مقالات

العراق و«الحشد الشعبي».. أي ارتباط يتوجب أن يُفكّ؟

“المدارنت”
مقدار من الصحة الشكلية فقط، قد يكتسبه تعبير «لبنة أولى»، الذي استخدمه توم براك، المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا والعراق، في وصف قرار عدد من الفصائل الشيعية المسلحة فكّ الارتباط مع عناصرها العاملين في جيش «الحشد الشعبي»، وتسليم أسلحتهم للحكومة العراقية.

والشكل هنا لا يقتصر على عدد تلك الفصائل («عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي» وأمينها العام شبل الزيدي، بعد مبادرة مقتدى الصدر زعيم «التيار الوطني الشيعي» إلى فكّ ارتباط جناحه العسكري «سرايا السلام» عن التيار)؛ مقابل تلك التي لم تحسم موقفها بعد، أو تضع شروطاً وتثير تحفظات (لعلّ أبرزها منظمة «بدر» بقيادة هادي العامري، و»كتائب سيد الشهداء» ميليشيا هاشم السراجي، و»ثأر الله» جماعة وليد الحلي).

ثمة هنا ما يشبه اختزال غابة واسعة مترامية الأطراف متشابكة الأدغال، إلى شجرة واحدة أو حتى خمس شجرات، هم الفصائل الخمس المذكورة تسمياتها آنفاً، باستثناء تنظيم الصدر ذي المعادلة المختلفة؛ الأمر الذي يعيد التذكير بتعريف طريف، صائب في اعتبارات عديدة، أطلقه الكاتب السياسي المصري فادي عيد: مغارة عراقية وأربعون ميليشيا! وأطراف المجاز هنا هم علي السيستاني المرجع الشيعي الأعلى، الذي أفتى في حزيران (يونيو) 2014 بوجوب «الجهاد الكفائي» وفتح بذلك بوّابة ولادة «الحشد الشعبي»؛ وعشرات الفصائل المسلحة والميليشيات والأحزاب والقوى السياسية الشيعية التي توالدت ذلك العام، كما ينفجر الفطر في غابة دامسة الضوء، رطبة الهواء.

وهذه الغابة، بمكوّناتها المذهبية والعصبوية والعشوائية والمسلحة، لم تفلح في مقاومة «داعش» قدر فلاحها في مفاقمة شروط المحاصصات الطائفية البغيضة التي كان الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق سنة 2003 بمثابة حاضنة أولى لاستيلاد أشدّ مخلوقاتها بشاعة وتشوّهاً وتوحشاً.

وهي، أيضاً، لم تقدّم للشعب العراقي أيّ خدمات توازي جرائم الحرب التي ارتكبتها غالبية تلك الفصائل في سوريا، لنصرة نظام بشار الأسد بأوامر مباشرة من قاسم سليماني و»الحرس الثوري» الإيراني؛ على غرار كبائر الانتهاكات التي ارتكبتها في دمشق والغوطة والقلمون وحمص وحلب ودير الزور ميليشيات مثل كتائب «حزب الله» العراقي، و”حركة النجباء”، و”عصائب أهل الحق”، و”حركة أنصار الله»، و”كتائب سيد الشهداء”، و”كتائب الإمام علي”.

فإذا صحّ، شكلياً في الجوهر وجزئياً دائماً وحتى إشعار آخر طويل أغلب الظنّ، أنّ فكّ الارتباط بين عناصر عدد من الفصائل الشيعية المسلحة وجيش «الحشد الشعبي» يمكن أن يكون «لبنة أولى»؛ فإنّ اللبنة شائهة الولادة لن تستقر إلا في عمارة متداعية الأركان أصلاً، واهية البنيان والركائز، أقرب إلى هشيم لا يُستجمع اليوم على عجل إلا لأنّ معطيات هذا «الشرق الأوسط الجديد» الذي تديره العقيدة الجيو ـ سياسية الأمريكية الراهنة، ما بعد «طوفان الأقصى» تحديداً، والحرب الأمريكية/ الإسرائيلية ضدّ إيران وأذرعها في المنطقة… لم تعد تسمح بألعاب شبيهة بتلك التي سبق أن حكّمها أمثال بول بريمر (الحاكم المدني لعراق ما بعد غزو 2003)، أو دايفيد بترايوس (صاحب «اندفاعة» 2007 العسكرية الستراتيجية)، أو حتى هذا الأخير وقد ارتدى قبل أيام ثياب الوسيط بين البيت الأبيض و”الحشد الشعبي”.

صحيح، بالطبع، أنّ «الحشد الشعبي» وقع بدوره ضحية الضربات القاصمة التي أصابت إيران وأذرعها خلال الأشهر الأخيرة، والتي لم تشهد إضعاف المركز الأكبر في طهران ومفاصل «الحرس الثوري» أينما تمددت أو تمركزت، فحسب؛ بل شملت جرائم حرب إسرائيلية مثل عملية الـ»بيجر» في لبنان، وسلسلة اغتيالات نوعية أجهزت على حسن نصر الله وعدد من كبار قادة «حزب الله» اللبناني. ليس أقلّ صحة أنّ انهيار نظام «الحركة التصحيحية» في سوريا، أواخر 2024، واضطرار الفصائل الشيعية العراقية إلى الارتكاس نحو الداخل العراقي، كان بدوره عنصر تقويض مباشر لبعض أهمّ ركائز «الحشد الشعبي»، وذلك على نطاق أعرض بكثير يشمل الخطوط العراقية/ السورية/ اللبنانية.

هذه خلاصة بديهية، غنيّ عن القول، ما خلا أنها اقتضت من مكوّنات «الحشد الشعبي»، الفصائل ذاتها التي ارتكبت جرائم الحرب في سوريا، أن تغترب عن ذاتها داخل العراق أوّلاً، أو بالأحرى داخل

العراق وحده هذه المرّة؛ بمعنى التطابق، أكثر فأكثر، مع أدوارها العسكرية الميليشياتية تجاه الحكم والحوكمة في بلد خاضع لنفوذ طهران، عبر «الإطار التنسيقي» وقيادات على عيار نوري المالكي وهادي العامري، من جهة أولى؛ ثمّ الرضوخ، من جهة ثانية، إلى تقييدات صريحة غليظة تأتي من البيت الأبيض، ترقى إلى ما هو أبعد من الإنذار والتهديد والوعيد، وتبلغ مستوى إقصاء المرشحين لرئاسة الحكومة، أو تضع سلسلة خطوط حمراء لبرامج المرضيَ عنه من مرشحي الولادات العسيرة.

بهذا المعنى فإنّ الارتباط الذي يتوجب أن يُفكّ أولاً هو ذاك الذي جعل من «الحشد الشعبي» جيشاً داخل الجيش العراقي، أو أعلى منه سطوة وهيمنة وتسلطاً، مع إسباغ شرعية قانونية (والبعض لا يتردد في الصراخ: دستورية!) على تكوين طائفي وميليشياتي تابع لقوّة خارجية؛ ليست معنية بإدارة العراق إلا على أسس التبعية والولاء الخارجي والشرذمة الطائفية.

وبالتالي فإنّ من باب استغفال عقول العراقيين أن يجري الترويج لسردية «فكّ الارتباط» هذه، ومثلها حكاية «اللبنة الأولى» التي يستطيب المبعوث الرئاسي الأمريكي استخدامها؛ ليس لأنّ البنيان آيل إلى تآكل وانهيار وسقوط فقط، بل كذلك لأنّ آفة الفساد والإفساد هي قرينة العمارة ذاتها التي شاركت قوى «الحشد الشعبي» في تمكينها، وتحرسها اليوم بمعدلّ تريليونات من المال العام تُنهب علانية، من قلب المصارف الحكومية ذاتها بادئ ذي بدء.

عراق هذه الأيام، كما تحيل إليه غابة الميليشيات وأحوال البلد المعيشية وأزماته اليومية الخانقة وفضائح الفساد المتعاقبة، ليس غريباً عن عراق مطالع «التحرير» بعد اجتياح 2003؛ حين تعيّن على الغازي الأمريكي مجابهة معضلات عاجلة تتطلب حلولاً فورية، وذلك قبل أن يغرق في وحول المستنقع، ويصبح وجهاً لوجه أمام الاستعصاء الأكبر في سيرورة الغزو: هضم العراق، البلد والحضارة والتنوّع الفسيفسائي المعقد، وافتعال درجة دنيا من صورة «استقرار» لا مناص من بلوغ بعض تفاصيلها، قبيل إعلان «النصر» الشامل.

ولا يصحّ أن تُنسى حقيقة أنّ الغزاة عالجوا بعض تلك المعضلات عن طريق إطلاق النار على كلّ هدف متحرّك (كما حدث في مجازر الموصل المبكرة)؛ أو العهدة بالمهمة إلى أمثال محمد محسن الزبيدي (الذي سارع إلى تنصيب نفسه في موقع «رئيس حكومة بغداد»)، أو جودت العبيدي (في منصب «رئيس بلدية العاصمة»)، أو مشعان الجبوري («حاكم الموصل»).

خيار آخر تمثّل في إغماض الأعين وصمّ الآذان تماماً عن السلب والنهب والتخريب، لأنّ هذه القوّة الغازية القادمة من تاريخ حضاري لا يزيد عن 200 سنة، أباحت استباحة حضارة تُعدّ بآلاف السنين. أو، أيضاً، عقد اجتماعات مسرح الهزل الهابط، لكلّ مَن هبّ ودبّ من أطراف «معارضة» مفلسة عاجزة، انتهازية ومرفوضة من الشارع الشعبي العراقي، كما حدث في جلسات خيمة أور قرب الناصرية.

غزو أمريكي يسير اليوم على رأسه، فلا يجد في موروثاته (أذرع إيران، ذاتها التي طوّب لها أقدار البلد!)، سوى رئيس حكومة مطواع مطيع؛ مطلوب منه، للمفارقة الصارخة، أن يرضي واشنطن وقيادات «الإطار التنسيقي»، هذه الأخيرة ذاتها التي اضطرت إلى الخضوع للإملاءات الأمريكية، ما دامت مرجعياتها العليا معلقة على مفاوضات واشنطن… مع طهران!

صبحي حديدي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى