الوعي الحزبي “الايديولوجي”.. “1-2”..

خاص “المدارنت”..
في البدء، أود بأن أشير، بإختصار شديد وموجز، إلى أن المجتمعات المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، ومنها مجتمعاتنا العربية، والتي تنتشر فيها وتتجذر ظاهرة العصبيات الضيقة والمقيتة، بما يرافق ذلك وينتج عنه من الانغلاق والتقوقع العصباوي بين أفرادها، بحيث تمثل تلك العصبية الهوية الحقيقية لأفرادها، والتي تكون قائمة على أساس الولاء والبراء والطاعة من قبلهم، مقابل الأمن والحماية لهم، بما ينتج عن ذلك من آثار وخيمة ومدمرة على الفرد بالمقام الأول.
في تلك المجتمعات، نجد بأن هناك كثير من الأفراد ممن لا عصبية لهم, سواء خارج إطار تلك العصبيات أو وجودهم رمزيا ضمنها, والتي يجمعهم شعور واحد وهو الشعور بالإهمال من قبل تلك العصبيات، والتعامل معها بدونية حقيرة من قبلها، وعدم الاعتراف بهم كجزء من النسيج الاجتماعي لتلك العصبيات، ومن ثم عدم التعامل معهم كشركاء في تقرير مصيرهم وإنما كتابعين لها، يفعلون ما يتوجب عليهم فعله المقرر سلفا من قبلها, مع عدم وجود دولة تعترف بهم وتصون حقوقهم، وإنما هم ضمن إطار الدولة العصبية القائمة.
أمام وإزاء هذا كله، نجد أولئك الأفراد يبحثون عن كيان، يشعرون فيه بأهميتهم ويعبر عنهم ويخرجهم من الضيم والغبن الذي يعانون منه, عندئذ تكون الأحزاب الايدلوجية بما تمثله من مبادئ وقيم إنسانية، هي الإطار الذي يجدون فيه مخرجا لهم من سيطرة العصبيات الضيقة والمقيتة, فتجدهم ينضمون إليها باعتبارها المخلصة لهم.
وإذا نظرنا إلى واقع تلك الأحزاب في تلك المجتمعات، من حيث نشأتها وأصولها، لوجدنا أن من قاموا بتأسيسها هم من أولئك الأفراد الذين عاشوا على هامش تلك العصبيات الضيقة والمقيتة, طبعا بإستثناء قلة قليلة ممن لهم تأثيرهم العصباوي في العصبيات التي ينتمون إليها, ومع مرور الوقت وتنامي تلك الأحزاب والدعم المقدم لها,رخارجيا بالمقام الأول, وشعور أولئك الأفراد المنتمون إليها يوما بعد يوم في تنامي الشعور بأهميتهم، وبأن لهم كيانا يضمهم ويعبر عنهم ويطالب بحقوقهم ويصونها, ووجود الصراعات بين تلك الأحزاب القائمة على تلك الأسس الايدلوجية والعقائدية, كل يريد إقصاء الآخر وإلغاءه باعتباره كافرا, دينيا أو وطنيا, بالإضافة إلى استغلال الدولة العصبية الضيقة والمقيتة لكل تلك التباينات فيما بين تلك الأحزاب, ومع عدم وجود دولة مدنية حديثة بركائزها الأساسية، والتي فيها وفي إطارها تضمن الحقوق لكل أفراد المجتمع ومكوناته المختلفة من دون تمييز, ومع وجود الصراعات الخارجية على ذلك البلد واستغلالها لتلك التركيبة الاجتماعية العصبية فيه لتحقيق مآربها ومصالحها, وذلك الشعور المتنامي بالخطر عليها وتهديد وجودها, وبفعل عوامل كثيرة أخرى, لا يتسع المجال هنا لذكرها جميعا, تتحول تلك الأحزاب في تلك المجتمعات المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، إلى “عصبية جديدة”، تسمى “العصبية الحزبية الايدلوجية”، وتصبح واحدة من تلك العصبيات الضيقة والمقيتة في ذلك البلد, وهذا ما أسميه أنا شخصيا بـ”عصبية من لا عصبية له”.
وإذا ما تسنى لأحد تلك الأحزاب الوصول إلى السلطة، والسيطرة على مقاليد البلد، ونتيجة طبيعية وحتمية لتلك العقلية العصبية الضيقة والمقيتة التي تربت عليها, تعمل على إنشاء تلك الدولة وفقا لذلك، بحيث تصبح “دولة حزبية ايدلوجية عصبية”، تعبر عن منتسبيها ومناصريها، وتتحول تلك الدولة مع مرور الوقت إلى “دولة الحزب الايدلوجي”، بما لذلك من آثار وخيمة وخطيرة على البلد برمته.
وما تاريخ وحاضر تلك الأحزاب، في تلك المجتمعات، وما آلت إليه إلا خير دليل على ذلك، ومع مرور الوقت وبفعل عوامل كثيرة ومتعددة، يتشكل ويتجذر لدى أولئك المنتمين إلى تلك الأحزاب “وعيا حزبيا ايدلوجيا”.
ذلك “الوعي الحزبي الايدلوجي”، الذي يعتبر أحد أشكال وأنواع الوعي المختلفة, الذي يمكن القول بأنه ذلك الوعي الذي شكل ويتشكل، ومع مرور الزمن لدى مجموعة الأفراد الذين ينتمون إلى حزب معين، وذلك من مجموعة الأفكار والايدلوجيات والرؤى، وحتى المعتقدات, دينية كانت أم غير دينية, تلك المجموعة من الأفكار والايدلوجيات والرؤى والمعتقدات، تمثل ثقافة حزبية لأولئك الأفراد المنتمين لتلك الأحزاب, والتي على أساسها ووفقا لها يتشكل أخيرا “وعيا حزبيا ايدلوجيا” بكل صوره الفكرية والثقافية والعقلية، وبكل سماته وخصائصه وصفاته ومظاهره، وبكل ما ينتج عنه أخيرا من سلوكيات وأعمال وأفعال وأقوال في تعاملهم مع أنفسهم أولا، ومع الآخر المغاير، طبعا من وجهة وعيهم الحزبي ذلك, سواء كان الآخر حزبا أو جماعة سياسية أو غيرها من الجماعات الأخرى في المجتمع, وسواء كان الآخر مجتمعا بأكمله, سواء كان ذلك المجتمع الذي يعيشون فيه وهم إحدى مكوناته الأساسية، أو مجتمعات أخرى لا يعيشون فيه ولا هم إحدى مكوناته الأساسية.
ذلك الوعي الذي ينظر للآخر المغاير، وعيا وسلوكا، قولا وعملا, وحتى إحساسا وجدانيا ونفسيا, إما بصورة نمطية إيجابية ويتعامل معه وفقا لتلك الصورة النمطية الإيجابية, وهذا ما يمكن تسميته بـ”الوعي الحزبي الايدلوجي الإيجابي”، بما ينتج عنه ويترتب عليه من آثار إيجابية في حياة الأفراد المنتمين الى ذلك الحزب، وفي حياة بقية مكونات المجتمع المختلفة, داخلية كانت أم خارجية أم كليهما معا.
وإما بصورة نمطية سلبية ويتعامل معه وفقا لها, وهذا ما يمكن تسميته بـ”الوعي الحزبي الايدلوجي السلبي”، بما ينتج عنه ويترتب عليه من آثار سلبية في حياة المنتمين لذلك الحزب، وفي حياة بقية مكونات المجتمع المختلفة, داخلية كانت أم خارجية أم كليهما معا.
وعليه: فإن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا، هي: ما هي مكونات ذلك الوعي الحزبي الايديولوجي.. إيجابيا كان أم سلبيا؟ وكيف نشأ ذلك الوعي, وما هي العوامل والأسباب التي أدت إلى تشكله بتلك الصورة؟ ومتى يكون الوعي إيجابيا أو سلبيا, بمعنى ما هي سماته وخصائصه ومظاهره،إيجابية كانت أم سلبية،.. إلخ.؟
وما أثر ذلك على النسيج الاجتماعي للبلد وحاضره ومستقبله, سواء في حالة “الوعي الحزبي الايدلوجي الإيجابي” أم “الوعي الحزبي الايدلوجي السلبي؟”، وكيف يمكن تنمية ذلك الوعي الحزبي الايديولوجي الإيجابي والحفاظ عليه؟ وكيف يمكن تفكيك ذلك الوعي الحزبي الايديولوجي السلبي وإحلال الوعي الحزبي الايديولوجي الإيجابي محله وبديلا له وعنه؟
وقبل كل ذلك السؤال المهم والأهم وهو: هل وعينا الحزبي الايديولوجي في مجتمعاتنا وبلداننا إيجابيا أم سلبيا؟ أسئلة عديدة ومتنوعة حول ذلك، تطرح نفسها هنا، وتحتاج إلى أخصّائيين للإجابة عنها…
يتبع..



