مقالات
الـــدواء الـشـــافـــي..
عندما كانت البراميل المتفجّرة تتساقط على رأس المدينة، تحيل العمار الى دمار، وتحفر قبور الموت في منازلها المأهولة؛ وعندما استُنْفدت طاقة الصمود والمقاومة، واقتحم العسكر أبواب المدينة، لم يبق لدى الصامدين من أهلها سوى خيار واحد هو الرحيل.
حمل الراحلون أوجاعهم ومآسيهم، حملوا صراخ أطفالهم وأنين عجائزهم، ودموع القهر في مآقي الآباء والامّهات، ومضوا. تركوا المدينة خلفهم بيوتاً محروقة، وأرزاقا مستباحة، وشوارع وساحات مشرّعة للنار والدمار. رحلوا هائمين على وجوههم ينشدون الأمن في ديار الإغتراب.
ومن العائلات التي اقتلعت من منازلها، وطوّحت بها المأساة خارج الوطن والديار، عائلة “مسعود النفوري”.
كانت هذه العائلة تقيم في أحد أحياء المدينة، وعندما تعرّضت هذه المدينة لجحيم البراميل المتفجّرة، أُصيب أبو مسعود بحروق بليغة أودت بحياته؛ ومع دخول “الفاتحين” من قوّات النظام، كان “مسعود” شأن الكثيرين من أمثاله يفرّ بأسرته عبر الحدود الى لبنان. ويقيم الرجل مع زوجته وولديه في قرية “الزعتريّة” اللبنانية. في هذه القرية يلقي أثقاله في كوخ حجريّ من غرفة واحدة لأحد أبناء القرية، ليعمل عند صاحبه مزارعا بأجر زهيد، يكاد لا يفي بالحد ّ الأدنى من متطلبات العيش.
وتمضي الأيّام والسنون، تراكم المزيد من الآلام والحسرات: العودة الى الوطن دونها محاذير القتل ومعتقلات التعذيب.
الحياة الكريمة في موطن اللجوء دونها العنصرية والطائفية وسياسة إبعاد اللاجئين بحجّة استباحتهم لقمة الفقراء في لبنان. وهل ثمّة من هو احوج للأمن والمأوى ولقمة العيش من الذين شرّدتهم يد البطش لدى الحاكم وحلفائه، أمّا حاجات الطعام والشراب والكساء، فهيهات أن تتوفّر لها أدنى مستلزمات الكفاف. ومع ذلك، كانوا يعيشون على قوت الصبر والأمل بالعودة ذات يوم.
لكنّ حدثا طارئا أشعل جذوة المعاناة في هذه الأسرة؛ فالرجل الذي كان يتوقّد حيويّة في ميدان عمله، تنحطّ قواه، ويغدو ضعيفا فاتر الهمّة والنشاط. ومع استمرار هذه الحال وتزايدها، يتزايد إلحاح زوجته بوجوب زبارته للطبيب.
وقصد، على غير رغبة، مستوصفا قريبا في البلدة، وأشار الطبيب بضرورة اجراء تحاليل وفحوصات، وأُجريت هذه بيسير من نقود في مستشفى حكوميّ. وكانت النتيجة الصادمة “الخبيث في الرأس”، ولا بدّ من جلسات، والكلفة فوق مستطاع أَجرِهِ الزهيد.
ويقبض على جمر هذه الحقيقة، ويصمت. الوقائع من حوله تقيم جدارا منيعا من اليأس. أين المفرّ؟ لقد سُدّت منافذ الأمل بإحكام. ها هو في سجن أفكاره السوداء يسقط طريحا عاجزا:
سرطان كريه ينشب مخالبه في الرأس. الإمكانيّة المادّية للمعالجة معدومة. القدرة على مواصلة العمل تتقلّص باستمرار. الأجر الزهيد مهدّد بالانقطاع.
لقمة العيش، كوخ الغرفة الواحدة، ما تبقّى من راحة النفس والبدن… كلّ ذلك سيغدو مفتقدا. الموعد مع الموت بات قريبا؛ وهو يدنو باستمرار. وإذا كان الموت يقف غير بعيد؛ وهو يُعدّ العدّة لاستقبال الجثّة الطازجة؛ فما مصير هذه الأسرة؟ ما مصير الصغيرين اللذين لم يجاوز أكبرهما حدود العاشرة؟ ما مصير الأم التي قاسمت زوجها مرارة الغربة والفقر والتشرّد؟…
أسئلة كانت تحاصره وتقبض على أنفاسه، ولا تجد جوابا لديه. هل يعود بها الى الموت، أو ما يشبهه في موطن أبيه وجدّه؟! هل يبقى في هذه القرية طريح فراشه ينتظر قدومه؟ قريبا سيطلب المالك إخلاء هذا الكوخ؛ فإلى أين سنذهب؟ إلى اين؟ إلى أين؟ وكيف سيكون العمل لتحصيل كفاف اليوم؟ كيف؟ كيف؟ ومتى سيطرق بابنا ذلك الزائر الكريه؟ متى؟…
على وقع هذه الأسئلة المرّة، كانت تتناهى الى مسمعه أصوات المذياع إلى جانبه، تردّد تصريحات بعض المسؤولين اللبنانيين الكبار، الذين لا يفوّتون مناسبة إلّا ويشكون من ثقل النزوح السوريّ، مطالبين بعودة النازحين الى ديارهم مهما كان الثمن.
تحدّث الى زوجته صامتا:
– مريم، شو بدنا نعمل بهالحالي اللي وصلنالها؟ شوفيلك بيت تشتغلي فيه. بدنا نعيّش هالولاد. أنا متل مانك شايفي ما عاد فيني اشتغل؛ والوجع ما عم يرحمني.
– شو باك يا مسعود؟ في بتمّك حكي.
وكمن يتجرّع السمّ زعافا قال هامسا:
– بكرا شوفيلك شي عيلي بدها شغّالة. بتشتغلي عندها كم ساعة بالنهار، وبركي فيكي تدبّري لي شي دوا، يخفّف لي هالوجع اللي ما عاد إحسن إتحمّله.
– بكرا انشالله يا بو معروف.
… وجاء “بكرا”. ذهبت مريم. “دوّرت” هنا وهناك، وعادت. في يدها زجاجة، وفي فمها خبر.
– رحت، ودوّرت. ما خلّيت بيت. ما حدا بدّو. كلّ الناس عمتشكي من هالاحوال المادّية الصعبة. بسّ في حدا تحسّن علينا بقنينة هالحبوب المسكّنة. كتّر خيره.
احمرّ وجه مسعود. تماسّت أسنانه ضاغطة بقوّة. قال لزوجته وزجاجة الدواء بين يديه:
– جيبي لي شربة مي لنبلع شي حبّة.
توجّهت الى موضع الماء امام المنز . أمّا هو، وبسرعة، القى ما في الزجاجة من حبوب في فمه دفعة واحدة.
وعندما عادت بالماء إليه، أفرغه في جوفه قائلا:
– بأمانتك هالولاد. أنا ما عاد منّي نفع ولا رجا.
وفيما كان يتأرجح بين الموت والحياة، سمع صراخها وصراخ الصغيرين. سمع صراخها يردّد: بكرا بشوف بشي ضيعة تانية. بركي بلاقي عيلة بشتغل عندها، وبعيّش هالولاد.
========================





