المأزق اللبناني.. من التحرير إلى حروب الإسناد وسؤال الدولة!

خاص “المدارنت”
بين الوصاية والتحرير والانقسام الداخلي، يعود السؤال الجوهري: كيف يُبنى قرار الدولة الواحدة لحماية لبنان من كلفة الحروب الإقليمية، في ظل دولة هشة ومجتمع منقسم وعدو لا يعترف بالحدود؟
منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، دخل اللبنانيون في نقاش لم يُحسم حتى اليوم. لم يكن الخلاف حول قيمة الإنجاز الذي تحقق بتحرير معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، بل حول ما كان ينبغي أن يلي تلك اللحظة: هل تُستعاد الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار، أم يستمر منطق المقاومة المسلحة كضرورة تفرضها طبيعة الصراع المفتوح مع إسرائيل؟
لا خلاف على أن الاحتلال الإسرائيلي شكّل سببًا مباشرًا لنشوء المقاومة، ولا خلاف على أن إسرائيل ما زالت حتى اليوم مصدر تهديد قائم ومفتوح. لكن جوهر الإشكال يبدأ بعد لحظة التحرير، لا قبلها. فحين يتراجع الاحتلال المباشر، يصبح سؤال الدولة لا مفرّ منه: من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يحتكر تعريف الخطر وحدود الردّ عليه؟
هنا يتجسد الانقسام اللبناني حول قراءتين أساسيتين، فيما يتبلور داخل مؤسسات الدولة موقف مختلف من مآلات هذا المسار. الأولى ترى أن الدولة لا تستقيم إلا باحتكار كامل للسلاح، وأن أي سلاح خارجها يُنتج انقسامًا بنيويًا ويحوّل لبنان إلى ساحة حروب لا يملك قراره. والثانية، وهي وجهة المقاومة وحلفائها، ترى أن التحرير لم يكتمل طالما بقيت نقاط محتلة، وأن الدولة وحدها عاجزة عن فرض معادلة ردع، ما يجعل السلاح خارجها ضرورة دفاعية لا خيارًا سياسيًا.
في المقابل، يتبلور داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدّمها السلطة التنفيذية، وضمن شرائح سياسية ومجتمعية واسعة، موقف لا يُنكر السياق الذي نشأت فيه المقاومة، لكنه يقرأ الواقع من زاوية مختلفة: استمرار وجود قوة مسلحة خارج الدولة، أيًا كانت مشروعيته التاريخية، بات يُنتج كلفة استراتيجية تراكمية على لبنان. فهو يمنح إسرائيل قدرة شبه دائمة على تبرير عملياتها بوصفها «ردود فعل دفاعية»، ويُضعف موقع الدولة في احتكار خطاب السيادة أمام العالم، ويحوّل لبنان من طرف سياسي إلى ساحة تفسير مفتوح للنزاع.
المسألة هنا لم تعد تقنية أو عسكرية، بل سياسية في جوهرها: الدولة التي لا تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، ولا تمتلك وحدها تعريف العدو وحدود الاشتباك، تبقى دولة منقوصة السيادة مهما امتلكت من رمزية أو مؤسسات.
وعليه، فإن ما يُسمّى «نزع الذريعة» لا يُطرح كشعار خارجي أو ضغط سياسي، بل كمسار داخلي لإعادة إنتاج الدولة نفسها: الانتقال من ازدواجية القرار الأمني إلى وحدة مرجعية سيادية واحدة، تضع كل عناصر القوة ضمن إطار مؤسساتي جامع، وتحوّل الردع من حالة متنازعة إلى سياسة دولة.
من الردع المتبادل إلى حروب الإسناد ووحدة الساحات
بعد حرب تموز/يوليو 2006، تأسست معادلة ردع غير معلنة، إسرائيل تدرك كلفة الحرب، كما المقاومة تدرك حدودها. كان ذلك يمكن أن يشكّل لحظة انتقال نحو تسوية داخلية حول استراتيجية دفاعية وطنية، لكن المسار اتجه في اتجاه آخر.
مع تصاعد منطق «وحدة الساحات»، جرى ربط جبهات متعددة ضمن معادلة إقليمية واحدة، من غزة إلى لبنان واليمن والعراق. ومع حرب غزة 2023، دخل لبنان عمليًا في «حرب الإسناد»، فانتقلت الجبهة الجنوبية من معادلة الردع إلى معادلة الاستنزاف.
الأهم أن هذا التطور تزامن مع تراجع أو توقف الاشتباك في ساحات أخرى، فيما بقيت الساحة اللبنانية وحدها في حالة ضغط متواصل، ما جعلها تتحمل الكلفة الأعلى إنسانيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
وهكذا، بدل أن يتحول الردع إلى استقرار، تحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة طويلة تُدار خارج منطق الدولة وضمن توازنات إقليمية تتجاوز حدوده.
وهكذا لم يعد الجدل محصورًا في مشروعية السلاح أو دوره، بل في انعكاسات هذا المسار على موقع لبنان الإقليمي وعلاقاته العربية والدولية.
البعد الإقليمي
لم تبق تداعيات هذا المسار داخل الجغرافيا اللبنانية. فقد ساهمت ملفات أمنية وقضائية أُعلنت في دول عربية، مثل «خلية العبدلي» في الكويت عام 2015 وقضايا مشابهة في الإمارات، في تكريس صورة لبنان كبيئة متداخلة مع صراعات إقليمية. وبصرف النظر عن الجدل حول هذه الملفات، فقد انعكست سياسياً واقتصادياً على علاقة لبنان بمحيطه العربي، وزادت من كلفة عزلته في لحظات مفصلية.
كل النقاش حول السلاح يصطدم بجذر أبعد: طبيعة الدولة نفسها. فالدولة اللبنانية في حالتها الراهنة ليست في موقع يسمح لها باحتكار القوة أو القرار أو حتى الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي.
منذ الانهيار المالي عام 2019، تراجعت قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية: اقتصادياً، اجتماعياً، وإدارياً. والجيش اللبناني، رغم كونه المؤسسة الأكثر تماسكًا، يعاني من محدودية الموارد والتجهيزات، فيما بقي النظام السياسي أسير توازنات طائفية تعيد إنتاج العجز بدل تجاوزه.
الخلاصة
لم تعد الحروب تُخاض في لبنان على الحدود فقط، بل على تعريف الدولة نفسها: هل هي مرجع القرار أم ساحة القرارات المتنافسة؟
وبين منطق الدولة ومنطق المقاومة، وبين وحدة الساحات وحروب الإسناد، وبين الردع والاستنزاف، تتحدد هوية لبنان السياسية اليوم.
لكن استمرار الوضع القائم لا يعني إدارة أزمة، بل تثبيت معادلة بلد يعيش على الحافة: لا دولة مكتملة السيادة، ولا ردع مستقر، ولا سلم دائم.
والمفارقة التي يصعب تجاهلها أن المقاومة التي ارتبطت في الوعي اللبناني والعربي بإنجاز التحرير عام 2000، تواجه اليوم سؤالًا تاريخيًا مؤلمًا: كيف انتهى المسار، بعد ربع قرن، إلى عودة الجنوب نفسه ساحة حرب مفتوحة وموضع تدخل عسكري إسرائيلي متكرر؟ فالتاريخ لا يحاسب النوايا بقدر ما يحاسب النتائج.
والخلاصة التي يصعب تجاوزها أن أي دولة لا تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم تبقى عاجزة عن ممارسة سيادتها كاملة، مهما كانت المبررات أو الظروف التي أنتجت هذا الواقع. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمشروعية السلاح أو تاريخه، بل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها وقدرتها على حماية مواطنيها وصون مصالحها ضمن مؤسسات شرعية واحدة.
لبنان اليوم أمام خيار واضح: إما ترسيخ مرجعية الدولة بوصفها الجهة الوحيدة المخوّلة امتلاك القوة واتخاذ القرار السيادي، وإما استمرار ازدواجية السلطة بما يحمله ذلك من مخاطر دائمة على الاستقرار والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
وفي النهاية، يبقى احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم شرطًا أساسيًا لقيام دولة فعلية، لا ساحة مفتوحة لتقاطع الصراعات. وما لم يُحسم هذا الخيار بوضوح، سيظل لبنان يدفع أثمان نزاعات تتجاوز حدوده وإرادته.



