العروبة والإسلام.. توأم رحم الوجود.. “الجزء 2”

خاص “المدارنت”..
ليست عالمية الإسلام موضع جدل أو اختلاف، أما على المستوى العربي فنبين أن الرسول (ص) عربي، والقرآن الكريم عربي اللغة، والله تعالى شرّف العرب بخاتم رسالاته، وكلّفهم بحمل عبء الحفاظ عليها، إضافة، لوجوب حمل لواء نشرها، عالميا. انطلاقا من هذا التمايز الإلهي لأمة العرب، فقد عزز ما تميز به الإسلام في قسماته الحضارية وجوانبه التاريخية، ثم أخرجه بطابع عربي قومي.
من هنا، تجلت البداهة في ضرورة التركيز على اللغة العربية، أو العقل العربي، التي استدلت على أن ولادة الإسلام انما انبعثت من رحم العروبة، ونشأ فوق أرض عربية، شرط، والشرط لارادة السماء، الا يكون للعرب دون غيرهم، فهو للناس كافة، رغم أنه تكليف إلهي لرسول عربي، وهذا يقضي على بني قومه (العرب)، العمل أداء امانة الدعوة والتبليغ، وهذا التكليف الإلهي، انما يرتبط ويلازم الإنسان العربي المسلم، هذا اولا، وثانيا، لما كان التنزيل الحكيم باللغة العربية، يعني أنه يلزم وجوب العرب تعليم القرآن للناس، مع شرحه وتفسيره، وبيان معانيه، ثم توضيح دلالاته ومقاصده.
لا شك انها مهمة صعبة، ولا يمكن، بل يستحيل للفرد أن يقوم بتنفيذها واقرارها، وهذا يعني واجب العرب جميعا، كامة، هم مرشحون لهذه المهمة، بحكم فطرية لغتهم وهويتهم، يضاف إلى وجود المقدسات الاسلامية فوق أرض العرب، وهي أيضا قبلة المسلمين كافة، اي عالمية، وفي هذه الحالة، يتطلب من الإنسان العربي واجب الاستقبال والضيافة، والترحيب، وتأمين الراحة، كل ذلك يفرض عليه (العربي) أن يكون على مستوى رفيع من الوعي والثقافة، إلى جانب راق على مستوى المعرفة والإخاء، والمحبة والتسامح.
وللبيان في بناء العلاقة المتلاحمة بين العروبة والإسلام، نستطيع تمييز خصائص بين مراحل ضعفها وقوتها، كنتاج فكري وحضاري، حيث بينتها مراحل ثلاث، لكل منها طابعها الخاص والمميز، وهي:
1 – مرحلة العلاقة في إطارها العربي، وتشمل عهد النبي (ص) وزمن أو بكر (رض). تميّزت بالسلبية، في العهد المكي، ثم تحسن في العهد المدني. وهذا ما خاطب الله تعالى العرب به: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
2 – مرحلة خروج العلاقة من الإطار العربي إلى إطارها العالمي، إذ تمثلت مع خلافة عمر (رض)، وانتشرت خارج الجزيرة العربية، وتميّزت بقوتها وايجابيتها.
3 – مرحلة رداءة العلاقة وتقهقرها، هذه هي مرحلة النفاق والتخاذل، العربي والاسلامي، حيث برزت مع بداية القرن التاسع عشر،حيث اتخذت العروبة مفهوما قوميا، وبعدا سياسيا، فسعى بعض أبناء الأمة لتحقيق دولة مستقلة، بحدودها القومية، وعلى إثر هذه الأفكار، ظهرت الظنون السيّئة لمفهوم القومية العربية، فبرزت الأحزاب، أو الحركات، الدينية، وبدأ الصراع، وبدأ حرب الأفكار والثقافات،داخليا وخارجيا، مما عزز دور الاستعمار، بالوانه، كما رسّخ الفرقة والشتات بين أبناء الأمة الواحدة، وأنطلق الادعاء الفكري في محاربة الهوية العربية.
لما كانت المنظومة المعرفية، وثقافتها العربية،تلتزم حدود بيئتها، اي تفتقر وتفتقد الإطار المرجعي، كنظرية كاملة شاملة، لكل مناحي الحياة العربية، ولكن ومع مجيء الإسلام تجسّد ذلك الإطار في بلورة تلك المنظومة، فادخلها بوتقة أوفى واشمل، منطلقا من هزّ كيان الإنسان العربي، عقلا ووجدانا، دافعا به إلى تغيير سلوكه، وإلى توجيه تصرفاته، وإلى تبديل نمط حياته، جعله يعود إلى ذاته، يراجعها، يتبصر ما يحيط به، يحلل، يستنتج، يستدل ويكتشف، فكل ما يحيط به، سنن وقوانين، ما أصعب مثل هذا التحوّل والتبدل على النفس الانسانية.
هذه الامور، تعتبر المدخل الطبيعي لذلك الإعجاز اللغوي، وبيانه، وفصاحته، أنه السبب والاداة التي تحرك العقل نحو التذهن والتفكر والتدبر، وعليه، فالضرورة تفرض إتمام عملية التعقل في إطارها الشمولي، الذي يجمع بين العقل والوجدان والسلوك، وجوهر ذلك الشمول، انما هي اللغة العربية التي تعبّر عن هذه الأشياء، أضف الى انها الوسيلة والغاية لكل معرفة. واهم المعارف التي ملكت الإنسان ووضعته الموضع السليم،انما تمثّل في تحويله من التعدد إلى الوحدة، واخرجته من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
لا شك أن تحريك العقل، اندفع ليصيب صميم العلم والمعرفة، من خلال الآثار الذهنية التي تحث على التساؤل، بعد التأمل والإدراك والوعي والفهم، ثم الاستنتاج وإصدار الاحكام، بعد ذلك، يُكشف عن الحق ثم تتجلى حقيقة المعرفة.
فالقرآن، وما يحويه من معطيات في العقيدة، في التشريع، في السلوك، إضافة لبيان حقائق علمية، انما يمثل نسقا علميا، معرفيا، يُحرك العقل الإنساني، فيفجر طاقاته، ويدفع به إلى استمرار اكتشافاته لكل ما يحيط به من مظاهر ووقائع، وهذا دليل، وتأكيد على ان صياغة الحضارة العربية/ الاسلامية، انما هي نتاج فعالية عقل الأمة، ذلك العقل الذي صاغته اللغة العربية، التي تركت بصماتها وآثارها ومعالمها، داخل مرافق وأنشطة الحياة العربية، من ابداع فكر، وابتكار تقني علمي، وعلو أخلاق، وسمو مبادئ في سلوك الفرد والجماعة.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



