مقالات

الى أين تذهب المساعدات المالية التي تحصل عليها الدول العربية؟

“المدارنت”
ثمة أسئلة متزايدة في العالم حول أهداف وجدوى المساعدات المالية، التي تقدمها الدول الكبرى والغنية لدول العالم الثالث، أو للشعوب الفقيرة، وما إذا كانت هذه المساعدات تؤدي دورها الإنساني المطلوب، أم أنها تحولت إلى أدوات سياسية للهيمنة، يتم من خلالها التحكم بسياسات ومصائر الدول التي تتلقى هذه المساعدات.

في بريطانيا أظهر استطلاع رأي جديد أجراه «دويتشة بنك» الألماني أن أغلب البريطانيين يؤيدون خفض المساعدات الخارجية، التي يتم تقديمها إلى دول العالم الثالث، ويتم تمويلها بطبيعة الحال من أموال دافعي الضرائب، وذهبوا إلى أن «خفض المساعدات أولى وأفضل من رفع الضرائب»، وذلك كأداة لتعويض العجز المالي في الموازنة.

وحسب الاستطلاع الذي هدف إلى رصد أولويات الأسر البريطانية تجاه المالية العامة، قال 52% من المشاركين إن المساعدات الخارجية هي المجال الأول الذي ينبغي للحكومة خفض الإنفاق عليه، فيما فضّل 26% تقليص الإنفاق الحكومي بصورة عامة كخيار أساسي لتحسين وضع المالية العامة، مقابل 14% فقط أيدوا زيادة الضرائب. وتأتي نتائج الاستطلاع في وقت تواجه فيه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة للموازنة، بين تمويل الخدمات العامة، والسيطرة على الدين والإنفاق، فيما تتجه الأنظار إلى موازنة الخريف وما قد تتضمنه من إجراءات مالية.

من المعروف أن لدى بريطانيا برنامجا خاصا وعلنيا للمساعدات الخارجية، يتم تمويله من الموازنة العامة، ويهدف إلى الحد من الفقر والأزمات الإنسانية، وتبلغ ميزانية هذا البرنامج حالياً 7.2 مليار جنيه استرليني (9.75 مليار دولار أمريكي)، أما أغلب المستفيدين التقليديين من هذه المساعدات فهي الدول العربية الفقيرة، إلى جانب أوكرانيا، التي أصبحت على رأس المستفيدين في السنوات الأخيرة فقط بسبب الحرب.

أما الولايات المتحدة التي هي أضخم اقتصاد في العالم فبرنامجها للمساعدات الخارجية أضخم بكثير من بريطانيا، فهي تُقدم لدول العالم أكثر من خمسة أضعاف ما تقدمه بريطانيا، إذ إن موازنة المساعدات الخارجية التي تقدمها تبلغ 50 مليار دولار حالياً، لكن هذه الموازنة كانت سابقاً تصل إلى 85 ملياراً سنوياً قبل أن يتم خفضها.

من يُلقي نظرة على خريطة المساعدات الأمريكية والبريطانية، يجد أن الدول العربية تتربع على قائمة المستفيدين، سواء عبر مساعدات مالية مباشرة أو عبر مشاريع تنموية يتم تمويلها وتنفيذها من قبل الدول المانحة، وفي المقابل فإن مطالبات دافعي الضرائب في دول مثل، بريطانيا والولايات المتحدة بخفض هذه المساعدات تفتح الباب أمام الكثير من الجدل بشأن هذه المساعدات، وما إذا كانت أصلاً مفيدة للدول المانحة والدول المستفيدة معاً أم لا.

والحقيقة أن الكثير من دول العالم الثالث تغرق في منظومات من الفساد المالي والسياسي والإداري، وهو ما يجعل هذه المساعدات محل تساؤل كبير: أين تذهب هذه الأموال؟ وإذا وجدنا أن العالم العربي يزداد فقراً وجوعاً وحاجة، فإن السؤال يزداد إلحاحاً، لا بل حتى المشاريع التنموية التي يتم تمويلها لم تعد تستفيد منها شعوب هذه الدول، إذ من المعروف أن بعض المانحين بات يتجنب دفع أموال نقدية مباشرة لحكوماتنا، حتى لا تذهب إلى جيوب اللصوص والفاسدين، ويُفضل تنفيذ مشاريع تنموية بشكل مباشر، ومع ذلك تعاني الدول العربية واقتصاداتها وتكاد لا تستفيد لا من الدعم المالي المباشر، ولا من المشاريع التنموية التي يتم تنفيذها.

على الدول الغربية الكبرى أن تُفكر في كيفية مساعدة الدول العربية ودول العالم الثالث في إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي، يقوم على احترام الإنسان، وعلى المراقبة، والحوكمة، وعليها أيضاً أن تساعد في تأسيس «دولة قانون» حقيقية في أقطارنا العربية، لأن هذه الأشياء أولى وأهم من المساعدات الإنسانية والمشاريع التنموية، إذ إن التحول الديمقراطي يجب أن يكون أسبق على مساعدة الناس مالياً، وذلك لضمان أن لا تتم سرقة هذه المساعدات، وضمان أن لا تذهب في دهاليز الفساد واللصوصية والمحسوبية.

أما في الوضع الراهن فإنَّ اللصوص والفاسدين هم الذين يحصلون على المساعدات والدعم ويستأثرون به لأنفسهم، دون غيرهم، بينما يزداد الإنسانُ العربي فقراً وجوعاً وبطالة، لا بل تغرق بعض الدول العربية أيضاً في صراعات سياسية وعسكرية يتم تمويلها من المساعدات المنهوبة بما يؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية.

محمد عايش/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى