مقالات

اللغة العربية أداة اللحمة بين الاسلام والانتماء.. توأمة العروبة والإسلام الجزء (4-5)

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
شكل الإسلام منعطفا تاريخيا في حياة الجماعة العربية، فقد أنجز لهم وحدتهم، وجعل لهم قيادة الشرق، في حركة تجديدية الحضارة انسانية، بعد أن كانت للفرس المجوس، أما من جهة العقيدة الدينية، فقد فرض الإسلام التوحيد الإلهي، أي عبادة الله، اله واحد أحد، بعد أن كان تعدد الالهة سيد الموقف، ومسيطرا في البيئة العربية، وفي هاتين الحالتين التغييريتين: وحدة الحالة الاجتماعية السياسية، ووحدة الاله في العقيدة، اندفعت اللغة العربية إلى النماء والتوسع بمعدلات أسرع، متجهة إلى علياء مكانتها الحضارية.
وحدة الامة مرتبط، بلا شك بوحدة اللغة، التي نسجت وحبكت عرى العروبة، والتي هي في الوقت نفسه، قد ارتدت عباءة الإسلام، توحيد عبادة وتشريع رسالة. والدليل ، أن العرب قد استدلوا، عن طريق بيان لغتهم الفصحى، على وجود خالق عظيم، واحد احد، والذي انطقهم بالكلمة المبينة، باسمه الحق: “الله”، هذا الاسم الذي انفردت اللغة العربية بالنطق به، من دون باقي لغات العالم. وللبيان، فإن سياق تجربة الدعوة المحمدية، اهتدى العرب إلى صراط الله المستقيم، وتحقيقا لعدالة سماوية التي أكدت أن الناس عند الله سواء.
مع الاسلام، تجسد الإطار المرجعي للعروبة ومنظومتها العربية، معرفة وثقافة ووجودا، لقد هز الإسلام كيان الإنسان العربي، اخذا بيده حيث وجوب تغيير سلوكه وتصرفاته، مع وجوب تبديل نمط حياته، فكرا ووجدانا، فقد ايقظه من غفلته ثم أعاده إلى ذاته، يراجعها ويتبصرها، يحلل ما فيها ويستنتج بما حولها، متوجها بمنطق العقل إلى استكشاف السنن الطبيعية والقوانين.
وما أصعب ذلك التحول والتغيير، فقد كان المدخل الطبيعي لذلك الإعجاز اللغوي العربي، بيانا وفصاحة، فحرك العقل، تذهنا وتفكيرا وتقديرا، اعتمادا على ثراء اللغة العربية، عن طريق عملية معقدة تقوم على وحدة التعقل ووحدة الاندماج الفكري، في إطارها الشمولي الواسع، حيث ضمت، تلك الوحدة الذاتية، العقل والوجدان والسلوك، انطلاقا من جدلية جوهرية فيما بينها، منا نصّب اللغة العربية مكانتها المرموقة، على مستوى العقيدة والتشريع، فكانت، الوسيلة والغاية لكل معرفة.

هكذا احدث الإسلام انعطافه التاريخي البشري، فقد حول البشرية، من عقيدة التعدد إلى وحدتها، وأخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وعليه نرى أن القرآن الكريم، قد نسج نسقا جديدا من المعطيات المعرفية والعلمية، والتي أسهمت في صياغة جوهر الحضارة العربية الإسلامية، والتي كانت، بلا شك، حصيلة نتاج فعالية عقل الامة، اداته اللغة العربية، لغة الامة، التي انتشرت وسادت وهيمنت، عن طريق ،الابداع الفكري والابتكار المعرفي، إلى جانب أثرها الفعال في استقامة الأخلاق والمبادئ، مما وجه السلوك الفردي والجماعي نحو المثل والفضيلة التي أتى بها الإسلام.
لم تكن عالمية الإسلام، موضع جدل أو موقع اختلاف، من حيث أن الله تعالى، قد شرف العرب برسول منهم إلى تبليغ خاتم رسالاته، وأنزل كتابه بلغتهم، وكلفهم حمل لواء تلك الرسالة ونشرها عالميا، وأمرهم بحفظها والحفاظ عليها. وعلى هذه الأسس: الرسول (ص) عربي، لغة الرسالة عربية، وتكليف نشر الرسالة عربي، وولادة الرسالة فوق أرض عربية
فقد تميز الإسلام بطابع عربي، ولكن الأمر الالهي لا يقف دون العرب، إنما وجب حمل الرسالة للعالمين، فهي رسالة للناس كافة برداء عربي .
هكذا نجد أن الإنسان العربي، وبكلية ما يحمل من عناصر العروبة، يلازم الإسلام، وسيلة وغاية، فالعلاقة بينهم، جدلية حتمية، لذلك يقتضي الامر، واجب العربي تعليم الرسالة، وتدريسها وشرحها وتفسيرها، مع ضرورة بيان معانيها ومقاصدها ومدلولاتها، لكل من اعتنق الإسلام وآمن به، إلى جانب محاولة إقناع من لم يؤمن، باستقامة السلوك والموعظة الحسنة.
المهمة، صعبة شاقة، إذ يستحيل عمل ذلك فرديا، إنما يحتاج إلى عقل جماعي، مما وجب على الامة مهمة التكليف، بحكم اعتماد عقل الامة، إلى جانب اكتسابها فطرة اللغة العربية الفصحى. ولما كانت المقدسات الإسلامية فوق أرض العرب، كان على العرب تحقيق حق الضيافة، ووجوب لياقة الاستقبال، وتأمين الراحة والامان، مما يفرض على العرب أن يكونوا على مستوى عال من الأدب والأخلاق والوعي والالمام بعادات غيرهم من المسلمين، فلا بد لهم من الاتصاف بالمحبة والإخاء والايثار والتسامح، أي تطبيق مبادىء وأصول التعامل الإسلامي.
الإسلام، دولة حضارة إنسانية، منذ نشأته، كوحي إلهي، ارتبط بالعرب والعروبة، كانتماء، وأن من أمم وقوميات، قد تدينت به كعقيدة دين، ولكن لم يفقه أحكام تشريعه، ولن ينفذ أسراره، إلا لمن تفقه اللغة العربية واتخذ التعريب سبيلا. وعلى هذا المبدأ، تعتبر اللغة العربية محور الارتكاز الأساسي للانطلاق في عملية إعادة البناء الفكري، كونها اساس التفقه ومصدر فهم علوم العصر.
فاللغة العربية هي المحضن الملاءم والرحم السوي، لزرع بذور عناصر تكوين شخصية عربية مؤمنة مستقبلية، بحيث يتطلب واجب استمرارها الوجودي ،اعتماد منهج علمي تعليمي حضاري متطور، يعيش كل جديد علم عصري، وهذا الذي يعتمد، بدوره، وضوح تجدد وتوالد المفردات والمصطلحات، مع تحقق دقة بيانها في صياغة ذلك المنهج. فالازمة العربية الإسلامية، إنما هي أزمة ثقافية فكرية وجودية، محورها أزمة اللغة العربية في تهالكها وتفككها أمام قوتها في اشتقاقاتها وتولد الأفكار في صنع الثقافات.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى