النظام الإيراني والسلام والأمن!

خاص “المدارنت”
منذ قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين النظام الإيراني من جهة أخرى، في الحرب المندلعة منذ 28 شباط (فبراير) 2026، والشروع في جولات من المباحثات من أجل التوصل لقرار وقف إطلاق نار دائم، تلفت النظرَ كثيراً تصريحاتٌ مختلفة صادرة عن مسؤولين إيرانيين، يؤكدون فيها حرصهم على السلام والأمن في المنطقة والعالم، وأن يضمن القرار النهائي عدم مهاجمة النظام الإيراني.
والحقيقة، إن مطالبة مسؤولي النظام الإيراني بأن يضمن القرار النهائي لوقف إطلاق النار عدم مهاجمة النظام مستقبلاً، هو تعبير يختلف تماماً عما لو قيل إن القرار النهائي يضمن عدم نشوب الحرب؛ وأن التعبير الأخير يعتبر أمن البلدان والشعوب هو الشرط الضامن، لكن التعبير السابق يعتبر مصلحة وأمن النظام هما الضامن الأساس، وهذا ما يوضح حقيقة بالغة الأهمية، وهي إن النظام يجعل مسألة بقائه فوق جميع المسائل والاعتبارات الأخرى.
إن حديث مسؤولي النظام الإيراني عن السلام والأمن وحرصهم على ذلك، يتناقض جملة وتفصيلاً مع الخط والمسار العام لما قام ويقوم به هذا النظام منذ 47 عاماً؛ إذ لا توجد أي مصداقية لكلام يتناقض ويتضارب مع الفعل، ولا سيما عندما نقوم بعملية استقراء لمجمل الحروب والأزمات التي حدثت في المنطقة، منذ تأسيس نظام “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، فنستشف أن جذورها تقبع في طهران، ولم يعد خافياً على أحد الدور المناط بالأحزاب والميليشيات التابعة له في بلدان المنطقة، والتي صار العالم كله يطلق عليها تسمية “وكلاء” النظام الإيراني.
وبمجرد القيام بعملية مقارنة للحروب والأزمات الحادة التي جرت في المنطقة، قبل تأسيس النظام الإيراني وبعده، نجد فارقاً هائلاً في عدد الحروب والأزمات التي تلاحقت منذ قيام هذا النظام؛ وهو الأمر الذي يؤكد أنه قد قام بعملية ربط عضوي بين إثارة الحروب والأزمات في المنطقة وبين بقائه واستمراره. والذي يوضح أكثر ماهيته العدوانية المشبوهة، هو سعيه المستمر لإثارة الأزمات والتصيد في مياهها العكرة، مثلما يهرع مسرعاً إلى أي مناطق أخرى تنشب فيها صراعات من أجل ركوب موجتها واستغلالها لصالح أجنداته.
إن الأسلوب الذي اتبعه هذا النظام منذ تأسيسه قائم على إثارة الفوضى والحروب، والاستفادة منها من أجل تحقيق أهدافه المبتغاة، وهو أسلوب يستمد جذوره من نهجه العام ومن ثلاث مواد في الدستور المعمول به في ظله، والتي تجيز وتبيح تدخلاته وإثارته للحروب والأزمات تحت مسميات ومبررات واهية. والحقيقة المرة التي لا مناص من تقبلها من قبل العالم كله، هي إن مجرد السماح ببقاء هذا النظام إنما هو سماح مستمر بإثارة الحروب والأزمات.
من هنا، فإن ما قالته زعيمة المعارضة الإيرانية، السيدة مريم رجوي في 16 أيار (مايو) الجاري، في رسالتها الموجهة إلى تجمع آلاف من أنصار “منظمة مجاهدي خلق” الإيرانية و”المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية”، إلى جانب أعضاء الجاليات الإيرانية/ الأمريكية، التابعة لمنظمة الجاليات الإيرانية الأمريكية، يتجلى كحقيقة واضحة حيث أكدت: “في الحرب التي تجتاح الآن معظم دول المنطقة، لن يتحقق السلام الدائم إلا بإسقاط ديكتاتورية ولاية الفقيه الإرهابية والمثيرة للحروب”. والحقيقة أن رجوي، تؤكد بوضوح من خلال كلامها هذا بأن العلة والمشكلة الأساسية تكمن في بقاء النظام ذاته، وليس في أي شيء آخر مما يقوم النظام بزعمه وتسويقه.
وفي هذا الصدد، فإن الواقع الحتمي المثبت يشير إلى أن النظام الحاكم في إيران لم يكن يوماً طامحاً إلى تحقيق سلام أو أمن مستدامين في المنطقة، بل إنه يرى بقاءه رهيناً بصناعة الأزمات وتصديرها إلى الخارج، ليحيلها في الداخل إلى ذريعة وأداة لتكثيف وتيرة القمع والإعدامات ضد الشعب الإيراني.
وإدراكاً لهذه الحقيقة، يترجم الإيرانيون الأحرار من أنصار “مجاهدي خلق” والمقاومة الإيرانية، هذا الرفض عبر تنظيم تظاهرة كبرى يوم السبت الموافق 20 حزيران (يونيو) المقبل في باريس، حيث يُتوقع أن يشارك فيها ما لا يقل عن مئة ألف شخص. إن هؤلاء المتظاهرين، الذين يمثلون الصوت الهادر ومكبر الصوت لملايين الإيرانيين المسحوقين والمقموعين في الداخل، يطالبون بصوت واحد بإسقاط النظام المستبد الحالي، والاستعاضة عنه بجمهورية ديمقراطية شعبية ترتكز على إرادة الشعب وصناديق الاقتراع، وتستند إلى مشروع المواد العشر للسيدة رجوي، والمقررات المعتمدة من قبل المقاومة الإيرانية؛ ليكونوا بحق الصوت الحقيقي والنابض لضمير عشرات الملايين من أبناء الشعب الإيراني الرازح تحت وطأة الديكتاتورية.



