الواقعية السياسية بين الوهم والحقيقة.. نداء إلى حكام المنطقة وشعوبها!

“المدارنت”
على مدى عقود من التجارب السياسية، شكلت “الواقعية السياسية” الإطار المفاهيمي الذي حاولت من خلاله الدول العربية مواجهة التهديدات الإسرائيلية، وغالبًا ما قدمت كذريعة للتسوية والتعاون مع الخارج. إلا أن الوقائع التاريخية، من “كامب دايفيد” إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية”؛ تظهر أن هذا المفهوم لم يكن سوى غطاء لتبرير سياسات لم تحمِ الأمن القومي، ولم تَكُن قادرة على منع استمرار التهديدات الإسرائيلية. هذا المقال يدعو الحكومات والشعوب العربية إلى إعادة النظر النقدية في معنى الواقعية السياسية، وفهم أن أمن المنطقة ووجودها لا يمكن أن يُسلم إلى قوة خارجية لم تحمِها يوماً.
مسيرة اتفاقيات السلام، بدأت من “كامب دايفيد” 1978، مروراً بـ”وادي عربة” 1994، وصولًا إلى أوسلو التي أُفرغت من مضمونها، ثم “الاتفاقيات الإبراهيمية” 2020. صُوّرت هذه الاتفاقيات على أنها خطوات عقلانية تحفظ مصالح العرب، لكنها سرعان ما انكشفت كأوهام لم تجلب سوى المزيد من التهديدات والتهديدات المستمرة.
رغم التزام العرب بخطاب السلام، واصلت “إسرائيل” محاولة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء بعد “كامب دايفيد”، والتصريحات المتكررة حول سيناء كـ”حل ديمغرافي”، وتهديد السيادة الأردنية بعد وادي عربة والتلويح بوطن بديل للفلسطينيين، وتضاعف الاستيطان بعد أوسلو بدل أن يتوقف، واستنزاف الفلسطينيين في تفاوض بلا نهاية. واستمر العدوان رغم الاتفاقيات الإبراهيمية، كما ظهر جلياً في الضربة الأخيرة على قطر.
الهجوم على الدوحة؛ لم يستهدف قطر وحدها؛ بل ضرب في قلب أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التحالفات الأمنية مع واشنطن؛ لم تكن يوماً ضمانة، وأن الأمن العربي أصبح رهينة لمعادلات أميركية تصون “إسرائيل” وحدها.
أي عقل سياسي يقبل أن تُسلّم مفاتيح أمن المنطقة لقوة خارجية لم تحمِ العرب من العدوان؟ وأي “سلام” يمكن أن يُصدّق بينما القصف والتهديد والتهجير مستمران؟ الحروب الثلاث الكبرى (1948، 1967، 1973) وجولات غزة المتكررة؛ وحرب الإبادة التي تُشن عليها الآن أثبتت أن “إسرائيل” ليست مطمئنة في بيئتها، وأنها تعتمد على واشنطن للبقاء. ومع ذلك، اختارت بعض الحكومات تفسير الواقعية السياسية على أنها الانحناء أمام العاصفة.
ما يسمى “الواقعية السياسية”؛ تحوّل إلى غطاء للجمود والتنازلات. الواقعية التي لا تصون الأرض، ولا تحمي السيادة، ولا تحفظ الهوية، ليست واقعية، بل استسلام بلغة الديبلوماسية.
“إسرائيل” الكبرى ليست أسطورة؛ تصريحات قادتها عن الأردن كوطن بديل، وضم الضفة الغربية، ومشاريع التوسع في الجولان، تثبت استمرار المشروع التوسعي. التطبيع لم يحل أي أزمة؛ المُطبّع لم يسلم من العدوان، والمعارض لم يُعترف بحقوقه. الأمن العربي مهدد في كل بلد؛ من سوريا ولبنان واليمن وفلسطين، إلى تونس وقطر، لم يبقَ بلد بعيدًا عن النيران “الإسرائيلية”.
كما قال إدوارد سعيد في السلام والوهم: “السلام في الصيغة الأميركية/ “الإسرائيلية”؛ لم يكن سوى خدعة سياسية تهدف إلى تكريس الاحتلال لا إنهاؤه”. الحقيقة قد تُخفى، لكنها لا تُلغى. اليوم، الحقيقة واضحة وضوح الشمس؛ “إسرائيل” أصل الخطر، والاعتماد على أميركا لم يكن يومًا ضمانة.
“البراغماتية” الحقيقية تفرض مراجعة اتفاقيات السلام الأمنية مع واشنطن التي لم تثبت جدوى، وإدراك أن أميركا تحمي “إسرائيل” فقط، وإعادة النظر في التطبيع الفاشل؛ وتبنّي خطاب صريح يعلن فشل السلام من طرف واحد، وبناء موقف عربي موحد يستعيد القوة المشتركة؛ ويترجم الإرادة الشعبية، وتنويع التحالفات الدولية مع قوى مثل: الصين وروسيا؛ لتقليل الارتهان للغرب، وبناء تكامل اقتصادي عربي؛ يمنح المنطقة مناعة أمام الضغوط الخارجية.
أعيدوا تعريف الواقعية السياسية بما يخدم أمنكم القومي، اقتصادكم، ووجودكم.
الصمت تواطؤ، والتردد هزيمة، والتذرع بالواقعية مجرد قناع للاستسلام. “إسرائيل”؛ لا تفهم إلا لغة القوة، ومن أراد البقاء في هذه المنطقة، عليه أن يتحدث بلغتها. على الحكومات العربية والشعوب أن تعيد تعريف الواقعية السياسية بما يخدم مصالحها وأمنها القومي ووجودها، وأن تتحرك بوعي وجرأة. التردد أو التأجيل اليوم؛ ليس رفاهية، بل مخاطرة وجودية، وكل تأخير يزيد احتمالية وقوعنا في المحظور، ويضع أمن المنطقة برمتها على المحك، وَلاتَ ساعة مَندم (الندم بعد فوات الأوان).




