انفجار.. حريق.. غريق..

خاص “المدارنت”..
“بلغ السيل الزبى”، كثيرًا ما نسمع هذا المثل، لكنّ أحدًا لم يخطُر بباله معرفة قصة هذا المثل. لقد قرأت عن القصة في هذا العالم الإفتراضي الآن، وأنا لا أثق بالعالم الإفتراضي بالعادة، لكنّي اقتنعت:
” أما قصة هذا المثل، فتعود لرجل كان مُحترفًا باصطياد الأسود، وقد كانت طريقته بحفرِ حُفرًا لإسقاطهم فيها، وكان يستخدم كلمة “زبية” للإشارة للحفرة، وهي كلمة عربية تعني الحفرة التي تكون في الأرض. وفي أحد أيام عمله في الصيد قام بتحضير عدة زبى “جمع زبية” وقام بنصب طعم على كل زبية، وبدأ ينتظر الأسود لتأتي وتقع بها ليصطادها، ولكن من سوء حظه إنهمر المطر فوق الزبى التي حفرها. وبقي الصيّاد ينتظر على أمل أن يتوقف المطر لكن دون جدوى، وفي النهاية عندما فسدت الزبى التي حفرها بسبب المطر غضب فقال: بلغ السيل الزبى، وأنهى يوم صيده المنحوس هذا”.
وقد بلغ السيل الزُبى يوم أمس في بيروت. فبعد عودتي إلى المنزل بعد يوم عمل مُتعب لأنه “أون لاينيًّا”.
نعم فالعالم الإفتراضي يزيدني إحباطًا وتبرّمًا بعد جائحة الكورونا، التي قضت على حبّي للقاء الناس بالواقع. عُدتُ إلى المنزل أخذت حمّامًا لأزيل أثار التعب اليومي. وجلست أمام التلفاز، لأُضيّع وقتًا قبل البدء بالقراءة والكتابة، وهذا طقسي اليومي. فجأةً، كانت صدمتي بإسترجاع شعورًا من الذاكرة التي تُخزّن صورًا وأحداثًا وبالطبع مشاعرَ لا يُمكن محوَها.
نعم، فقد عايشت منذ ولادتي في العام 1975 أكثر من عشرة حروب، كانت أهلية أحيانًا، وعدوانًا صهيونيًّا أحيانًا أخرى. ركضت مذعورًا، ولا أدري كيف يجب أن أتصرّف. فمنذ زمن طويل لم أمرّ بالتجربة. وقد كان العدوان الصهيوني في العام 2006 هو آخر تجربة قاسية مررتُ بها، فقد كانت ابنتي قد بلغت الخامسة من العمر، وكانت مسؤوليّتي أن أهرب مع عائلتي الصغيرة بهدف البحث عن الحماية والأمان. التضامن الإجتماعي منع تمامًا أن يبلغ السيل الزبى. فطبيعة البشر خيّرة، وهذا بحسب فلاسفة اللاعنف.
وأنا مقتنع تمامًا بهذا الشيء. وما اتحدّث عنه لمسته بالواقع. فقد سارعت العائلات غير المُتضرّرة يوم أمس وبعد الحريق الهائل، بتقديم عروض المساعدة إن كان منازل للمبيت أو ترميم ما تدمّر أو أي أغراض أخرى. وفي العالم الإفتراضي، تواصل معي أصدقاءٌ من دولاً عدّة حول العالم :أميركا، كندا، إلمانيا، فرنسا، الأردن، سوريا، فلسطين. للإطمئنان على صحّتي عند مشاهدتهم للأخبار المتلفزة، فالكل يعرف أنّي مقيم في بيروت.
وهذا التواصل للإطمئنان يعطيني دفعًا إيجابيًّا لمنع بلوغ السيل الزُبى. لكنّ الكيل الذي طفح بفساد نظامٍ شاءت الظروف أن يدمّر وطنًا فوق رؤوس أبنائه ليكشف ويعرّي ليس الطبقة الفاسدة الحاليّة بل كلّ من تبوّأ مقعد مسؤولية ليعيث فسادًا دون شفقة أو رحمة أو حسًّا وطنيَا في بلدٍ كثُرت فيه طوائفه وقلّ فيه.. لبنان.
وفي عودة الى السيل الذي لم يبلغ الزبى إنسانيًّا، لأن المطر حين يهطل يسقي الأرض دون قصد. فهو يعطي الخير بالفطرة وبشكل عفوي. وكذلك رأي أستاذي في جامعة اللاعنف الفيلسوف الفرنسي “جان ماري مولر” حين يحكي عن العنف، فيقول بأن الأرض لا تقصد الأذى حين تقتل الناس بهزّةٍ أو فيضانٍ ما. فالعنف يسبقه نيّة الأذى، لذا فالطبيعة لا تنوي الأذي فهي لاعنفيّة.
وفي الحريق المشكوك بأمره، لا أودّ أن ألعب دور الشيطان، لكن التحليلات كلّها صحيحة من وجهة نظر مُتداولينها، نعم فكيف تُقنع من يضع صورة لزعيم على بروفايل “الواتساب” عنده بأن الطرف الآخر المُعادي لزعيمه ليس مُرتكبًا الإنفجار/ الحريق؟ وعلى المنوال نفسه لا يمكنك إقناع الطرف الأخر المُتهم من الطرف الأول بأن الحدث طبيعي.
لقد بلغ السيل الزبى (الزبى تعني الحُفر) وأغرق الشعب الذي يُقدّس زعيمه الذي حَفر أو شارك أو سكت عن حفرِ حفرًا ما زالت تُغرق شعبنا “المغروق” على أمره. إن الزبى نتاج نظام واحد فاسد توارثه زعماء وأحيانًا مسؤولون لم يصلوا إلى رتبة زعماء عند عامة الناس. إن الزبى فضحت فسادًا نعرفه، فيبقى أن نصرخ عاليًا لردمِ الزبى، بدءًا بقضاء نزيه يحمل ترابًا شريفًا لإغلاق زبى الفساد. فقد بلغ السيل الزبى.
وبعض إعلامنا يغوص بعمق في البحث عن السبب الحقيقي للإنفجار، ليكون باستطاعته أن يكيل التهم وفق مزاجه السياسي.



