العلمانية والاخلاق.. الجزء “2” والاخير

(…).
** في النظام الرأسمالي قدمت المرأة باعتبارها مصدر لليد العاملة الرخيصة، ولما كان زيادة الطلب عنصر رئيسي في بنية النظام الرأسمالي فقد أوكل الإعلان عن السلع الجديدة وترويجها إلى المرأة، فباتت بأشكال الإغراء الذي تظهر فيه مروجةً للسلع عبر آلية الإعلان التي تقوم بها، وهو سوق له أهمية كبيرة في العقل الراسمالي لأنه يدر مليارات الدولارات سنويا على أصحابه، ويدخل في هذا السوق، عروض الأزياء، ومسابقات الجمال، والإعلانات، وكل منتجات السوق الراسمالي التي تتصل بالمرأة في هذا الجانب، كما اعتبرت المرأة سلعة رئيسية في سوق “الترفيه”، والترفيه صناعة خاصة لها طبيعتها وبنيها في النظام الرأسمالي، منها ما هو معلن تقره قوانين تلك الدول، وتنظمه، وتعتبره مهنة كالمهن الأخرى، مثل سوق البغاء والدعارة، والملاهي والمراقص الليلية … الخ، ومنه ما هو مستور لأن القانون يحظره، لكنه واسع الانتشار جدا. مثل سوق الجنس المجرم، والمخدرات.
**الدكتور عبد الوهاب المسيري يرصد في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، الأشكال التي يتبدى فيها الانسان في مسيرة الانتاج في النظام العلماني : وهي الانتاج في المصنع ، والاستهلاك في السوق ، واللذة في الملهى، أو في ما يقوم مقام الملهى. ويتحدث عن قطاع اللذة في هذا المجتمع رابطا بين مكانة اللذة والمنفعة في بنية هذا النظام، وموضحا السبب الذي أدى إلى التأخر النسبي في ظهور الأهمية المميزة لقطاع اللذة في بنية هذا النظام ، يقول المسيري:
“وقطاع اللذة شكل جديد من أشكال الجماعات الوظيفية في العصر الحديث، وهو جزء مهم من قطاع تزجية أوقات الفراغ، ولفهم وضع هذه الجماعات لا بد أن نشير إلى أن النموذج العلماني للمجتمع يدور حول مفهومين هما: المنفعة واللذة، ولكن المفهومين متداخلان منذ البداية، إذ أن ما يدخل اللذة على أكبر قدر ممكن من الناس يعد خيراً ونافعاً، بل إن المنفعة واللذة يكاد يكونان مترادفين لأن كليهما عرف داخل المرجعية المادية.
ومع هذا يبدو أن جانب المنفعة العملية هو الذي ساد في الفترة التقشفية التراكمية للراسمالية حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثم بدأ جانب اللذة يسود بالتدريج في الفترة الاستهلاكية أو الفردوسية، إلى أن أصبح مفهوماً أساسياً، وهدفاً أسمى للإنسان في المجتمعات العلمانية، وقد عرفت اللذة منذ البداية بشكل حسي إلى أصبح العنصر الجنسي تدريجيا أساسا فيها”.
** في العام 1994 ما بين الخامس والثالث عشر من سبتمبر عقد في القاهرة “المؤتمر الدولي للإسكان والتنمية” في نسخته الثالثة.( الأولى كانت في رومانيا عام 1974، والثانية في المكسيك عام 1984)
في هذا المؤتمر الذي تضمن قضايا كثيرة مهمة وإيجابية، تضمن أيضا فقرات ومقررات بشأن ما دعي بـ”الأشكال المتعددة للأسرة، تبعاً لاختلاف النظم الثقافية والسياسية والاجتماعية”، وتم الحديث عن ” ممارسة الأزواج والأفراد في”حق الأنجاب”.
الأزهر والفاتيكان أعترضا على ما ورد في وثائق المؤتمر مما يعارض ثوابت الموقف الديني إزاء الأسرة. لكنً ميزانية ضخمة رصدت لتطبيق ما ورد في قرارات المؤتمر حددت بأكثر من 18 مليار دولار بحلول العام 225 لبرنامج السكان والصحة الإنجابية في البلدان النامية.
** ثم بدأنا نتابع تغيرا مبرمجا في القيم قائما على خلق أشكال متعددة للأسرة، وعلى تغيير ممنهج لمفاهيم العلاقات الجنسية، والقيم الأخلاقية، وبدأ هذا التغيير يفرض نفسه تدريجيا بحكم القوانيين المحلية في كل دولة تأخذ به، ثم بدأت الضغوط لجعل هذه ” الأشكال والقيم الجديدة” قيماً سائدة عالميا، مفروضة على جميع الدول والمجتمعات، وبدأت تدريجيا ترتبط بالمساعدات، والمعونات، وتواجه بالضغوط المختلفة.
** صرنا نسمع ونتابع الحديث عن العائلة التقليدية: أي العائلة القائمة على أم وأب، وزواج قانوني شرعي، ثم بدأ الحديث عن وجود عائلة جديدة قائمة على”مساكنة بين رجل ومرأة دون زواج”، وينتج عن هذه العائلة ما ينتج عن العائلة الأولى من أولاد وعلاقات. ثم بتنا نسمع ونتابع عائلة قائمة على “زواج”، أنثى بأنثى، وذكر بذكر، وباتت دول عدة تسجل هذا “الزواج” وتعترف به، وتعطيه الحقوق نفسها التي تعطى للزوجين الطبيعيين، ومن هذا المدخل بدأ الحديث عن ” تغيير الجنس”، بحيث يكون الانسان حراً في أن يتحول من ذكر إلى أنثى ومن أنثى الى ذكر.
** وفي خضم هذا التطور اعتبر إطلاق الأسماء المعروفة منذ مطلع التاريخ الانساني المكتوب في وصف مثل هذه الأوضاع ،”الشذوذ الجنسي، اللواط، السحاق ، المخادنة”، ألفاظ تمييز عنصرية يجب الابتعاد عنها، وإدانتها، ويجب اعتماد الأوصاف الجديدة.
وقد بدأ الدفاع عن هذا الانحراف بنفي صفة الانحراف عنه، واعتباره مظهرا من مظاهر “الحرية الشخصية”، وصولا إلى اعتباره نتاج تركيب جيني بيولوجي طبيعي، لا يجوز انكاره ولا محاولة كبته، والمعنى هنا أن “الشذوذ”، شأنه شأن “متلازمة داون”، التي كان يطلق على المولود المصاب بها اسم ” طفل منغولي”، شيء جيني لا علاقة للفرد فيه، وليس أمام المجتمع إلا الاعتراف به دون تمميز أو إقصاء.
والحق أنه ليس هناك أية دراسة علمية تثبت أو ترجح أو حتى تشير إلى وجود سبب جيني للشذوذ، وإنما هناك حالات لا يكون فيها ” جنس” المولود محسوما، أي يكون في جينات المولود اضطراب في الانحياز إلى أحد الجنسين الذكر أو الانثى، ويكون لديه استعداد للتحول إلى أين منهما، لكن في هذا الاستعداد قصور، أي موانع ذاتية تحتاج إلى تدخل خارجي، حالة “الخنثى”، “أي أن الخصائص الجنسية مثل الكروموسومات أو الغدد التناسلية، أو الأعضاء التناسلية” لا تتناسب مع التحديد العلمي لكلمتي انثى وذكر، وهذه حالة مرضية حقيقية، يجب على الطب أن يعالجها كما يعالج أي حالة قصور، أو تداخل في خلقة الإنسان، وهذا لا يُدعى ولا يصنف تحت بند تغيير جنس الشخص، وإنما تحت بند مساعدة المولود على تغليب الصفات الجنسية الأساسية لديه.
هناك أوضاع شاذة متعددة قد تصيب المولود سببها بيويولوجي، والتعامل معها معروف ومحدد: إنسانيا، ودينيا. ويقوم على العمل على تحقيق الشفاء التام من تلك الحالات، وإن لم يكن الشفاء والمعالجة التامة ممكنا، فالعمل يمضي إلى التخفيف من أثرها على الفرد والمجتمع، بحيث يؤهل المبتلى بذلك ليكون قائما بشؤونه، ومندمجا بمحتمعه بحدود ما يستطيعه ويقدر عليه، ويؤهل المجتمع كذلك ثقافة وسلوكا، ليكون متقبلا ومتفاعلا مع هذه الحالات وطبائعها.
وبكل الأحوال فليس هذا “الصنف من التغييرات” هو ما يقصد، أو ما يقف خلف ظاهرة أو حركة ” تغيير الجنس”، ذلك أن منبع هذه الحركة آت من مزاعم ” الحرية الشخصية” في اختيار الجنس أو في التحول الجنسي، أو اختيار طرق التواصل الجنسي، وليس من حالة مرضية أوتشوه خلقي.
إن هذا الذي يحدث هم الشذوذ الجنسي بكافة صوره، هو الفاحشة بابشع صورها، والأمر لا يحتاج إلى تستر، أو إطلاق أسماء جديدة لتغطية طبيعته، وهو شذوذ يريدون له أن يعم وأن يعترف به، ولن نفاجئ مستقبلا في أن يروج له ليكون له الصدارة في المجتمع، ولقد اختزلت صورة غوتيه دستيناي زوج رئيس لوكسمبورغ كزافيه بيتيل صورة “الزواج المثلي” أو ما يدعى ب”زواج” الشواذ بين الرجال، حينما حضر غوتيه إلى جانب زوجات قادة قمة حلف الناتو في بروكسل في 26 / 5 / 2017 لالتقاط الصورة الجماعية التي تؤخذ لهن بمثل هذه المناسبة، وكان كازافيه “تزوج” غوتيه في 15 / 5 / 1915 في حفل حضره عدد من الزعماء الليبراليين.
** إنهم يريدون أن ينسفوا نهائيا فكرة الأسرة، وهي عماد الوجود الإنساني على هذه الأرض، وعماد التكوينات الاجتماعية الأولية وصولا إلى تكوين الأمة، وعماد التاريخ الاجتماعي كله.
** ويريدون أن ينسفوا فكرة العلاقة الشرعية بين الذكر والانثى، لأنهم نفوا وجود “مفهوم الشرعية” أصلا، ويعتبروا الطرفين: الذكر والأنثى، متساويين في التعبير عن طبيعتهما الجنسية، أي أن الطبيعة الجنسية تصبح” ملكية شخصية” يتصرف فيها مالكها كما يشاء، بمطلق حريته، أي يتصرف الذكر والأنثى كل بجنسه كيفما شاء.متمتعا به، أو مؤجرا له.
** ومن هذه الزاوية فلا يبقى معنى أو أساس للحديث عن محرمات، ف”المحرمات / الممنوعات” موقوتة إما بحكم قانون سائد وضعته الدولة، أو بحكم عادة سارية، وكلا الأمرين مرهون بزمان ومكان، ومقدر له أن يتغير.
** ما الذي يجعل العلاقة بين الأب وابنته محرمة؟، مالذي يجعل العلاقة الجنسية بين الأخ واخته محرمة؟، ما الذي يجعل العلاقة بين الأم وابنها محرمة؟… في إطار ما يسعى فيه النظام العلماني، فالجواب لا شيء حقيقي، لا شيء ذو قيمة، هي مجرد قوانين وضعها المجتمع، إن وجدت هنا افتقدت هناك، وإن وجدت اليوم سقطت وتبدلت في الغد.
4
** النظام العلماني الراسمالي قائم على مبدأ المنفعة، والمنافسة، مبدأ دعه يعمل دعه يمر، وعلى قاعدة الزيادة المستمرة في هامش الربح، والتخفيض المستمر في التكاليف، والتنافس يعني فيما يعني التصارع الذي يولده اختلاف المصالح، التصارع بين الرأسماليين أصحاب المشاريع، والتصارع بين الدول التي تمثل أصحاب هذه المشاريع، لكن لأن الدولة تمثل في حقيقتها محصلة القوى الممسكة بعملية الانتاج وبمراكز القوة والثروة في المجتمع، والتي هي بطبيعتها متنافسة، فإن هذه الدولة تضع عبر مؤسساتها التشريعية القوانين والحدود التي تحافظ على مجمل تلك القوى، وحين دخلت قوى العمل وقوى المجتمع المدني كأحد مكونات تلك الدولة، فقد اصبح من وظيفة الدولة أن تراعي مصالح هذه القوى الجديدة.
بهذه الطبيعة للدولة الرأسمالية، العلمانية، “المادية النفعية” فإنها تكون قد فتحت الباب لجرثومة الفساد، إذ أن التطلع إلى تحقيق هامش ربح أعلى يدفع الشركات إلى محاولة تجاوز القانون أو القوانين التي تنظم العلاقات المادية المختلفة بين أفراد ومؤسسات المجتمع، ولا سبيل إلى تجاوز القوانين المنظمة للمجتمع إلا بالرشوة، أي برشوة ” الأفراد” الذين تفرض عليهم وظائفهم السهر على تطبيق القوانين، وتحقيق المساواة بين الأفراد والمؤسسات والتشكيلات المختلفة أمام القانون ووفق نصوصه.
هذا في داخل الدولة ” الرأسمالية / العلمانية”، أما في تعامل هذه الدولة مع الدول الأخرى، ونخص هنا أكثر”الدول المتخلفة”، فإن اتباع طريق الفساد يكون هو القاعدة الرئيسية في الحصول على الامتيازات والعقود والمشاريع، أي أن الدولة الراسمالية العلمانية تمضي قدما وبشكل ممنهج في إفساد “القائمين على الدولة المتخلفة” لتحقق للشركات التي تمثلها الهيمنة على ثروات تلك الدول، ولنا فيما حدث ويحدث في دول النفط في افريقيا ودول امريكا اللاتينية مثلا على ذلك ، ولنا في سلوك الشركات الكبرى مثال آخر.
يمكن لدولة من دول الغرب الاستعماري أن تطيح باستقرار دولة من الدول “النامية”، وتدفعها إلى أتون حروب أهلية مدمرة ، حتى تؤمن لشركاتها استمرار الهيمنة على هذه الدولة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، وفي بلداننا العربية أمثلة دامية واضحة لا تخطئها العين، وبالتالي لا تحتاج أن نضرب بها أو بإحداها مثلا.
يمكن لشركة معينة أن تعمد إلى تلويث مياه المحيط للتخلص من نفايات تحملها، دون أن يعني لها هذا الأمر أي شيء، ودون أن يردعها أي رادع، إلا حين ينكشف ألأمر.
يمكن لنظام في دولة أن يحرق ويدمر غابات بأكملها من أجل توليد مناطق زراعية يستفيد منها غير عابئ بما يؤدي ذلك من دمار للنظام البيئي على مستوى الكرة الأرضية.
يمكن لمسؤولين أن يدفنوا في بلادهم نفايات كيماوية ونووية، ناتجة عن عمليات شركات عالمية كبرى، لأن هذه الجريمة تزيد من رصيدهم وثرواتهم، غير عابئين بالكوارث الناتجة عن هذه الجريمة.
نحن نتحدث هنا عن الفساد كمنظومة اجتماعية رئيسية تولدها الدولة ممثلة بأشخاص المسؤولين المتنفذين فيها، وليس عن سلوك فردي قد يقع فيه الفرد، نتيجة حاجة طارئة، أو نتيجة رغبة جامحة، أي أنها منظومة حاكمة لبنية الدولة، قائمة على “استغلال السلطة من أجل منفعة خاصة”.
ما نقوله هنا قالته بوضوح منظمة الشفافية الدولية Transparency International في تعريفها المشار إليه للفساد، و تقاريرها حين حددت أن منبع الفساد الحقيقي والأخطر في الدول النامية هي الشركات العالمية الكبرى، التي تسارع لتقديم الرشاوي للمسؤولين في هذه الدول للحصول على الامتيازات والعقود غير القانونية، ثم لتغطية التنفيذ السيء لتلك المشاريع.
الفساد واحد من أهم تجليات النظام العلماني على المستوى الوطني / المحلي وعلى المستوى العالمي / الدولي، وهذا وحده ما يفسر وجود أنظمة بالغة الفساد والسوء، محمية من تلك النظم العلمانية، وهو أيضا وحدة ما يفسر أن يكون قادة دول غربية متقدمة غارقين في الفساد.
وإذ يتكفل التطور القانوني والاجتماعي في رصد الفساد في المجتمعات المتقدمة، ويتكفل بملاحقة هذا الفساد، فإن بنية المجتمعات النامية المتخلفة تفتقد آليات كشف ومتابعة هذا الفساد، وتسيطر قوى الفساد على كل مفاصل المجتمع وتتحكم به، وفي الوقت نفسه تحتمي بالدول الكبرى وتتقوى بها.
المشكلة الجوهرية للفساد / الفاسدين، في النظام العلماني تنبع من أن يعرف المجتمع بواقعة الفساد فقط، وليس من أي شيء آخر، وفي حال تمتع المجتمع بأخلاق موروثة ثقيلة الوطء على أبنائه، فإننا نرى حالات “انتحار”أو حالات “اعتزال”، تخلصا من العار الذي يجلبه “كشف الفساد”، وليس وجود الفساد. ( ولعل أوضح مثال على هذا ما نجده في اليابان أو كوريا الجنوبية)، وفي حال مجتمعات لا تملك مثل هذا الإرث فإن الفاسدين يجدون لهم من يدافع عنهم ويتواطئ معهم لاستمرارهم في الحياة العامة، وفي العمل العام.
5
يمكن أن نقول بيقين أن العلاقة بين العلمانية والأخلاق علاقة واهية، وأن العلمانية تقيم لنفسها “قيما وأخلاقا” لم يسبق أن عرفتها البشرية، نقول هذا ونحن نعلم أنه منذ أقدم تاريخ للبشرية كان الفساد الأخلاقي والمادي والجنسي معروفا، لكنه لم يكن أبدا يمثل نظاما أخلاقيا للأسرة والمجتمع والنظام السياسي والاجتماعي، كان أمرا عابرا وجزئيا، وهو نتاج مادية المجتمع وضعف الاعتقاد الديني، ثم أن البشرية ترقت عن تلك الانحرافات بفعل مولدات الأخلاق التي تحدثنا عنها.
بعد أن بسطنا القول في العلاقة بين العلمانية والأخلاق ، فإن السؤال الذي نختم به هذا البحث يخص العلاقة بين الأخلاق والعلمانيين:
هل لدى العلمانيين أخلاقا؟.أخلاقا كما نعرفها ويعرفها النظام الأخلاقي في المجتمع؟.
أم أن أخلاق العلمانيين هي أخلاق العلمانية كما أتينا عليها؟.
الجواب المباشر والسريع يؤكد أن العلمانيين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو معظم العلمانيين في مجتمعاتنا العربية والاسلامية يملكون أخلاقا وقيما حقيقية، يتمسكون بها ويدافعون عنها.
وليس في هذا القول محاباة، أو محاولة لتخفيف الصدمة التي قد تنشأ عما عرضناه من العلاقة الواهية بين العلمانية وألأخلاق. وليس مستند هذا القول رؤية وتحليل نظري، وإنما ايضا معرفة مباشرة، ذلك أن لي أصدقاء ممن يتبوؤن مراكز مهمة في أحد الأحزاب الشيوعية العربية، وهم يحافظون على صلواتهم، ويتمسكون بمفاهيم الشرف والصلاح، وحسن الخلق، وحين تجادلهم في عمق المسألة الفكرية لدى الفكر الماركسي فإنهم يرفضون الموقف الالحادي ويعتبرونه أنه بات غير أساسي في هذا الفكر “وهذا اعتبار قد يرضي صاحبه، لكنه غير حقيقي، لأن الالحاد أساس من أسس الماركسية”.
ولوجود هذه الحقيقة يصبح من المهم هنا أن نوضح مصادر هذه الأخلاق التي تظهر لدى معظم العلمانيين في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ( وهي تظهر في غير هذه البلدان لأسباب شبيهة لما في مجتمعاتنا).
1ـ أول مصدر لأخلاق العلمانيين في مجتمعاتنا، أن هؤلاء على الأغلب لا يأخذون بالمفهوم الصلب / الشامل للعلمانية، وإنما هم يتعاملون ويعترفون بالعلمانية الجزئية ـ وقد بسطنا هذا المفهوم من سابق ـ والقضية الرئيسية عند هؤلاء هي قضية الحريات والديموقراطية ومحاربة الاستبداد والديكتاتورية، أو قضية العدل والاستغلال، وقد رأوا في شعارات العلمانية ما يساعدهم على ذلك ظنا منهم أن الانسان لا يكون ديموقراطي إلا إذا كان علمانيا، والمجتمع لا يكون ديموقراطي إلا إذا كان علمانيا، وكذلك لايكون مدركا لمعنى الاستغلال ولمفهوم الصراع الطبقي ، ولقيمة العدل، إلا إذا كان شيوعيا ويظنون أن شاهدهم على ذلك مسار المجتمعات الغربية إلى الديموقراطية، ويجب أن نعترف أن فظاعة الاستبداد والديكتاتورية والفساد والتخلف في مجتمعنا وصلت إلى مرحلة تخرج الحليم عن طوره.
2ـ المصدر الثاني أن معظم هؤلاء العلمانيين مؤمنون، في أعماقهم مؤمنون: المسلم منهم مسلم يصوم ويصلي ويحج ويزكي، والمسيحي منهم مسيحي بحق، ولا يأخذون على محمل الجد الارتباط الحقيقي بين العلمانية والإلحاد، وشاهدهم في دعواهم عدد من الدول الغربية العلمانية التي تعتبر الكنيسة ذات وجود حقيقي ومؤثر وقانوني فيها، بل وإن الدستور يحفظ لها هذه المكانة ويرعاها.
3ـ المصدر الثالث أن العادات في مجتمعاتنا، وهي مكون من مكونات الأخلاق” مكون غير مكتمل” تظهر تمسكا قويا بعدد من القيم الدينية التي تقيم على أركانها مفهوم الأسرة، والتحريم والتحليل في إطار العلاقة بين الذكر والأنثى، والقيمة العليا التي تعطيها للعائلة. فالشرف، والكرامة، والترابط العائلي الأسري، والكسب الحلال، والوفاء، والصدق ، أمر مستقر غير قابل للمناقشة، ولا يخضع للمراجعة.
4ـ أن حال ممثلي التيار السياسي الإسلامي في الجانب الأخلاقي لا يسر، وهو يقدم تبريرا لهؤلاء العلمانيين بأن موقفهم قيمة أخلاقية من مواقف ممثلي هذا التيار، إذ أن معظم أطر وممثلي التيارات الإسلامية لا يقدم نموذجا ذا قيمة للقيم الإسلامية، وهؤلاء واقعون بين الإفراط والتفريط:
** فهم إما أنهم متشددون دون حدود ودون معنى، لقيم يظنون أنها تمثل الإسلام، ثم إنهم في حياتهم وسلوكهم المباشر شأنهم شأن غيرهم في التخلي عن الأخلاق الكريمة المعروفة بالاسلام، وهم يقدمون مصلحتهم الخاصة الحزبية والشخصية على ما سواها.
** وإما أنهم متزلفون للسلطات القائمة إلى درجة لا تقبل التفسير، ولا تترك للعذر مساحة أو مكانا، تزلفا بشعا، يضعهم في صنف المنافقين الذين لايستخدمون الدين ومعرفتهم له، وما حباهم الله من قدرات وإمكانات في التقرب لهذه السلطات وتبرير فظاعاتها وانحرافاتها التي لا تقبل أي تبرير أو تأويل.
وكلٌ يعيد سلوكه إلى الإسلام، لذلك فبعض من يدعو إلى العلمانية يظن أنه يدعو إلى تحرير الإسلام من مثل هذه النماذج، ويقول إن الإسلام بدون هؤلاء سيكون أكثر تعافيا، وأوسع تأثيرا.
ولا شك أنه قياسا على هذا الذي نراه، فإن رفع يد الدولة أو المنظمات السياسية ( باعتبارها مشروع دولة ) عن الإسلام ، يعطي خيرا أوفر لهذا الدين، ويفتح له قلوبا، ويسترد إليه عقولا شوهتها هذه النماذج، وأبعدتها عن دينها.
لكن المسألة لا تعالج على هذا النحو، لا نعالج الخطأ بخطأ آخر قد يكون أقل أثرا، ولا نعالج الاستغلال المشوه للدين بالهروب إلى خارج الحلبة، إذ في هذا المجال نحن لا نتحدث عن تباين واختلاف في قضايا رأي أو قضايا إجتهادية، أو مسائل جزئية، نحن هنا نتحدث عن الإيمان والدين وهما من أهم قضايا المجتمع وأعمقها أثرا، و الذي يريد أن يتصدى لقضايا المجتمع عليه أن يتصدى بحزم وبشمول وبوضوح لهذه المسائل وأمثالها، حتى يعيد الأمور إلى نصابها.
ختاما
فإن صلة العلمانية بالأخلاق صلة واهية، وإذا عدنا إلى معنى الأخلاق الذي بسطناه من قبل، جاز لنا أن نقول إنه ليس هناك في العلمانية أخلاق يمكن أن نقيم عليها مجتمعا، ونبني على أساسها مستقبلا، ونعزز بها قاعدة البناء الاجتماعي وهي الأسرة، ولباب الاجتماع الإنساني وهو العدل. لكن ما يصح على العلمانية الصلبة / الشاملة، لا يصح على العلمانيين في بلداننا وفي البلدان التي تماثل بلداننا، فإن لدى العلمانيين الكثير من الأخلاق، وسيكون لزاما على الذين يؤمنون بضرورة إخراج مجتمعاتنا مما هي فيه من تخلف وتمزق وتبعية وفساد مادي وأخلاقي، أن يفعلوا الكثير ليكونوا هم وهؤلاء العلمانيين في صف واحد، هو صف الإيمان والتغيير والتصحيح وبناء المستقبل. ولعلهم مجتمعين يستطيعون أن يصنعوا هذا المستقبل أو بعضا منه.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



