الغزو الثقافي..

خاص “المدارنت”..
عينا الإنسان، لديها القدرة على التحكّم بما يدخلها! فالعين تُميّز بين الغبار وضوء الشمس. وبتحليلنا لمقولة محمود درويش الرائعة: “أكتب تكن”، إن الكتابة فعل وجودي يؤكّد كينونة الإنسان.
وهذا الفعل الإبداعي إنسانيّ الصفة. الإنسان المُبدع ليس مجرّد كائن حيّ، يعرّف عنه أستاذ العلوم الطبيعيّة، بأنّه يأكل ويشرب ويتنفّس! الكائن الحيّ هو صفة من صفات الإنسان، الذي لا تكتمل إنسانيّته إلاّ بتفعيل وظائف أعضاء جسمه كاملةً.
وقد اختصر العالم أريك فروم، تلك الوظائف، بنتيجتين، هي تحصيل طبيعي يميّز بين إنسان يكون أو كان حي يتملّك، وذلك في كتابه الشهير: “to have or to be” نتملّك أو نكون. وبالتالي، نستنتج بأن محمود درويش: كان، بالكتابة. والكينونة الناجمة عن كتابة درويش، تؤكّد استمراريتها “بالقراءة” لدرويش أو لغيره، من الذين ينتهجون الكينونة.
وبصفتي الإنسانيّة التي أجاهد لبنائها دومًا، زرتُ يوم أمس، معرض الكتاب الدولي في بيروت، فالقراءة هي كينونتي الإنسانية التي أعتّز بها. والمقولة الشائعة: الكتاب بينعرف من عنوانه، فقد صدمني العنوان الظاهر للعيان. فمن الطقوس التي تُشعرك بأنك زرت المعرض، وجمعت غلّة وفيرة من المعرفة التي تستمدّها، أوّلاً، من عناوين الكتب، لتكتمل بعد قراءتك لها.
لست خبيرًا اقتصاديًّا، لأُحلّل انعكاس الأزمة “الدولاريّة” على واقع دور النشر ومشكلاتها وفقرها في امتلاك الكتب القيّمة، وعرضها للبيع. وبنظرة عامّة على الواقع السياسي اللبناني المُتشرذم، وليس هذا بجديد على بلدٍ، يراه البعض في الجزء السطحي:
“الساحل الذي يبعد عن الجبل حوالي الربع ساعة بالسيارة، مع الشاطئ الملئ بنساء المايوهات”، والجزء الآخر (والسطحي أيضًا)، الذي يرى لبنان، ليس إلاّ بندقية تدحر العدوّ الغاصب، لتشكّل خوف للعدوّ من الإقدام على اعتداء على أراضينا، وليس طرحي حلمًا مستحيلاً نابع من وعظ “أبو ملحم”، لأقول: “يا جماعة حبّوا بعض”!
ولكن بقراءة نقدية، أودّ توجيه سؤال منطقي لطرح (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي/ اللبناني) وليد جنبلاط، منذ زمن، حين طلب من حزب الله أن يضمّ سلاح المقاومة الى الجيش اللبناني، الجامع لكلّ الطوائف، حيث هويّة لبنان، يختصر مكوّنتها الجيش!
جنبلاط ليس ساذجًا سياسيًّا، فمن لا يُدرك أن الثنائي جنبلاط و(رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه) برّي، هما عرّابي السلام بعد الحرب الأهليّة اللبنانيّة؟ إن المبالغة في التحكّم بالهويّة اللبنانية، لا تُثني أي طرف عن “شدّ لحاف” الهوية اللبنانية فوق رأسه.
فلبنان في الثمانينيّات حصره جنبلاط، بالإدارة المدنية لمنطقة الشوف، آنذاك. واليوم، سنحت الأزمة لتُستغلّ من فئة لبنانية المنشأ، فارسيّة الهوى، لتُسيطر من دون منافسة على معرضٍ دوليّ للكتاب، كان مناسبةً، لا بل عرسًا ثقافيًّا، ينتظره العرب والأجانب ليزوروه!
ولستُ معترضًا على وجود أي مكوّن من مكوّنات لبنان الطبيعيّة، بل اعتراضي على طمس هويّة لبنان الثقافية العربيّة، من خلال عرض كتبٍ (لا يملأ إلاّ 2% منها) عين المثقّف اللبناني الواعي. فالمقاومة، حقّ مقدّس لشعبٍ عانى الإحتلال الإسرائيلي، وهو للجميع، وهل تعترف الدولة الإيرانيّة، بأن أعنف مقاومة للإسرائيليين بدأت من لبنان “الضعيف”؟
وهل يعترفوا بأن العملية الأولى، بدأت من مقهى الويمبي في شارع الحمرا من رصاصات خالد علوان؟ والقوميون والشيوعيون لم يتوانوا عن العمليات البطولية (سناء محيدلي/ جمال ساطي/ لولا عبود)، ولن ننسى أول شهداء “حركة أمل”، في عملية حسن قصير، الذي دمّر مقرّ الحاكم العسكري الإسرائيلي في برج الشمالي/ قضاء صور..
هذه المقاومة التي أنتجها لبنانيون، لا تستحق معرضًا إيرانيًّا لكتاب، لا يُسوّق الهوية اللبنانية، فما تجده في المعرض، هو غزو ثقافي، يتجسّد في كتاب غريب، لا يناقش قضايا ثقافية، وفي مفردات هحينة، تخاطبك بـ: يا حاج!! وفي لباس أسود، يخفي معالم وجه الفتاة اللبنانيّة الدائم الإبتسامة.


