مقالات
الأزمــة الـحـقـيـقـيــة..

خاص “المدارنت”..
إننا إذا نظرنا وبعمق إلى ما نحن فيه، وعليه، كأفراد أولا ونخبا ثانيا ومجتمعات وأوطانا وأمة ثالثا، لوجدنا بأن الأزمة الحقيقية التي نعيشها ونعاني منها ونتجرع ويلاتها جميعا، تتمثل بأزمة وعيية ممثلة ومتمثلة بـ”وعي التخلف المقدس” و”وعي الظلامية المقدسة” و”وعي الجهل المقدس” بكل السمات والخصائص والصفات والصور والمظاهر والنتائج الكارثية الوخيمة علينا كأفراد ومجتمعات وأمة لهم، طبعا مع وجود فوارق نسبية متفاوتة هنا وهناك، بما لذلك من آثار خطيرة ووخيمة ونتائج كارثية علينا جميعا… بمعنى، إنعدام وغياب شبه تام للوعي الأخلاقي.
إن تلك الأزمة، وكنتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا حقيقيا وطبيعيا لذلك الوعي، تتمثل وظاهرة للعيان من خلال عدة مظاهر، لعل أبرزها وأهمها تتمثل بـ”التقدسية والصنمية والماضوية والتسلطية والطغيانية والاستبدادية والذكورية والاحتكارية والاقصائية والتكفيرية وكذلك التآمرية والصورة النمطية السلبية”… إلخ, ليس في الوعي الجمعي المجتمعي الاجتماعي عموما وخاصة بل في الوعي النخبوي..لغالبية النخب..! فيها, وهنا الكارثة الحقيقية والطامة الكبرى والمصيبة الفادحة والعظيمة.
إن لكل ذلك أسباب وعوامل عديدة ومتنوعة، ذاتية وغير ذاتية، موروثة وحاضرة ، دينية وغير دينية، جغرافية ومناخية..إلخ، لا يتسع المجال هنا لذكرها جميعا وتفصيلها، وكذلك أيهما أكثر تأثيرا وأشد خطرا وأكثر أهمية منها.
إن غالبية أوطاننا كأمة كانت ترزح تحت وطأة الاحتلال الأجنبي المباشر وتحررت وحررت منه، ومازال بعضا منها تحت وطأته، وبأن ذلك التحرر والتحرير لم يؤدي إلى حل تلك الأزمة الوعيية أو حتى حلحلتها وذلك عبر محاولة التحرر والتحرير من ذلك الوعي.. مما هو فيه..وعليه..من أزمته,بل العكس من ذلك تماما، إذ أن تلك الأزمة في وقتنا الحاضر، أشد مما كانت عليه سابقا.
وبأن الإنسان الفرد كان شبه مغيب إن لم يكن مغيبا تماما من قبل أولئك الذين قاموا بتلك العملية ” عملية التحرر والتحرير ” عبر الإنتصار الحقيقي لإنسانيته وآدميته وحريته وكرامته، وكذلك إخراجه مما هو فيه من تخلف وظلامية وجهل وفقر، وعليه من استبداد واستعباد وتسلط وطغيان وضيم وظلم وجور وتعسف وإذلال وقهر وهدر.. إلخ.
وقبل ذلك كله والأهم من كل ذلك:
عدم الإعتراف به كإنسان يستحق الحياة، له حقوقا إنسانية وعليه واجبات مترتبة على نيلة تلك الحقوق، بل إن حاله زاد أكثر بكثير عما كان فيه.. وعليه.. قبل تلك العملية “عملية التحرر والتحرير ” من قبلهم, إذ أنه وبعد تلك العملية,عملية التحرر والتحرير من الأجنبي سادت في مجتمعاتنا وبلداننا أنظمة استبدادية استعبادية تسلطية وطغيانية, إلا ما ندر وفي فترات زمنية قصيرة وفي بعض المجتمعات والبلدان, وذلك بجميع الإنتماءات الايدلوجية والعقائدية لها, كان استبدادها واستعبادها وتسلطها وطغيانيها أشد بكثير وأفظع بكثير وأقبح بكثير مما فعله ذلك المستعمر الأجنبي بنا, بل إننا بتنا نترحم عليه ونحن إليه ونستجديه العودة مجددا.
إن ذلك يقود إلى أن ما وصلنا إليه..ليس فقط بسبب ذلك الاحتلال وبأن الخلاص من ذلك عبر التحرر والتحرير منه، إنما السبب الرئيسي في ذلك كله هو تلك الأزمة الوعيية الممثلة والمتمثلة بـ”وعي التخلف المقدس” و”وعي الظلامية المقدسة” و”وعي الجهل المقدس”.
وبأن عملية التحرر والتحرير الحقيقية تتمثل بـعملية جادة لحلحلة تلك الأزمة الوعيية وحلها،وذلك عبر عملية تحررية وتحريرية من ذلك الوعي…, وذلك عبر ثورة وعيية أخلاقية فكرية عقلية ثقافية تغييرية تنويرية تحديثية تستهدف بالمقام الأول نخبها حتى تستطيع حينئذ أداء رسالتها الأخلاقية المناطة بها تجاه مجتمعاتها وأقطارها وأمتها..إلخ.
الخلاصة:
إن حل تلك الأزمة الوعيية، أهم بكثير من تحرر وتحرير الأرض.. على حساب الإنسان فيها..، بل إن ذلك هو المقدمة الأولى والأساسية لتحرر وتحرير الإنسان الفرد والإنسان المجتمع الذي بدوره يقوم بعملية تحرر وتحرير الأرض ومن ثم ضمان استمرارية ذلك التحرر والتحرير…، فالإنسان الحر هو جوهر الوطن الحر والأمة الحرة…
وهذه هي البداية الحقيقية والصحيحة لعملية التحرر والتحرير الحقيقية…



