مقالات
المثقفون العراقيون ضحايا “المكارثية” الميليشياوية!

كتب صادق الحسن/ العراق
خاص “المدارنت”..
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، إنقسم العالم إلى معسكرين؛ غربي رأسمالي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وشرقي إشتراكي يقوده الاتحاد السوفياتي، وابتدأت ما تسمى “الحرب الباردة”، التي استخدم فيها الطرفان القوة السياسية الناعمة (كالاعلام والصحافة والفن والثقافة والرياضة) لاختراق المعسكر الآخر والتأثير فيه.
كانت الشيوعية العدو الأول للرأسمالية، وكان الشيوعي في المعسكر الغربي متهم بـ”العمالة” للإتحاد السوفياتي، وكان الديموقراطي والليبرالي في المعسكر الشرقي متهم بالعمالة للولايات المتحدة الأميركية، وكان كل طرف يحاول كسب النخبة الثقافية والفكرية التي مع الطرف الآخر، ومحاولة التأثير فيها لتبني أفكاره وسياساته.
وفي أميركا، مثلاً، قام جهاز المخابرات الـ”CIA” بالإشراف على مؤسسات ترعى الثقافة والفنون والإبداع في مختلف البلدان، وخصصت جوائز ثقافية ذات قيمة مادية عالية لمحاولة كسب النخب الثقافية في العالم أجمع، وكانت تستهدف الشيوعيين المنشقين عن الاتحاد السوفياتي، وقد فصّلت الكاتبة والباحثة البريطانية “فرانسيس ستونر سوندرز” في كتابها “من الذي دفع للزمار؟: الحرب الباردة الثقافية”، (ترجمه للعربية طلعة الشايب)، تفاصيل مهمة عن دور الـCIA في تجنيد المثقفين في مختلف أنحاء العالم لصالح أميركا.
ومن بين المثقفين الذين تذكرهم سوندرز في كتابها التي نجحت أميركا، في استمالتهم لصالح توجهاتها؛ جورج أورويل (صاحب رائعة “مزرعة الحيوان”) وهمنغواي وبرتراند راسل وغيرهم، وكذلك نجح الاتحاد السوفياتي في اختراق النخب الثقافية الغربية، فأصبح كثير منهم يتحدث عن العدالة الاجتماعية والأممية ورفض المادية والتوحش الرأسمالي ورفض الحرب (مثل جماعة الهيبز التي شاركت في تظاهرات واسعة لرفض الحرب الأميركية في فيتنام).
لكن ليس كل شيء كان يجري بطريقة سلسلة، خالية من استخدام الأساليب الملتوية التي تشوّه الحقائق، وترمي التهم جزافاً على الآخرين بهدف قتلهم، معنوياً واجتماعياً تمهيداً لتصفيتهم، في أميركا، مثلاً، كان عضو مجلس الشيوخ “جوزيف مكارثي”، يستخدم “الرهاب الثقافي”، ويطلق تهم الانتماء الى الشيوعية جزافاً على كل من يختلف معه، وراح ضحية حملته مئات المثقفين للاعتقال والمعاقبة، وأصبحت “المكارثية” (نسبة إلى جوزيف مكارثي)، مثل الشبح الذي يطارد المثقف الأميركي، ويكتم أنفاسه ويخرسه ويمنعه من قول رأيه بلا رهاب ولا خوف من تهمة الشيوعية، وبسبب المكارثية، إنزوى عدد كبير من المثقفين الأميركيين، وابتعدوا عن الخوض في الشأن العام، خوفاً من العزل الاجتماعي والعقوبة.
في العراق، وبعد الاحتلال الأميركي، وسقوط الدولة، وسيطرة الميليشيات على المشهد العام في البلد، قامت هذه الميليشيات، بالسيطرة على المؤسسات الثقافية والإعلامية، وأغرت المثقفين بالعمل معها في تلك المؤسسات، مقابل امتيازات مادية عالية، ولم تكتفِ بذلك، بل استخدمت “نهج المكارثية” مع المثقفين المعارضين لها، فتبدأ بإلصاق التهم بهم؛ عملاء للخارج، أعداء للمذهب، علمانيون ملحدون، أبناء سفارات، بعثيون دواعش، ومؤخراً جاءت تهمة المُطبع… الخ، من قائمة التهم التي لا تنتهي، وإذا لم ينجحوا في إسكات ذلك المثقف بوسيلة “الرهاب المكارثي”، سينتهي به المطاف مقتولاً، راح ضحية النهج الماكارثي للميليشات مئات المثقفين قتلاً، والآلاف بين مهجر وصامت يخاف من البوح برأيه وسط بيئة لا تتوفر فيها أدنى درجات الأمن.
في عام 2011، شاركت مجموعة من الناشطين السياسيين في تظاهرات ضدّ حكومة نوري المالكي، وكان الواعظ الديني “عامر الكفيشي”، يخرج عبر شاشة “قناة آفاق” الفضائية التي يمتلكها نوري المالكي، يحرّض ضدّهم، ويدعو إلى قتلهم مرة بادعاء أنهم علمانيون وملحدون يسعون الى نشر الفساد والرذيلة في المجتمع، ومرة بادعاء أنهم إرهابيون من أيتام البعث، يريدون إسقاط “التجربة الديموقراطية” في العراق الجديد، من أهم الذين تعرّضوا لحملة تحريض ممنهجة كان الصحافي والمسرحي “هادي المهدي” الذي بقيَ يواجه الحملة المكارثية ضدّه حتى مقتله في العام 2011.
کتب الروائي علاء مشذوب، في بداية 2019، منشوراً مقتضباً على موقع “فيسبوك”، ونشر صورة للبيت الذي أقام فيه الخميني في النجف، وعليه تعليق: “مكثب الخميني ثلاثة عشر عاماً في العراق”، وُجدَ مشذوب بعدها بأيام مقتولاً أمام منزله في كربلاء بـ”ثلاث عشرة رصاصة”!.
مع تظاهرات تشرين في 2019، قامت المؤسسات الإعلامية للميليشات بحملة تحريض واسعة ضد المشاركين فيها، وقامت مؤسسة الحشد الإعلامي التي يرأسها مهند العقابي، بشراء ولاء صحافيين وكُتّاب مقابل مشاركتهم في التحريض ضدّ التظاهرات، ولعل المثال الأبرز عن ضحايا التحريض كان الناشر والكتبي “مازن لطيف”، الذي خُطف وغُيّب حتى الآن، سبقَ عملية خطفه، تحريض من قبل المنصات الإعلامية التابعة للميليشات، تتهمه بالتطبيع الثقافي مع إسرائيل (الكيان الصهيوني المحتل) عن طريق التعاون مع مثقفين إسرائيليين (صهاينة)، مثل ليندا موناحيم ونيران بصيون، وهي مجرد تهم لم يستطيعوا إثبات صحتها، كان غرضهم من نشر هذه التهم قتله معنوياً قبل تصفيته.
وبحسب عدد من الناشرين الذين زاروا مصطفى الكاظمي، أيام كان الأخير رئيساً لجهاز المخابرات، لمعرفة مصير زميلهم، أخبرهم الكاظمي، أن أمن الحشد الشعبي هم من اختطفوا مازن لطيف، والغريب أن الكاظمي، صمت عن هذا الملف، ولم يفتحه حتى وهو بمنصب رئیس الوزراء ليبقى مصير مازن لطيف مجهولاً.
هشام الهاشمي، كان خبيراً مختصاً بالجماعات الجهادية، وكان من أهم المحللين الأمنيين خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وبعد وقوفه إلى جانب التظاهرات، شنت الميليشيات ضدّه حملة تحريض، وعندما رفض الرضوخ لهذه الحملة والصمت أو الانضمام الى المؤسسات الإعلامية للميليشات، إغتالته كتائب “حزب الله”، وقد اعترف قاتله بذلك.
أحمد عبد الصمد، صحافي وإعلامي من البصرة، اعترف قاتله أنه نفذ عملية القتل، بناءً على فتوى دينية (كان يقصد تغريدة علي خامنئي بضرورة معالجة أعمال الشغب بالعراق).
لا تكتفي الميليشيات بعمليات الاغتيال لضحاياها، فبعد قتلهم، تبدأ بتشويه صورتهم عند الجماهير عن طريق الفبركات والأكاذيب، لقتلهم معنوياً، فأكثر ما تخشاه هذه الميليشيات هو “صناعة الأيقونة” خارج صفوفها، فالشهداء والمُضحّين لها وحدها، صفاء السراي، الشاب الذي اغتيل، وأصبح أيقونة ثورة تشرين، عرف عنه أنه شاب خلوق ومتواضع ومثقف وقارئ ورسام، كان ناقداً شديداً للمثقف السلطوي، بعد مقتله، وبعدما أصبح رمزاً لتشرين، شنَّ “مثقفو” الميليشيات ضدّه حملة تلفيقات وأكاذيب، والخوض بجلساته الخاصة، واتهموه بالإلحاد والفسوق لتشويه صورته في أذهان الناس.
لا يمكن الحديث عن جميع ضحايا المكارثية الميليشياوية في العراق، لأنهم مئات القتلى وآلاف المهجرين، وآلاف الذين أضطروا الى الصمت، وعدم الخوض في الشأن العام، لينجوا بحياتهم من هذا الرهاب الثقافي المرعب.




