الهجرة الفلسطينية “8”.. وخصوصية تشيلي
عبـد الناصــر طــه
خاص “المدارنت”… روى الأستاذ أحمد عبد الرحمن في كتابه “عشت في زمن عرفات”، الفصل الرابع، قصة اكتشاف الجالية الفلسطينية في تشيلي، وما كان لذلك الاكتشاف من أهمية في بدء عمليات اتصال مع فلسطينيي أميركا اللاتينية؛ يقول:
“في شهر شباط 1972 استدعاني أبو عمار، وطلب مني أن أجهز نفسي للسفر إلى تشيلي، وبحكم سفرتي الأولى إلى أمريكا اللاتينية فقد اعتبرت خبيرا في شؤونها. وأخبرني أبو عمار أنه تلقى دعوة من الرئيس التشيلي الاشتراكي سلفادور اليندي لإرسال ممثل عن فتح لحضور مؤتمر الحزب الاشتراكي الثالث والعشرين؛ ولا أنكر أن معلوماتي كانت عن تشيلي شحيحة، وكان مصدري الوحيد من وكالة الأنباء الكوبية ومن صحيفة الحزب الشيوعي الكوبي “سيرا مايسترا”، وكان الديبلوماسيون الكوبيون نشيطين جدا في تلك السنوات، فكانوا هم والصينيون والكوريون الشماليون يؤمنون لنا نشراتهم مترجمة إلى اللغة العربية
استقبلني المسؤولون في الحزب الاشتراكي، وفي اليوم الثاني مباشرة سافرنا في الباص مدة أربع ساعات حتى وصلنا مدينة “فلبريزيو” Valparaíso الساحلية والمؤتمر في الواقع كان بمثابة مهرجان شعبي حاشد. وكان فيديل كاسترو نجم المؤتمر. وبصعوبة بالغة وجد لنا المنظمون مكانا نجلس فيه. وكان المدعوون الأجانب لا يزيدون على ثمانية مندوبين من الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية وكذلك الجزائر.
وحتى هذه اللحظة لم أكن قد وقفت على الأسباب التي دعت اليندي لتوجيه الدعوة لحركة فلسطينية لحضور مؤتمر الحزب الاشتراكي. ولم أجد من المناسب أن اسأل الأمين العام عن سبب دعوتنا، ولهذا فضلت انتظار اللقاء مع اليندي. وقد خصص عشر دقائق لكل رئيس وفد. وكنت الوفد ورئيسه على السواء.
استقبلني الرئيس بعد أن استقبل رؤساء الوفود جميعا، وحين دخلت مكتب الرئيس نهض وصافحني وكانت ملابسه عادية تماما لا تختلف عن ملابس رجل في الشارع وبدون ربطة عنق، وبدون الشكليات المعروفة التي ترافق الدخول على رؤساء الدول.
صافحني الرئيس اليندي وأجلسني بجانبه بكل هذا التواضع المفرط، وشكرني على الحضور وطلب نقل تحياته لعرفات الذي يحترمه، ثم دخل في الموضوع مباشرة.
وقال:”الشعب التشيلي اختار الاشتراكية عن طريق الديموقراطية والانتخابات وليس عن طريق الثورة، والمغتربون الفلسطينيون هم أكبر جالية في تشيلي، وقد كونوا ثروات كبيرة ولديهم مصانع وشركات وبنوك ورؤوس أموال ضخمة من عملهم في هذا البلد، وهم رأسماليون كبار، والذي أطلبه منك أن تتصل بهم هنا في تشيلي وتدعوهم بأن يوجهوا الأموال الفائضة لديهم لتحرير وطنكم فلسطين بدل أن يحاربوا النظام الاشتراكي الذي اختاره الشعب التشيلي عبر
الانتخابات الديموقراطية الحرة، وقال أنهم سحبوا رؤوس الأموال إلى الأرجنتين ونيويورك “والسكودو” أصبح بلا قيمة والآن الدولار يساوي 240 سكودو، وحين جرت الانتخابات كان الدولار يساوي 8 سكودو وقال لا نريد مصادرة أموالهم وتجارتهم ولكن ندعوكم لإقناعهم بعدم محاربة النظام الاشتراكي والوقوف مع الأمريكيين الامبرياليين.
وضغط على الجرس بجانبه فحضر أحد الموظفين حيث طلب منه أن يأخذني إلى النادي الفلسطيني في سانتياغو.
وصافحنا الرجل وودعنا بكل لطف وتهذيب وهو يقول: “سأجعل الأمريكيين يجلسون على الخازوق”.
لم أكن أعرف الكثير عن الجالية الفلسطينية في تشيلي، وأنها أكبر وأغنى جالية فلسطينية في أمريكا اللاتينية، وأن لديهم فريق كرة قدم معروف على مستوى القارة. وعرفني هذا الموظف في الرئاسة على محام من أصل فلسطيني كان أجداده قد هاجروا من بيت جالا في القرن التاسع عشر. واستضافني لعدة أيام في سانتياغو وفي منزله
على شاطئ البحر، والمنطقة كلها شاليهات للأغنياء من المهاجرين الفلسطينيين، وإلى جوارهم بعض المهاجرين الألمان، واليهود نفوذهم ضئيل في تشيلي.وقد قال لي ما خلاصته أن الفلسطينيين هنا مثل كل المغتربين. صحيح أنهم يحرصون على انتمائهم ولكنهم تشيليون ولديهم أحزاب ومصالح داخل البلد تضررت بسبب نجاح اليندي واشتراكيته. ومثل كل بلد في العالم لا يمكن للرأسمالي أن يقبل النظام الاشتراكي. فالاشتراكية والرأسمالية نقيضان على مستوى العالم. وما قاله لك اليندي هو كلام مثالي لا معنى له. وأنا أتحدث الإسبانية وأبي ما زال يحتفظ ببعض الكلمات العربية ولغتي الانجليزية نتيجة الدراسة في الولايات المتحدة، إنني مواطن تشيلي مائة بالمائة.
ورفعت تقريرا بعد عودتي الى أبو عمار الذي أصبح مرجعي الوحيد سواء أكان هناك مفوض للإعلام أم لا؟ وقد ورد في التقرير أن الجبهة الشعبية لها نشاط في أمريكا اللاتينية، وتردد إسم ممثل الشعبية جايل العرجا أكثر من مرة وهو من بيت جالا، وقد استشهد في عملية عنتيبي في أوغندا.
أبو عمار التقط من تقريري ما يخدم أهدافه في تجميع كل قوى الشعب الفلسطيني أينما وجدوا. وبعد سنوات عدة، صار لنا ممثليات في دول أمريكا اللاتينية. وفي دورة من دورات المجلس الوطني في الجزائر، وقد عينني أبو عمار الناطق الرسمي للمجلس، جاءني أعضاء في المجلس واحتجوا لغياب الترجمة الإسبانية فهم لا يجيدون غير اللغة الاسبانية وكانوا من دولة تشيلي.
تلك كانت نقطة البداية؛ بداية اكتشاف الشتات الفلسطيني في أميركا اللاتينية.



