مقالات

الـمـجـتـمـــع الـمُـتّـهــــم.. والـدفــــاع عـنـــه

                                                   د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”… يقول المسرحي والروائي والشاعر الانجليزي الإيرلندي/ أوسكار وايد :”لا تتكلم عن المجتمع بلهجة غير محترمة، فهذا دليل عجز عن دخوله”.

كثيرا ما أقرأ وأسمع، في الإعلام المرئي أو المسموع أو المقروء، وفي وسائل التواصل الاجتماعي،  وفي حلقات النقاشات والمقايل، نثرا أو شعرا أو خطابة، من قبل الغالبية العظمى ممن يسمون أنفسهم مثقفين أو سياسيين أو ناشطين، أو ممن يعتبرون أنفسهم قادة ورموزا للتغيير، كثيرا من التهم والأحكام القاسية والجائرة والمجحفة والغير موضوعية بحق المجتمع، باعتباره جاهلا ومتخلفا وقابلا وراضيا بما هو عليه، من تخلف وجهل، وبأنه السبب الرئيسي في ما هو فيه وعليه، وهو من صنع مستبديه ومستعبديه والمتسلطين عليه، وهو الذي يحميهم ويدافع عنهم ويفديهم بالارواح والدماء، وهو الذي أوصل تلك النخب، إلى مرحلة الشتات والضياع والقهر والجوع والتشريد والتنكيل، وساعد تلك الأنظمة على ذلك، إما سكوتا أو مشاركة فعلية في ذلك، وبأن ماهو فيه وعليه، نتيجة لأنه لم يرفض تلك الأنظمة، ولم يتفاعل تفاعلا ايجابيا مع تلك النخبة، وبأنه قد أعطيت له الكثير والكثير من الفرص للخروج من ذلك كله، لكنه أبى واستكبر ورفض كل ذلك، ولم يستغلها، وفضل العيش والاستمرار على ماهو فيه وعليه.

أسمع كل ذلك، وأكثر من تلك التهم المجحفة والباطلة والظالمة للمجتمع من قبل تلك النخب، وكلها تعطي انطباعا بأن المجتمع هو السبب الرئيسي في ما هو فيه، وبما هي فيه وعليه تلك الأنظمة، وتلك النخب، لذلك وجب محاكمته جراء ما اقترفه بحق تلك النخب من قبلها.

 نستطيع تفهم تلك الألفاظ، إذا كانت صادرة من بعض العوام الجهلة، لكننا لا نستطيع فهم ذلك وتفهمه، إذا كانت صادرة ممن يسمون أنفسهم نخباً وقادة للرأي، ودعاة للتغيير، ويعتبرون أنفسهم رموزا في المجتمع، سواء عن قصد أو غير قصد، نتيجة حالة التيه التي يعيشونها، متناسين عندما يذمون مجتمعاتهم ويحقرونها، بأنهم إنما يذمّون أنفسهم ويحقرونها باعتبارهم جزءا منها، وأن مهمتهم الحقيقية هي إخراجه مما يعاني منه، وليس المطلوب منه إخراجهم مما هم فيه وعليه، ومما يعانون منه.

أقول لتلك النخب: ماهو دوركم كنخب؟ وماهي الرسالة الحقيقية لكم؟ وما الغرض من وجودكم أصلا؟ وهل قدمتم جلّ مافي وسعكم من أجله؟ هل اشعرتم من خلال ما تقومون به وتفعلونه المجتمع بأنكم تعبّرون عنه، ومن ثم تنالون ثقته؟ ألستم الطليعة النخبوية التي يجب عليها القيام بخدمة المجتمع والدفاع عنه والتعبير عنه، ومقارعة تلك الأنظمة من أجله؟ أم العكس هو ماتريدونه؟

ألستم أنتم أو غالبيتكم هم عماد تلك الأنظمة وسندها وعصاها ولسانها ويدها وعقلها وفكرها؟ من يزين لها أعمالها وقبحها وشدة بطشها وجبروتها وظلمها واستبدادها واستعبادها وطغيانها لذلك المجتمع، مقابل عرض من الدنيا قليل، منصبا أو دراهما معدودة، أو خوفا وإتقاء لشر تلك الأنظمة؟ ألستم أنتم من ترك قضية المجتمع ومصالحه الحيوية، ورحتم تتناحرون فيما بينكم وتتصارعون وفقا لمصالحكم العصبية الضيقة والمقيتة، وغلبتموها على المصلحة العليا والعامة للمجتمع؟

أليست ثقافتكم، وعيا وسلوكا قولا وعملا، هي نفسها ثقافة تلك الأنظمة، الثقافة العصبية الضيقة والمقيتة، كل يسعى ليحلّ محلها، وليس خدمة للمجتمع، إنما خدمة للمصالح العصبية،

وما حدث ويحدث إلا خير دليل، وانصع برهان على ذلك، فأنتم جميعا تتصارعون على المجتمع لا من أجله .

أليست ثقافة الاستبداد والاستعباد والإقصاء والاختزال والاستئثار والإبعاد والتهميش التي تحكم تلك الأنظمة، هي نفسها التي تحكمكم وتتحكم بوعيكم، سواء في التعامل مع الآخر أم في إطار الجماعة أو الحزب الذين تنتمون إليه كقادة، في تعاملكم مع أعضائكم في الجماعة أو الحزب؟

وقبل كل ذلك، إذا كان المجتمع على درجة عالية من التحضر والتقدم والوعي الإيجابي بحقوقه، والقادر على نيلها، فإنه ساعتئذ لا جدوى ولا فائدة من وجدوكم أصلا.

إن الاعتراف بالخطأ وبالفشل من قبل النخبة، وتحمل المسؤولية الأخلاقية عما آلت إليه، وعما آل إليه المجتمع، لا يعتبر هدما للماضي وتنكراً له وإلغاءه، إنما يعني تصحيح المسار وتصويبه، ومن ثم السير مجددا وفقا لتلك المنهجية العلمية، التي بها وبواستطها حدث ذلك التقييم وتلك المراجعة… إلخ.

 إن أي فرد أو نخبة، سياسية كانت أو ثقافية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية، تلقي باللائمة على مجتمعها، وتحمله وزر ما آلت وآل إليه، من دون محاسبة نفسه/ها أولا، إنما هو/هي فاشل/ة، لا أمل يرجى منه/ها، في إخراج المجتمع مما هو فيه وعليه

                                                       

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى