مقالات

.. المظلومية الحقيقية

د. محمد الحسامي/اليمن

خاص “المدارنت”.. إذا نظرنا وبعمق، وتفحصنا تاريخنا كأمة عموماً، وكبلدان خصوصاً، قديمة وحديثة، لوجدنا أن الطابع العام فيها والغالب، هو طابع الصراعات بمختلف أنواعها وأشكالها وصورها بين مكوناته المختلفة، مع ما رافق ذلك من استقرار في بعض فتراته.

ولو دققنا النظر في تلك الصراعات المختلفة وماهيتها وما يتعلق بها، لوجدنا بأنها صراعات عصباوية في أغلبها، محركها الأساسي هو العصبيات الضيقة والمقيتة بمختلف مسمّياتها وأسمائها وتسمياتها، وبمختلف أنواعها وأشكالها وصورها، أسرية كانت أم قبلية أم مناطقية أم جهوية أم عرقية أم إثنية، أم أصولية دينية ومذهبية وايديولوجية.. إلخ، وأخيراً، عصبية حزبية مقنعة ومغلفة بقناع وبغلاف الحزبية، أضيفت إلى تلك العصبيات.

تلك الصراعات العصبية، كانت تتخذ لنفسها مشروعا خاصا بها، لإدارة ذلك الصراع عبر وبدعوى الانتصار لما يسمى بمظلوميتها الخاصة، وتاريخنا القديم والحديث مليء بتلك النماذج لتلك المظلوميات الخاصة، وما زالت تفعل فعلها وفعلتها إلى يومنا الحاضر.

استخدمت تلك العصبيات في صراعها وصراعاتها مع بعضها البعض، في سبيل ذلك “الإنسان الفرد”، سواء كان منتمياً وينتمي إليها أم لا، كأداة في صراعاتها تلك، وكوقود وضحية لها، غير آبه به وبمصيره، مما نتج عن كل ذلك، مظلومية أفدح وأشد فتكاً بالمجتمع وبالأمة وبالبلد، وأعظم جرماً من كل المظلوميات الخاصة، التي قامت الصراعات بين تلك العصبيات على أساسها، ووفقا لها وفي إطارها وتحت رعايتها وكنفها، ألا وهي مظلومية الإنسان الفرد في هذه الأمة، وذلك عبر إهدار كينونته ووجوده الحيوي، وقهر إرادته وسلبها، وطمس هويته وتفريغها، وإلغاء ذاته واحتقارها، وتحويله إلى فرد لا جدوى منه، ولا فائدة ترجى منه، شعوراً ووعياً ذاتياً، عبر شعوره تجاه نفسه وتجاه تلك العصبيات بالدونية المنحطة… إلخ، عبر استبداده واستعباده والتسلط عليه، وممارسة كل أنواع الطغيان وصوره وأشكاله عليه، من قبل تلك العصبيات، مما جعله فردا ذليلا عاجزا عن المقاومة، ومشلولا عن القيام بأي ردة فعل إيجابية تجاه ما يحدث له، مما سهل على تلك العصبيات بأن تستخدمه متى أرادت وكيفما شاءت.. إلخ.

والأهم من ذلك كله، والأخطر والأفدح، أن تلك العصبيات استخدمت كل الشرائع السماوية السمحة والأرضية، وكل المقدسات كوسيلة في سبيل ذلك، وطوّعتها تطويعا يتناسب ويتوافق مع أجنداتها العصبية الضيقة والمقيتة الخاصة، بحيث أصبحت تدّعي المشروعية الإلهية والحق الإلهي في سبيل ما تقوم به وتفعله، تحريفاَ وتزييفاَ واضحاَ لكل تلك الشرائع، نصوصاً، أو بعضا منها، لقد دنست المقدّس بغير المقدّس، المدنّس أصلاَ، ومن ثم قدّست ذلك المدنّس.

وعليه ، إن المظلومية الحقيقية، ليست مظلومية تلك العصبيات السالفة الذكر، ولا مظلومية منطقة من دون سواها، أو مكوّن من مكونات المجتمع المختلفة من دون سواه، إنما هي مظلومية ذلك الإنسان المهدور والمقهور، من قبل تلك العصبيات الضيقة والمقيتة.

الخلاصة :إن الانتصار الحقيقي في أيّ صراع، هو الانتصار لتلك المظلومية، مظلومية الإنسان الفرد أينما وجد، وحيثما حلّ وارتحل، وكيفما كان وأصبح، بغض النظر عن لونه وعرقه ومعتقده وانتمائه ونوعه وسكنه.. إلخ، وذلك عبر العمل على إعادة كيانه الحقيقي وذاته الحقيقية إليه، عبر الإقرار وعياً قبل سلوكاً، بحقه الإنساني في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة والعيش في أمن وسلام، واعتباره كيانا إنسانيا مستقلا لا تابعا، وحقه في الحياة، عبر إخراجه من ذلك السجن الانغلاقي القابع فيه إلى فضاء أوسع وأرحب، ذلك الفضاء هو الفضاء الإنساني، وعبر التعامل معه كإنسان أولا، بغض النظر عن لونه وشكله وعقيدته وجنسيته وانتمائه الطبقي أو الأسري أو الجهوي أو المناطقي أو الجغرافي.. تلك الحقوق التي كفلتها له كل الشرائع السماوية والأرضية، وأن أي مشروع لا يمكن له بأن يكون مشورعاً وطنياً حقيقياً إنسانياً، ما لم يقوم ويبني ويرتكز على ذلك، باعتبار الإنسان الفرد وسيلته، والهدف منه والغاية المرجوة منه.

لقد كرّم الله تعالى الإنسان، وأرسل رسله وأنبياءه لكي ينتصروا له ولمظلوميته، لكن تلك العصبيات أبت ذلك، وأصرّت إصراراً مقيتاً على استبداده واستعباده.. إلخ.. يا لها من مفارقة عجيبة وأليمة.. بكم يتجدّد الأمل.. ويتحقق.

                                                           

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى