مقالات

الوعي الحزبي الايديولوجي “3/2”

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..

… وبناء على ما سبق، وفي نفس السياق, فإن الوعي الحزبي الايدلوجي في المجتمعات والبلدان المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، والتي تتحكم بها وتسيطر عليها العقلية الاستبدادية الاستعبادية الشمولية التسلطية والطغيانية, غالبا من ينشأ بفعل تأثير الأفكار والايدلوجيات الوافدة عليها من خارجها, والتي يرى حامليها ومعتنقيها بأنها تمثل لهم الخلاص مما هم فيه وعليه، طبعا مع عدم الاغفال هنا لذلك الموروث الاستبدادي الاستعبادي التسلطي والطغياني لتلك المجتمعات.

ذلك الوعي الحزبي الايديولوجي الذي شكلته وتشكله بيئات عديدة ومتنوعة, لعل أبرزها وأهمها, على سبيل المثال لا الحصر, هي:

— البيئة الحزبية الداخلية للإطار الحزبي ذاته، عبر تلك الثقافة الحزبية والتربية الحزبية والطقوس الحزبية التي يخضع لها أولئك الذين ينتمون إليه.

— البيئة الحزبية للأحزاب الأخرى الموجودة في نفس البلد, والتي تكون العلاقة بينها فيما بعضها البعض, بغض النظر عن ايحابيتها أو سلبيتها, عاملا مهما في تشكيل وتشكل ذلك الوعي.

— البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها ذلك الحزب, بحيث تشكل العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية, وقبل ذلك المعتقدات الدينية للمجتمع, والنظرة الاجتماعية إلى الحزبية, عاملا مهما في تشكيل وتشكل ذلك الوعي.

— البيئة السلطوية الاستبدادية… إلخ، المتحكمة في المجتمع والبلد ومصيره, والتي ترى في الحزبية خطرا جسيما على مصالحها وحتى على وجودها, بما يترتب على ذلك من أسلوب تعاملها مع الحزبية.

تلك البيئة التسلطية الاستبدادية… إلخ، تعتبر أهم العوامل التي تشكل الوعي.

يبدأ تشكل ذلك الوعي، وتشكيله للمنتمين إلى تلك الأحزاب بالتأثر أولاً، بفكرة من الأفكار والايدلوجيات لدي المنتمين إلى تلك الأحزاب, أو بشخصية معينة تحمل تلك الأفكار والايدلوجية، ومن ثم الإنتماء إلى واحد من الأطر الحزبية التنظيمية الموجودة في البلد.

ويعتبر إذا ,,القسم التنظيمي الحزبي,, بمثابة حجر الأساس واللبنة الأولى لتشكل وتشكيل الوعي الحزبي الايدلوجي للمنتمين إليها, بما يمثله ذلك القسم من نقلة نوعية ونفسية لدى المنتمين، حيث يؤدى في طقوس خاصة سرية، مما يجعل المؤدي له ينتقل وجدانيا ونفسيا من حياة إلى حياة جديدة لها طابعها السري الخاصة, وبما يفرضه عليه, نفسيا في المقام الأول, من التزامات تجاه الحزب وبما يترتب عليه من واجبات, بخاصة أن ذلك الوعي الحزبي الايديولوجي يتشكل ويشكل في بيئة اجتماعية وسلطوية لا تسمح بوجوده, فيظل وعبر عقود أسيرا وسجينا لتلك الثقافة الحزبية والتربية والتنشئة الحزبية التي تكون حبيسة الجدران المغلقة وفي داخلها, بما يرافق ذلك من خوف ورعب من أمر اكتشافه من قبل من يرون أنفسهم متضررين منه, سواء كانت فئات اجتماعية أو أحزاب أخرى أو سلطة تسلطية.

أي أن ,,الوعي الحزبي الايديولوجي,, في المجتمعات والبلدان المتخلفة والجاهلة وغير المتجانسة، والتي تتحكم بها وبمصيرها العقلية الاستبدادية الاستعبادية الشمولية التسلطية والطغيانية, يكون نتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا حقيقيا لتلك البيئة الفاقدة لأي نوع من أنواع الحرية, بل تسيطر عليها وتتحكم بها ظاهرة الاستبداد والاستعباد والقهر ومصادرة الحريات العامة والخاصة وتكميم الأفواه والزج بمن يعارضها في السجون أو سلبه وجوده الحياتي, أي أن ذلك الوعي ينشأ ويتشكل ويشكل في ظل ما يسمى بـ,,الدولة البوليسية,,، إضافة إلى الغرف المغلقة والطقوس الحزبية والتنظيمية للاجتماعات الخاصة بتلك الأحزاب… إلخ.

وعليه:  ووفقا لما سبق ذكره, فإن السؤال المهم والجوهري الذي يطرح نفسه هنا، هو: إذا كان ذلك ,,الوعي الحزبي الايديولوجي,, قد نشأ وتشكل وشكل في ظل بيئة لا تعرف الحرية، ولا تقبل بالآخر المغاير لها, خاصة البيئة السلطوية التسلطية… إلخ, وفي الغرف المغلقة وخلف الجدران السميكة والأبواب الحديدية, بما يرافق ذلك من طقوس سرية خاصة, وفي ظل هالة من الخوف والرعب الذي تخيم عليه ولفترات زمنية طويلة، قد تمتد عبر عقود… إلخ.

أقول: إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل بإمكان ذلك ,,الوعي الحزبي الايديولوجي, أن يكون ,,وعيا حزبيا إيجابيا,,، بحيث إذا وصل إلى سدة الحكم في البلد، هل يمكن له التعامل مع الآخر المغاير له, طبعا حسب فهمه ونظرته هو, بإيجابية, ويكون مصدرا وقدوة للتعايش مع الآخر والقبول به شريكا أساسيا في بناء البلد, وأن يؤمن بالتداول السلمي للسلطة, وأن يكون شريكا وساعيا لبناء الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية…؟!

إن بيئة الحرية لا يمكن لها إلا بأن تنتج أحرارا, حكاما ومحكومين, وإن بيئة الاستبداد والعبودية لا يمكن لها, غالبا, إلا بأن تنتج مُستبِدّين ومُستبَدّين وسادة وعبيد, رعايا ورعاع واقنان لا مواطنين.

وإن من تربى, وعيا ووجدانا نفسيا, في الغرف المغلقة والمظلمة، لا يمكن له بأن يتقبل فجأة شعاع الضوء الساطع.

يتبع…

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى