مقالات

الهجمات على المصارف.. بين الحقّ المشروع والفوضى القاتلة!

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..

تزايدت في الآونة الأخيرة عمليات اقتحام المصارف من قبل بعض المودعين، للحصول على أموالهم المحتجزة من دون وجه حقّ.
وقد نفّذ هؤلاء مرادهم أو بعضه عن طريق التهديد والتخويف، واستخدام السلاح القاتل في احتجاز بعض موظّفي المصرف، للضغط من أجل الحصول على مطالبهم، فلم يكن أمام المسؤولين فيه إلا أن يُذعنوا لرغبتهم وينقادوا لأوامرهم مكرهين.
لقيت هذه العمليات تعاطفًا واسعًا من اللبنانيين واستحسانًا وثناءً لدى بعضهم، ممّن وجدوا فيها جرأة واستبسالًا في مواجهة من استباح حقوقهم، واحتجز جنى أتعابهم في سنوات البذل والعطاء.
لا شكّ في أنّ للمودعين حقوقهم المشروعة، وأنّ المصارف التي استودعت أموالهم مسؤولة عن المحافظة عليها، وإعادتها عند الطلب وفقًا لمقتضيات العقد بين الطرفين.
ولا شكّ في أنّ الضائقة العامة، والحالات الانسانية الخاصّة، تحمل بعضهم على سلوك طريق المغامرة والتضحية سعيًا خلف حقوقهم المغتصبة؛ لذلك، من الطبيعيّ أن نكون الى جانبهم متعاطفين متفهّمين.
ولكنّ للعقل الراجح في هذا الشأن كلمته الراشدة الرصينة التي تختصر في الآتي:
أوّلًا: القضية الأساس التي يتوجّب الإهتمام بها والعمل في سبيلها، هي تحصيل حقوق المودعين عامّة، وتحرير أموالهم من مغتصبيها.
ثانيًا: إنّ انتهاج سبيل العمل الفرديّ المغامر، واستخدام الوسائل العنفية في الضغط لتحصيل الحقوق الخاصّة، مع ما ينطوي على ذلك من مخاطر جسيمة، لا يمكن أن يفضي الى تحقيق المطلب العام الذي هو استعادة الودائع المحتجزة كلّها.
ثالثًا: إذا أمعنّا النظر في النتائج التي تترتّب على هذا السلوك الفرديّ العنفيّ، بغضّ النظر عمّا يدفع إليه لدى بعضهم من حالات انسانية وظروف اقتصاديّة قاهرة، يتبيّن لنا أنّ من شأنه أن يؤدّي الى الإضرار بباقي المودعين؛ فبعد سلسلة الهجمات على المصارف في الأيام الماضية، باتت إمكانية حصول المودعين الآخرين على أموالهم، أو على بعض منها أكثر صعوبة وأبعد منالًا.
لقد دفعت تلك الأفعال، إدارات المصارف الى التفكير باتّخاذ إجراءات صارمة في التعامل مع زبائنها من مودعين وغيرهم، ممّا قد يؤخّر عمليّة تسلّمهم لأموالهم، واستيفاء حقوقهم في ظروف يعاني فيها الناس من ضغوط اجتماعية وأحوال معيشيّة لا ترحم.
لقد أعلنت المصارف مثلًا الإضراب لثلاثة أيّام، وربّما يمدّد هذا الإضراب لأيام وأسابيع أخرى؛ فكيف نتصوّر حال من يحتاج سحب مستحقّاته من المصرف، لضرورات مادّية لا تقبل التأجيل.
رابعًا: لو أشحنا النظر عمّا توصّلت اليه تلك الأفعال من مكاسب ماديّة للقائمين بها، فإنّ ما لا يمكن تجاهله، هو حجم الخسائر الفادحة التي كان يمكن أن يترتّب على تلك الأفعال العنفيّة، لو أنّ تلك المصارف لم تخضع لتهديد المقتحمين، وجابهتهم بطريقة مختلفة. في هذه الحال، ما الذي يمكن أن تسفر عنه تلك الهجمات، من خسائر لا تعوَّض في أرواح الناس وممتلكاتهم؟
فضلًا عن ذلك كلّه، فما لا يمكن استبعاده في واقع لبنانيّ حافل بالتوجّهات السياسية المتضاربة، والمخططات المرسومة هنا وهناك، أن تدخل تلك الهجمات الفرديّة التي تستهدف المصارف في إطار مخطّط، يرمي إلى إشاعة حال من الفوضى العارمة، تخدم المصالح السياسيّة، والأهداف المبيّتة المشبوهة، وهي فوضى لو حدثت، لتقوّض معها ركن أساس من أركان الدولة القائمة، ولك أن تتخيّل إذا تقوّض هذا الركن الأساس في الدولة، أيّ مصير سيواجه هذا الكيان اللبنانيّ، وما الذي ينتظر بالتالي، ودائع المودعين وحقوقهم المشروعة.
وهكذا، نحن أمام مسألة شائكة، هي مسألة ودائع مستلبة، ومودعين اغتُصِبت حقوقهم ووظِفت مدّخرات أعمارهم في مشاريع الآخرين. إنّ في هذا اعتداء واضحًا، ومسؤوليات جسام لا بدّ من تحمّلها. وهي في نظرنا مسؤوليات تتحمّلها جهات ثلاث.
– الدولة التي استدانت لتمويل الهدر والفساد، مستبيحة موارد البلاد وحقوق الدائنين، الذين هم في غالبيتهم المطلقة من المودعين.
– والمصارف الخاصة، والمصرف المركزيّ، الذي يتحمّل مسؤولية تمويل الاختلال المزمن في الماليّة العامة، الذي أدّى إلى تنامي العجز في الموازنة والدين العام.
ولكنّ المسؤول الأوّل عن أموال المودعين، إنما هو المصرف الخاص الذي ارتضى التفلّت من التزاماته القانونية والأخلاقية أمام أناس وضعوا جنى أعمارهم بين يديه.
ومع ذلك كلّه، فإنّ الهجمات على المصارف لو استفحلت، وتكررت، وغدت ممارسة دائمة، لا بدّ أن تنعكس ضررًا فادحًا على قضيّة الودائع والمودعين؛ فماذا لو كانت مدفوعة من جهات سياسيّة، تهدف الى إثارة الفوضى التي من شأنها أن تهدّد كيان الدولة في الأساس؟!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى