المتدخلون في الأزمة الآذربيجانية/ الأرمينية يكسرون قواعد السياسة والصراع والمنطق..!

خاص “المدارنت”..
بتواضع شديد، أعترف بعجزي كلما تقدم بي العمر، وكلما اعتقدت أنني قد اقتربت وعيا وفهما من كنه (السياسة) وفقهها!، وتأتي الأحداث بما تثبت لي جهلي!
وكما تعلمون فليس في القاموس اللغوي المتداول على المستوى العالمي مفردة أكثر تكرارا، من كلمة (السياسة) لا سيما في وسائل الاعلام والتواصل والتخاطب اليومية. وفي الوقت ذاته ما من كلمة أكثر منها وضوحا وسهولة، وأكثر إبهاما وتعقيدا في آن معا، فهي السهل الممتنع حقا.
تستعمل هذه المفردة للإشارة لكل ما يتعلق بمسائل الحكم والسلطة وإدارة شؤون الدول والشعوب، والعلاقات الدولية، والديبلوماسية، والمصالح، والحروب، والصراعات، والأمن، والسلام.. إلخ، فهي العناوين وسواها كثير جدا تشكل مشتقات ومصطلحات تتبع تلك المفردة الملتبسة (السياسة) التي حار في تعريفها الحكماء والعلماء والفقهاء والخبراء منذ أقدم العصور.
عرفها أرسطو بفن الحكم، وعرفها افلاطون بتنظيم شؤون الناس برضاهم، وعرفها فقهاء الاسلام بالسهر على مصالح الدين والأمة والبلاد ، وعرفها ميكيافللي بفن الاحتفاظ بالسلطة بكل طريقة ممكنة . وفي القرن الأخير غدت السياسة علما ، ثم تولدت من رحمها علوم جديدة، وأخذت الجامعات الغربية تستعمل عبارة (العلوم السياسية) للدلالة على علوم ومعارف لا تحصى تندرج في نطاق واحد، تتوزع على اختصاصات متعددة كثيرا.
ورغم هذا التطور العلمي والفكري الهائل في (علمنة السياسة) ودراستها فإنها لا زالت في الواقع والتجربة تزداد إبهاما والتباسا وغموضا، وكأننا كما قال الشافعي (كلما ازددت علما ازددت جهلا) .
هذا ما تثبته الأحداث والتجارب والأزمات المتكررة كل يوم. فكل أزمة أو تجربة تضيف مفاجآت غير مفهومة ولا مدركة، تكسر القواعد المستنبطة من الأزمات السابقة، وأحيانا تكسر قواعد المنطق الارسطوي الصوري البسيط ، والمعقد معا أيضا!
وتعلمنا التجارب أيضا أن الأزمات الدولية ليست متناسخة بعضها من بعض ولا متطابقة، بل تختلف من واحدة الى ثانية. هناك أزمات لا تكسر قوانين الصراع المعروفة، وقواعد العلاقات بين الدول. وهناك أزمات يمكن وصفها بأنها استثنائية تفرض منطقها الخاص، وتتجاوز المألوف في قواعد الصراع والعلاقات الدولية، كالأزمة التي سنتناولها في هذا المبحث المختصر.
ناغورنو كرباخ
أزمة ناغورنو كرباخ هي واحدة من بؤر التوتر الصغيرة التي لم يكن أحد يتوقع لها أن تتطور وتبرز بسرعة لتصبح أزمة دولية كبرى تهدد منطقة القوقاز، جرَّت عددا غير قليل من الدول، وربما تجرُّ المزيد من الدول القريبة والبعيدة، ضاربة قواعد المنطق والصراع السياسي المستقرة في عالم ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وأعادت خلط الأوراق وتشكيل المحاور والاصطفافات. وأتنبأ لها بناء على معطيات، ليس هذا حيز الافصاح عنها أن تتفاقم الى أزمة دولية كبرى تذكر بـ(لعبة الأمم) التي حدثت في آسيا الوسطى قبل قرن من الزمان.
ناغورنو كرباخ أصغر من أن تكون ساحة حرب متعددة الأطراف الدولية، ولكنها أشبه ما تكون بفوهة بركان هائل، صغيرة من حيث المساحة، بيد أنها قابلة لقذف حمم حارقة الى مساحات واسعة في القوقاز ووسط آسيا ومشارف أوروبا. هذه الاقاليم التي يتداخل فيها الشرق والغرب، والشمال والجنوب. واللاعبون الدوليون فيها حتى الآن ليسوا كثرا، ولكنهم أقوياء على المستوى الاقليمي.
اللاعب التركي
أزمة الإقليم الصغير قديمة لا جديدة تعود جذورها الى العصر الستاليني الذي كان يتعامل مع الشعوب كما لو أنهم أغنام وأبقار في مزرعة كبيرة، وشهدت الأزمة جولات متتالية ، غير أنها لم تكن بالخطورة التي اكتسبتها الجولة الحالية، بسبب عودة اللاعب التركي الى هذه الأرض التي غادرها قبيل انهيار السلطنة العثمانية وقبل قيام الاتحاد السوفياتي، بعد أن ارتوت بدماء الأجداد والأسلاف، على مدى زمني أقله ثلاثة قرون، فقلب أردوغان بهذه العودة المعادلات التي تشكلت في الجولة السابقة، وكسر قواعد الاشتباك، وأعاد الماضي بكل أثقاله وذكرياته المخيفة، لتصبح المواجهات الحالية امتدادا لحروب التاريخ الماضي.
لا خلاف على أن القوقاز وآسيا الوسطى تشكل المجال الحيوي الطبيعي للجمهورية التركية الأم، لأن شعوب الاقليم كلها ذات أصول عرقية وثقافية مشتركة، ولذا فقول قادة الدولتين إنهما شعب واحد في دولتين قول صحيح علميا. ومنذ أن تفكك الاتحاد السوفيتي، واستقلت الجمهوريات التركية الشقيقة طرحت أنقرا مشروع إقامة جامعة أو رابطة تركية، تستوحي نموذج (الجامعة العربية) تلعب فيها الجمهورية التركية دور الأم، أو الشقيقة الكبرى، وتقوم بمساعدة الجمهوريات المستقلة على تحديث بناها الاقتصادية، وانتقالها من الاقتصاد الاشتراكي الى اقتصاد السوق، والتحول التدريجي من سلطة الحزب الواحد، الى التعددية السياسية والديموقراطية، وأن تكون جسرا بينها وبين العالم الغربي.
كان رائد المشروع آنذاك هو الرئيس الراحل توغوت أوزال مدعوما من أميركا واوروبا والناتو، لكن روسيا تصدت له بسرعة، وأحبطته لكي تبقي تلك “الجمهوريات” في دائرة فلكها ونفوذها.
ويعود أردوغان اليوم الى المشروع من باب الصراع الآذربيجاني – الأرميني مستفيدا من التحولات الايجابية التي شهدتها علاقاته الاستراتيجية بروسيا البوتينية. إلا أنه لن يجد ترحيبا روسيا أبدا، ما دام يعتمد الوسائل العسكرية. بل على العكس يرجح أن يصطدم بروسيا مجددا ، ويفتح جرحين عميقين:
الأول هو العداء التركي – الروسي القديم.
والثاني هو العداء التركي – الأرميني القديم أيضا.
وإذا كانت روسيا قوية عسكريا بما يكفي لردع تركيا، فإن أرمينيا قوية على المستوى الدولي في مواجهة تركيا بفضل مظلوميتها التاريخية، وسردية (المذابح التركية) التي تحتل مكانة خاصة، تشبه مظلومية اليهود في العصر النازي التي تحولت الى (سلاح أخلاقي ضارب ورادع) في يد اسرائيل والصهيونية واليهود عموما في مواجهة أعدائهم.
وقد بدأنا نشهد عودة واضحة لفتح ملف المذابح الأرمنية (سواء كانت واقعية أو اسطورية) بمجرد استقلال جمهورية أرمينيا الى المسرح الدولي، ثم عودة اللاعب التركي الى القوقاز منحازا للشقيق الأذربيجاني، ولكنه في العمق يريد تصفية الحساب مع الأرمن بسبب كثرة اتهاماتهم للأتراك الذين يشككون بالرواية، ويردونها على أهلها برواية عن مذابح أرمنية للأتراك.
ومع حالة الاستطرادات التاريخية والعودة للاصطفافات القديمة، ها نحن نشهد (هبة) كردية لصالح الأرمن ضد تركيا، إذ أرسلوا مئات المقاتلين من حزب العمال الثوري (بي كي كي) الى ناغورنو قرباخ، علما أن المذابح التي تعرض لها الأرمن في مطلع القرن العشرين الأرمنية إنما ارتكبت بأيدي مقاتلين أكراد موالين للسلطة العثمانية، فيا للمفارقات والمصادفات القدرية!.
ويندرج ارسال تركيا للمقاتلين السوريين الى ناغورنو قرباخ في السياق ذاته، لأن الأمر يذكر بسلوك السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر، وحتى الحرب العالمية الأولى حينما كانت تعتمد اعتمادا كبيرا على تجنيد الرجال من من ولاية الشام، لترسلهم للقتال في القوقاز والبلقان في حروبها الخاسرة، ونادرا ما عاد منهم أحد حيا.
ولكن لا بد هنا من الاشارة الى أن ارسال أردوغان لـ(المرتزقة السوريين) للقتال والموت في ليبيا يختلف جذريا عن ارسالهم الى القوقاز ، فهو في معركة ليبيا يستعمل خطابا اسلاميا وعثمانيا، بينما يستعمل في معركة القوقاز خطابا قوميا وعرقيا تركيا صافيا، وفي هذا وذاك ما يكشف ازدواجية الخطاب الأردوغاني، واستعمال ما يناسب حسب كل موقع، مع أن الصحيح هو أن يرسل مقاتلين أتراكا لنصرة الشقيق الآذري لكي متسقا مع المنطق.
وللأسف زج أردوغان بالسوريين في القتال ضد أشقائهم العرب الليبيين مرة، وزج بهم للقتال ضد أرمينيا حيث يقاتل سوريون أرمن على المقلب المواجه أيضا. وهكذا يقاتل هنا سوريون سوريين (أرمن وكردا) بينما يجني أردوغان الأرباح على حسابهم هنا وهناك، أما هم فلا يجنون سوى سوء الصيت والرصيد، حيث تحولوا من ثوار في سبيل الحرية في بلدهم، الى مرتزقة في المغامرات الأردوغانية الزائفة والعدوانية .
الواقع أن السياسة التركية في شرق المتوسط، وفي القوقاز لا تحركها لا الشهامة القومية ولا الروح الاسلامية، وإنما تحركها الحاجات الاستراتيجية الماسة لأنواع الطاقة (البترول والغاز) التي حرمت الأقدار تركيا منها، في حين أن غالبية الدول المحيطة بها تختزن ثروات هائلة منها، وتحركها الرغبة الجارفة للبحث عن موارد مأمونة ومضمونة منها، بأسعار مناسبة تغطي حاجات تركيا المتزايدة منها، مع تنامي قواها الاقتصادية وارتفاع مستوى طلبها للطاقة في الدول القريبة . خصوصا أن علاقاتها بدول الخليج والسعودية ساءت كثيرا في الأعوام الأخيرة، وكذلك مع العراق حاليا، فضلا عن أن مشاريع تركيا في ليبيا شارفت على النهاية بفشل ذريع، ولم تعد تتناسب مع الأماني والطموحات السابقة.
اللاعب الايراني
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فلا بد أن ننتقل لتناول دور اللاعب الإيراني الفارسي ومواقفه التي لا تقل عن تلاعبات وتناقضات اللاعب التركي خطابا وممارسة. إذ يلفت الانتباه بقوة انحياز ملالي طهران الى الجار الأرمني الذي لا تربطه به أية مصالح مادية تذكر أو عقيدة دينية، او حتى ذكريات تاريخية مشتركة. فعلى ماذا يرتكز التقارب الفارسي – الأرمني الحالي..؟
ما هو كنه وفقه السياسة التي تشرع وتبرر مثل هذه الانحيازات والاصطفافات غير المفهومة لكثير من الناس؟
الجواب بدقة وموضوعية: لا شيء سوى الانتهازية السياسية التي جعلت ملالي طهران يناوئون الشقيقة المسلمة ذات الغالبية الشيعية (85%) أذربيجان. فنظامهم الشيعي الديني يدعم ارمينيا وروسيا ويعادي الشقيقة الشيعية المسلمة اذربيجان، لا حبا بالأرمن ولكن خوفا من أذربيجان التي ازدادت قوتها العسكرية في العقود الثلاثة الأخيرة، وباتت تشكل قوة اقليمية على حدود ايران الشمالية، ويمكن أن تدفعها لدعم النزعات الاستقلالية المتعاظمة في أوساط الشعب الاذري المضطهد داخل الجغرافيا السياسية لأمبراطورية ايران الحالية، مثلهم مثل العرب والأكراد والبلوش.
السياسة الايرانية تجاه الأزمة القوقازية ليست مفارقة سياسية وحسب، بل انتهازية فاضحة تكشف زيف خطابها الاسلامي – الشيعي الذي ارساه الخميني وخلفاؤه الملالي منذ اربعين سنة، وادعى السهر على مصالح المسلمين، والسعي لتوحيد الأمة الاسلامية، وفي قلبها توحيد (الأمة الشيعية)، وهو خطاب يتناقض مع سياسة طهران التي افتضحت مؤخرا محركاتها الحقيقية ومحفزاتها الشيطانية، في سوريا والعراق واليمن ولبنان قبل أن تفتضح في القوقاز وأذربيجان.
ومن المتوقع نتيجة ذلك أن يشهد المحور الرورسي – التركي – الايراني الذي سبق أن وصفناه بحلف الضرورة الثلاثي في سوريا تصدعات وتناقضات إضافية، وإذا ما تعمقت أزمة القوقاز أكثر فلن يفاجأنا تصادم اللاعبين الثلاثة، بصور تستعيد الحروب الروسية – التركية من ناحية، والحروب العثمانية – الصفوية من ناحية ثانية. وربما تكون الساحة السورية التي اجتمعوا فيها على سفك دماء السوريين، هي ساحة تصفية الصراع القوقازي بين الثلاثة، بسبب صعوبة وخطورة تصفيته في الميدان الاصلي – القوقاز، أقله في هذه المرحلة.
ومع أن الثلاثة حركتهم في السنين الأخيرة، شهية وشهوة التوسع الأمبراطوري على حساب جيرانهم، فإن الصدام بين بعضهم بعضا احتمال تزداد فرصه في سوريا أم في القوقاز.
اللاعب الاسرائيلي
وإذا وسعنا دائرة النظر الى بقية اللاعبين الرئيسيين، فسنرى الحضور الاسرائيلي رئيسيا وفاعلا في الأزمة بين أذربيجان وأرمينيا بطريقة مثيرة. بدأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي فورا لتكسب اسرائيل مزيدا من التطبيع والعلاقات الديبلوماسية مع دول اسلامية لكي تكون عامل ضغط على العرب. ومع انفجار الصراع بين أذربيجان وارمينيا وجدت باكو في طموحات الدولة اليهودية فرصة مغرية لكسب صدافتها، واستثمارها على أصعدة كثيرة، أولها الحصول على أسلحة حديثة منها، ثم توظيف نفوذها العالمي لدى الولايات المتحدة واوروبا للدفاع عن المواقف والمصالح الأذربيجانية، على قاعدة (لا يفل الحديد إلا الحديد) ولا يبطل مفعول المظلومية الأرمنية غير المظلومية اليهودية.
وحققت أذربيجان الكثير من علاقاتها مع اسرائيل فكسرت احتكار التسليح الروسي لجيشها، حتى أصبحت اسرائيل المورد الأول لأسلحة أذربيجان (65%)، كما أصبح البترول الآذري موردا رئيسي لاسرائيل. وتحاول اسرائيل الآن أن توفق بين علاقاتها ومصالحها مع أذربيجان وعلاقاتها مع أرمينيا من دون أن تخسر أيا منهما. ولكنها كمن يسير على حبل مشدود، ومن المؤكد أنها لن تضحي بعلاقاتها الاستراتيجية مع أذربيجان حتى ولوخسرت ارمينيا لسبب مفهوم للمختصين. ففي السنين الأخيرة ومع تطور البرنامج النووي الايراني استطاعت اسرائيل اقناع اذربيجان بمنحها قواعد جوية في أراضيها تطل على الشمال الايراني، حيث تقوم المنشآت النووية الرئيسية، بهدف ضربها إذا حانت اللحظة المناسبة.
وهذا الاتفاق الخطير يضع الدولتين في حلف استراتيجي حقيقي (ربما يجوز القول إنه يشبه ويستكمل الحلف الذي يتشكل الآن بين دول خليجية عربية واسرائيل لمواجهة ايران من جهة الغرب)، ويكشف عن شعور أذربيجان بالتهديد الايراني لأمنها، بدرجة لا تقل عن التهديد الذي تشعر به اسرائيل والدول الخليجية. وربما يكشف عن تطلع أذربيجاني لتفكيك ايران، وتحرير أذربيجان المحتلة من العدو الفارسي، وهي أغنى المكونات داخل ايران. الأمر الذي يعكس طموح الأذرييين لتحقيق وحدتهم القومية وبناء الدولة – الأمة. وهذا ما دعانا للقول إن القوقاز تتجه لتكون ساحة مواجهات كبرى تشبه لعبة الأمم السابقة.
اللاعبون الغربيون
أما الدول الغربية فمواقفها متضاربة وغير موحدة تجاه الأزمة، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، ولكن الغالبية العظمى منها متعاطفة مع أرمينيا لأنها مسيحية، ومناوئة لتركيا بسبب تدخلاتها العدوانية في شرقي المتوسط وضد الكرد في سوريا ومواضيع عديدة أخرى، وغالبية هذه الدول لها مصالح اقتصادية مع أذربيجان، لا سيما أن قرارات الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في اوروبا تعترف بحق أذربيجان في الاراضي التي احتلتها أرمينيا بدعم وتواطؤ روسي. وتدعم الدول الأوروبية التسوية السياسية لأنها ليست بحاجة لأزمة إضافية على تخوم أوروبا، ولا تريد تسهيل سيطرة روسيا على المنطقة، وهي كلها تدعم استراتيجية حلف الناتو منذ ثلاثين سنة لإضعاف روسيا ومحاصرتها، وابعاد دول الفضاء السوفياتي السابقة عن روسيا.
فرنسا دون سواها اتخذت موقفا صريحا وقويا لصالح أرمينيا ونسقت مواقفها مع موسكو بسبب توتر علاقاتها مع أنقرة، ولا أحد يعرف الى أين ستصل فرنسا في موقفها الحالي، ولكن من المشكوك فيه أن تمضي بعيدا.
حتى الولايات المتحدة لا تبدو متحمسة لاتخاذ موقف واضح وحاسم، فهي قريبة من الموقف التركي والآذري لأنها تقليديا لا تريد تعزيز سيطرة روسيا على المنطقة وتدعم كل محاولة من دولها للتقارب مع الغرب، وهذا ما فعلته باكو منذ استقلالها، لا سيما أن المحامي الاسرائيلي يدعم الموقف الآذري. كما أنه لا دليل على أن واشنطن لم تتخل حتى الساعة عن حليفها التركي رغم الخلافات العديدة بينهما. ولكن ثمة معلومات عن “تطوع” الولايات المتحدة لمساعدة مقاتلين أكراد من سورية والعراق على الوصول الى أرمينيا للقتال معها ضد تركيا.. ولا شيء آخر.
هذه المواقف ترسم حدودا اقليمية للأزمة، وتجعلها محصورة في الدول الاقليمية المطلة على البحر الأسود وبحر قزوين، وهي دول متنافسة ومتصارعة على ثروات البحرين والمنطقة. ولأن التدخل الخارجي، خاصة التركي ما زال محدودا وحذرا، يبدو كأنه محاولة أولية للتسلل، ولتسجيل موقف قومي لصالح أذربيجان، واستعراض قوة كما في مناطق أخرى تطبيقا جديدا على سياسات أردوغان الخارجية التي اتسمت في الأعوام الفائتة بالاصطياد في المياه الدولية العكرة وبؤر التوتر، بعد أن قلب سياسة (صفر مشكلات) مع الجيران التي بدأ حزب العدالة والتنمية عهده بها، لتصبح (البحث الحثيث عن المشكلات) حاليا ، حتى في المناطق القصية عن تركيا في أفريقيا والبحر الأحمر، وخاصة في الوطن العربي مقتديا بما تفعله ايران على المسرح ذاته!



