مقالات
“الـسـحــابـنــة”!

“المدارنت”..
مؤكد أن صديقك من صَدَقَكْ لا من صدَّقك.. الأولى تعني قول الحقيقة والإخلاص في النصيحة.. والثانية الاعتراف بصدق القول وتأييده! ولو أن لكل صاحب كلمة- مكتوبة أو مسموعة أو منطوقة أو مرئية أو مضمرة- مَن يصدقه القول بأمانة؛ فيبين له ما في كلمته من نقص أو عوار وزيف ومجافاة للحقيقة أو مغالاة تتجاوز حد المنطق وحدود الصداقة أو الخصومة لما عانت الناس وعيًا ناقصًا وخللًا قائمًا في موازين تقديرها للظواهر والأحداث، ولما أصبحت الشائعات آفة ووباء يقتضيان المقاومة المكلفة، إلى آخر ما يترتب على الكلام المرسل والمغرض والمزيف والمبالغ فيه من كوارث.
وفي هذا المقام أجدني حامدًا لله أن جعل لي ومعي من يصدقونني القول، فيلفتون نظري- وبقسوة أحيانًا- إلى خلل فيما أكتب أو أقول، أو يصححون معلومة مغلوطة وأخرى ناقصة، ومن هذا القبيل ما تفضل به صديقي، أستاذ طب القلب الدكتور شارل بشري، عندما كتبت عن رحيل الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، ضمن مقال فيه ذكريات عن الفنانين إبراهيم سعفان وصلاح السعدني وغيرهما، وكان أن نسبت كلمات أغنية فيروز “سنرجع يومًا” إلى هارون، وبادر صديقي للتصحيح، مؤكدًا أن الكلمات واللحن للرحبانية.
وكي نتأكد سويًا من المعلومة التي اختلفت عليها بعض مصادر المعلومات اقترحت أن الجأ لصديق قديم- لم أتواصل معه منذ أكثر من ثلاثين عامًا- هو الأستاذ إلياس سحاب، اللبناني المقيم في بيروت، وهاتفته وردت زوجته وفيما تنقل إليه الهاتف قائلة أحمد الجمال من مصر إلا وسمعت من بعيد صوته: ياااه…. وكانت الأحضان الهاتفية، التي كادت تختلط بنشيج البعد، وصحت: أهلين أبو مروان؟ وعندما طرحت التساؤل أكد أن الكلمات واللحن للرحابنة!
ومن تصحيح شارل إلى المكالمة انفتح جراب الذكريات القديمة نسبيًا، لأن الحصول على رقم هاتف إلياس دفعني للاتصال بمن عمدناه “مختارًا”- أي عمدة- لتلك المرحلة من عمرنا.. المرحلة الممتدة من مطلع السبعينيات إلى التسعينيات، عندما ضمنا جميعًا تنظيم قومي عروبي واحد، هو تنظيم “الطليعة العربية”، وحصلت على الرقم من الدكتور علي فتال “أبو ربيع”، المتخصص دراسيًا في تربية الحيوان، وهو سوري من حلب!
اقتربت من هذه النخبة المثقفة المسيسة، لدرجة أننا انضوينا في تنظيم واحد- كما قلت- وكان آل سحاب نسيجًا متفردًا شديد التميز.. فالأصل فلسطيني.. والنشأة والموطن والجنسية لبنان.. والعقيدة مسيحية.. والانتماء قومي عروبي ناصري، والصنعة فن وثقافة من طراز رفيع، ولا يوجد فرق كبير بين إلياس وسليم وفكتور وسمير، ومن قبلهم الوالدة، في عشق الثقافة العربية والفن الغنائي والموسيقي العربي، بل إن سليم سحاب هو المايسترو العالمي الذي كسبته دار الأوبرا المصرية، وما من معلومة شاردة وواردة ومطمورة في تراثنا الأدبي والفني العربي إلا وتجد “السحابنة”- أي آل سحاب- وعلى وزن “الرحابنة” هم المصدر والمرجع الموثوقان.
تذكرت تلك الأيام بعد زيارة السادات لتل أبيب، وما جرى بعدها، وكنت موقوفًا عن عملي في جامعة عين شمس؛ بعد خروجي من الحبس الاحتياطي الذي قارب العام، وقررنا أن نقدم رؤيتنا السياسية فيما يجرى، فالتقيت الأصدقاء الراحل المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الحميد صفوت، أستاذ علم النفس الاجتماعي، رفيق العمر وزميل الدراسة، والمقاتل الجسور في حرب 1973، والأستاذ المحامي عصام الإسلامبولي- منحه الله الصحة وأطال عمره- وكتبنا نصًا ساهم فيه عصام بالشق الدستوري والقانوني.
وساهم فيه صفوت بشق التحليل النفسي، وساهمت بالشق التاريخي والسياسي، وعكفت في غرفة بسيطة على سطوح بناية في مصر الجديدة، كان يستأجرها أخونا السوري المرحوم أحمد منير أغا، الطالب في إحدى الجامعات، وهو حلبي وعضو في الطليعة العربية، وفي سرية تامة وهدوء أنجزت النص كله على هيئة كتيب حمل عنوان “الناصريون المصريون يحاكمون أنور السادات”، وأرسل النص لبيروت، وتسلمه أخونا إلياس سحاب، ليدفع به إلى الفنان الموهوب في الإخراج “كميل حوا”، ويصدر الكتيب خاليًا من أسماء من كتبوه.
أذكر أنني حصلت على عدة نسخ، وأهديت واحدة للأستاذ هيكل- عليه رحمة الله- الذي كان لتوه خارجًا من السجن، وعرض أن يحصل على الشق النفسي ليضمنه في كتابه الذي كتبه عن السادات وأثار الدنيا! وكان الدكتور صفوت قد قدم “تحليل مضمون”- من وجهة نظر علم النفس- لبعض ما كتبه الرئيس السادات في سيرته الذاتية عن نفسه، وخاصة وهو يصف اللحظة التي كان نائمًا فيها وأضيء نور الغرفة المظلمة، وكانت صدمة الضوء الذي أظلم حياته؛ لأنه وجد على رأسه محمد إبراهيم إمام، رئيس البوليس السياسي في العهد الملكي.. ورأى صفوت أن كلمات الرئيس السادات هي حرفيًا ما يسمى في علم النفس “عقدة رينيه”، حيث الخروج من ظلمة الرحم الوثير إلى صدمة الضوء بعد الولادة!
كانت أيامًا ساخنة حافلة، ورغم أن نظام الرئيس السادات حبسني ما يقرب من عام- تحت مسمى الحبس الاحتياطي- وأوقفني عن عملي في جامعة عين شمس، ولم أكن أجد قوتًا ولا مهجعًا؛ إلا أن المرء الذي يحترم نفسه ويحترم التاريخ لا يمكن أن يجعل من أمر كهذا “لبانة” يعلكها وينفخها ويطرقعها ويكرر قبح إعادة إنتاجها عمال على بطال.
المصدر: “المصري اليوم”.



