مقالات

النموذج الأميركي.. نظام قوي ورئيس ضعيف..!  

  محمدخليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

اليوم العشرون من كانون الثاني/ يناير 2021، أثبت النظام الأميركي السياسي والدستوري حقيقة نظرية نقرأ عنها نحن المثقفون العرب، ونسمع عنها باستمرار، ولكن لم يكن ممكنا لنا أن نراها بشكل ملموس، لولا حماقة الرئيس دونالد ترامب في محاولته الطائشة للتمرد على نواميس الدولة الأميركية، ونظامها الديموقراطي.

لقد رأينا من خلال هذه الفضيحة النادرة، مدى ضعف الرئيس الذي يرأس أقوى دول العالم أمام القانون والدستور والنظام ومؤسسات الدولة العميقة، ومدى محدودية سلطاته وقدرته على تجاوز القواعد الراسخة، أو حتى تحديها.

ومع أن الصحف ووسائل الاعلام الاميركية العملاقة لم تكشف حتى الآن ما الذي دار في السر بين ترامب ومؤسسات الدولة العميقة خلال الأيام والساعات الحرجة، لا سيما بعد مهاجمة الغوغاء لمبنى الكونغرس، إلا أن الاعتقاد يذهب الى ترجيح أن تكون (الدولة العميقة) قد رسمت للرئيس العابث خطا أحمر، وحذرته من عواقب تخطيه أو تحديه، خصوصا بعد أن طلبت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي من قيادة الجيش عصيان أوامر ترامب، إذا حاول إشعال حرب في الخارج، أو تمادى وواصل نفخه في نيران الفتنة العنصرية والحزبية في الداخل، نظرا الى أن سلوكه وردات فعله المباشرة على تفوق منافسه جون بايدن، قد نحت منحى العنف المسلح المنفلت من عقال القانون، وألمح الى أنه سيرفض التسليم بهزيمته، والاعتراف بفوز منافسه الديموقراطي، وحرض أنصاره في الشارع على النزول الى الشوارع، وهم جماعات تتألف من اليمين المتطرف، وأنصار العنصرية البيض.

ولم يتردد في التحريض على مهاجمة الكابيتول فاستجاب له أنصاره، وحدث ما حدث، بطريقة أساءت فعلا لصورة وهيبة الولايات المتحدة في العالم، وهزت صدقية نظامها الديموقراطي، كما هددت بنشوب عنف داخلي خطير بين الجماعات الأميركية المتعددة الأعراق والثقافات والطبقات، تحمل في ثناياها إمكانية أن تتطور لشكل من أشكال الاحتراب الأهلي العنيف، وانهيار مؤسسات الدولة الدستورية والفيدرالية والديموقراطية.

لقد أوضحت هذه الحادثة الحية والواقعية كم هو قوي وصارم النظام الأمريكي الديموقراطي، وكم هو ضعيف “القائد” المتربع على سدة الرئاسة في هذا النظام، ومدى تكبيله بقيود حريرية وفولاذية، بحيث لا يستطيع تجاوز القانون والدستور، والأنظمة الداخلية التي لا يسمح حتى بتعديلها إلا كل مائة عام مرة واحدة. كما اتضح مدى عجز هذا القائد الذي يدير العالم من البيت الأبيض عندما تغريه السلطة والقوة بتجاوز صلاحياته قيد أنملة.

هنا يبدو أضعف وأدعى للرثاء والشفقة مقارنة بأي جنرال حاكم في فنزويلا أو شيلي أو موريتانيا أو مصر، حيث يمكن للحاكم العسكري في أي منها أن يعلن فجأة حالة الطوارىء في البلاد، ويأمر بنزول الجيش والدبابات الى الشوارع، وحظر التجول وفرض الرقابة على الصحف، أو وقفها تماما ، ثم التوجه الى الشعب بخطاب ناري ليبلغ عن اكتشاف (مؤامرة خارجية) تهدد أمن البلاد ومصالحها العليا، ويعلن تعليق الدستور، وحل البرلمان وحظر الاحزاب، وتأجيل الانتخابات الى أجل غير مسمى، أو إلغاء نتائجها، والتمديد لنفسه حتى القضاء على المؤامرة الخطيرة، والوعد بالعودة الى الحياة النيابية والديمقراطية في أقرب الآجال، والتي قد تكون بعد عقد أو عدة عقود من الأعوام.. إلى آخر السيناريو المعتاد!

للأسف، لقد وجد أعداء النموذج الأميركي الديموقراطي، الجاهزون دائما لتصيد ما يدعم افتراضاتهم ومقولاتهم الاديولوجية المعلبة في ما حدث فرصة ثمينة لنفث سمومهم ودعايتهم الفجة وثقافتهم الرثة، ونشر شماتتهم بالأمبراطورية الامبريالية الآيلة للسقوط في المستقبل القريب، بحسب تقديراتهم الرغبوية، متجاهلين حقائق ما شهدته العقود الثلاثة الماضية من انهيار مروع للنظام الاشتراكي، وبالأحرى للنموذج الاشتراكي اللينيني، لا في الاتحاد السوفياتي وحسب، وإنما في العالم كله شرقه وغربه، باستثناء الصين وكوريا وكوبا، وهي نماذج انتهت صلاحيتها مع انتهاء النموذج الأم في شرق أوروبا ، وتفتقر على أي حال لأي جاذبية عالمية. وهي مستمرة منذ ثلاثة عقود للآن بالقوة الجبرية والقهرية، لا بالقوة الأدبية والشعبية والالهامية ولا برضى الجماهير.

وفي المقابل، يتجاهل أعداء النموذج الأميركي في دعاياتهم الرثة أيضا بؤس واهتراء شعارات الأنظمة المنافسة والمعادية والشامتة، كالنظام الثيوقراطي الايراني، أو النظام المغلق في كوبا، أو فنزويلا، ناهيكم عن الأنظمة الوراثية الملكية أو ما شابهها، أو الأنظمة البونابرتية البوليسية في بلدان الشرق الأوسط، بما فيها النظام التركي الذي يبدو أن طرحه للعثمانية الجديدة، والإسلاموية الاخوانية لها هدف وحيد هو تدعيم ركائز الاستبداد وتقليص مساحة الحريات، وافراغ الديمقراطية من محتواها ومكتسباتها.

لا بد من الاعتراف بأن النظام الديموقراطي الغربي المعاصر، ما يزال حتى الساعة، وسيبقى الى أمد غير محدد النموذج الأكثر تفوقا، وبفارق عميق على كل الأنظمة المناهضة له، من اليمين واليسار.

 لا نقول ذلك اعتمادا على استنتاجات فرانسيس فوكوياما، في (نهاية التاريخ)، التي توصل اليها متأثرا بمغزى سقوط المعسكر الاشتراكي – السوفياتي بكل العناصر، والخصائص التي قام عليها إنموذجه، الاديولوجية والقيمية، فضلا عن السياسية والعسكرية والادارية. فنحن لا نذهب الى ما ذهب اليه حين أضفى طابعا طوباويا مجردا بعيدا عن الواقع، وفلسف التفوق الغربي ورفعه الى مستوى من التحليل الاخلاقي، وقدم المفهوم على الواقع، وأراد أن يستشهد به على الواقع، بدل أن يعمد الى الاستشهاد بالواقع على المفهوم، واضفاء صفة “الكمال” والثبات عليه.

ونحن لا نتفق ابدا مع استنتاجات فوكوياما، بشأن حركة العالم من التاريخ الى ما بعد التاريخ، والتبشير بتفوق عرقي وعنصري (للغرب)، نتيجة تفوق النموذج الغربي الديموقراطي.

هذه الاستنتاجات مجرد تحليق ذهني غيبي، منفصل عن حقائق الواقع والتاريخ والعلوم الانسانية، وتنطوي على ردة رجعية الى عصر تقسيم الكينونة البشرية الى أمم وأجناس متمايزة عرقيا وعنصريا، وانحياز الى مفاهيم انتولوجية سقطت مع سقوط الفاشية والنازية ونظريات الاصطفاء العرقي.

إن تفوق النموذج الديمقراطي (الامريكي الغربي – تحديدا لأن كافة النماذج الأخرى تتشبه بالديموقراطية بلا تردد !)، إنما هو تفوق ملموس وواقعي، وتفوق لنظام سياسي – فكري شاركت في تحقيقه والوصول اليه كل أمم الأرض من اليونان الى العرب الى الهند.. إلخ، ولم يكن ولن يكون ابتكارا خاصا بالعرق الأبيض ، لا سيما أن هذا العرق لا يعيش بمعزل عن بقية الأجناس على كوكب الأرض، ففي أوروبا وأمريكا تمتزج الأعراق والديانات والثقافات والحضارات، ولا يمكن فصل أحدها أو إحداها عن البقية، باي حال من الأحوال لا قديما ولا راهنا.

إن تفوق النموذج الأمريكي أو الغربي الديموقراطي الذي نقصده هنا، تفوق سياسي محدود بحقبة وعصر محددين، لا بالاطلاق ، ولا يسري على المجتمع الغربي، ولن يدوم للأبد حتما. لأن التغير والتحول والتنافس على كل المستويات سمات عامة للبشر في حياتهم وفي تطورهم عبر التاريخ، ولا ديمومة للأمبراطوريات ولا للنماذج الحضارية، ولا نهاية للتاريخ. فكم من حضارات بادت واندثرت، من بعد أن سادت وازدهرت أزمنة مديدة، في الشرق والغرب.

=======================

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى