وهذا كله ينطوي على مخاطر وانعكاسات سلبية في العديد من المجالات المرتبطة بمستقبل سوريا، على المستويين الاجتماعي والأمني.

حتى الآن، لم تتبلور هوية اقتصادية واضحة للدولة الجديدة، وهذا ناتج عن أسباب عديدة تتعلق بأولويات مرحلة ما بعد الأسد المخلوع، من فك العزلة وإزالة العقوبات وإعادة تموضع سوريا في الإقليم والعالم، إلى محاولات الإلمام بكل التفاصيل الدقيقة المتعلقة ببنية الاقتصاد السوري وإمكانياته، مع امتلاك قاعدة بيانات دقيقة تمكّن صانع القرار من اتخاذ قراراته على بيّنة ووضوح كاملين.

على كل حال، في ظل محدودية الدخل لدى شرائح واسعة من المجتمع السوري، الذي كان أبناؤه موزعين بين اللجوء والمخيمات والنزوح، لا بد للدولة السورية من الحرص على توفير قدر كبير من الأمان والعدل الاجتماعي، ليس فقط لأن ذلك ينمّ عن الحرص على كرامة المواطن- الإنسان، وليس لأنه جزء من إنصاف هؤلاء الضحايا فحسب، بل لأن على ذلك وغيره تتوقف الكثير من قضايا وعوامل التعافي والنهوض واستتباب الأمن وقطع دابر العنف والجريمة المنظمة.

من الواضح تماماً أن سوريا تسير نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي، والعولمة بكل تفاصيلها، باعتبارها نمط حياة للأفراد والمجموعات والدول، والقطيعة مع الاقتصاد الموجّه والمركزي والشمولي الذي مضت عليه سوريا عقوداً طويلة، ورغم أن طبيعة هذا الاقتصاد تحمل في طياتها الكثير من العيوب وعوامل الضعف، فإن من أبرزها عدم مراعاة الطبقات الفقيرة والمسحوقة وحمايتها.

ولعل تجليات ذلك واضحة في عقر دار أصحاب الفكرة ومن أقاموا النظام الاقتصادي العالمي الجديد، أي في قلب أوروبا والغرب كله، والتي تشهد توترات واحتجاجات متصاعدة ومستمرة، تُظهر الأزمة البنيوية للنظام العالمي الحالي، وهو ما يجب التنبه إليه، وعدم الانزلاق إلى ذلك النموذج في التنمية والإدارة، وإعادة إنتاجه محلياً من دون مراعاة واقعنا، مع محاولة إيجاد أحزمة أمان تأخذ في الحسبان الوضع السوري بخصوصياته في مرحلة إعادة النهوض والبناء والتعافي.

في داخل الاقتصاد الليبرالي والحر في العالم، العديد من النماذج والتجارب التي تجعلنا نقول إن هناك تنوعات عديدة في تطبيقاته، وليس كل التجارب على منوال واحد، وبعضها يكاد يقترب، في جوانب الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية، من نماذج الدول “الاشتراكية”، كما هي الحال في الدول الإسكندنافية.

وعليه فإن الاندماج في الاقتصاد العالمي لا يعني تحميل الطبقات والشرائح الدنيا من المجتمع العبء الأكبر من عملية الإصلاح وإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس حديثة وعصرية، ولا يعني مطلقاً تحلّل الدولة من مسؤولياتها في حماية الطبقات محدودة الدخل، أو إلغاء الدعم عن السلع الرئيسية، إضافة إلى المضي في الخصخصة إلى أبعد مدى. ونحن خارجون من حرب دمّرت الكثير من العمران والبنية التحتية، وشرّدت الملايين من بيوتهم، وأفقرت مثلهم وحوّلتهم إلى متسولين، هذا عدا عن عمالة الأطفال وانحسار فرص عمل المرأة.

هناك حاجة ماسّة إلى بلورة هوية واضحة للاقتصاد السوري، خصوصاً في ظل التوجّه، بل والرفض، للجوء إلى صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي للاقتراض والأخذ بوصفاتهما، التي أرهقت كثيراً من الدول والمجتمعات التي اتبعت خطواتهما العلاجية والإصلاحية، وجلبت الكثير من الآفات والأزمات لتلك المجتمعات، عندما لم تستطع أن توازن بين الاقتراض والتنمية، وتضبط عمليات الاصلاح دون فساد وبيروقراطية.

إن وضوح هوية الاقتصاد السوري سيشجّع الكثيرين على الاستثمار في سوريا، وسيعزّز استقرارها والتعامل معها بوصفها دولة تعرف من أين تنطلق وإلى أين تريد الوصول، دون اضطرابات إجتماعية أو انتفاضات مطلبية لا تتحملها سوريا الجديدة. ولعله من المهم ربط كل ذلك بدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح القوانين والتشريعات الضريبية، والحد من التهرب الضريبي، والتضخم ومكافحة الفساد، والتوازن في عمليات التنمية بين مختلف المناطق والمحافظات، وبين الريف والمدن.

المصدر: “موقع مُلتقى العروبيّين”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى